أمير عبدالله خليل.. تاريخ ناصع
الكمدة بالرمدة

أمير أحمد السيد
أم درمان، تلك المدينة الواقعة على الشق الأيسر لنهر النيل الخالد، بدأت بقصة حب عظيمة منذ الأزل؛ ففيها يلتقي أزرقها بأبيضها، ويحتضنان بعضهما في حالة حب وعشق ووله، ذلك الحب الممتد على تلك الأرض العظيمة، والتي نشأت على ذلك الحب الكبير، فاجتمع فيها الناس من كل حدب وصوب، عاشوا وتصاهروا وانصهروا في تلك البوتقة، فخرجت فيها أجيال وأجيال مختلفين فكرًا وسلوكًا، متقدمين في كل شيء. لغتهم واحدة، فيها من كل لهجات السودان. كانت هي أول مفاتيح الفكر والأدب والثقافة والفنون والثورة والنضال، ونشأة الحركات السياسية والمجتمعية وتطورها.
أم درمان حكاية حب وفكرة لا تشبهها فكرة أخرى.
هذه الفكرة العظيمة بُنيت على قيم وأخلاق فاضلة، وكأنما كان اجتماع أهلها من الغرب والشرق والشمال والجنوب قد جاء ليمنح الناس هذا النموذج المختلف، فانصهر الناس في هذه البوتقة وتلاقحوا وأنتجوا جيلًا مختلفًا، أهم ما يميزه الوعي والاستنارة، فكان لهم نصيب الأسد من كلية غردون التذكارية، وقادهم طموحهم لتطوير أنفسهم وأدواتهم، فكانت أم درمان هي المدينة التي حظي أبناؤها بأوضاع مختلفة نتاجًا لجهدهم وجدهم واجتهادهم.
وقد كانت أم درمان هي مهد الفنون والثقافة والأدب والعلم، فأنشأ الشيخ أبو القاسم هاشم المعهد العلمي، والذي وجد إقبالًا كبيرًا من عموم أهل السودان.
وسط هذا الجمال، برزت شخصية مختلفة تشبه فكرة هذه المدينة.
أمير عبدالله خليل، الرجل المختلف فكرًا وسلوكًا
كنت وما زلت أتحدث دائمًا عن أن مدينة أم درمان عبارة عن (فكرة) عظيمة، فكرة البوتقة التي انصهر فيها جميع أهل السودان، عاشوا فيها بحب وتحنان ووفاء عظيم لهذه المدينة التي احتوتهم… وأمير الأم درماني القح جزء لا يتجزأ من هذه الفكرة العظيمة. كيف لا، وهو ابن أم درمان البار بها وبأهلها؟ كيف لا، وهو ابن هذه المدينة التي خبرها وخبرته جيدًا، أحبها وأحبته حد العشق والوله؟ بعد أن شرّف هذه المدينة خارجيًا بتقلده أرفع المناصب، عاد إليها يبحث عن الرفاق والأصدقاء، وهم كثر، يطوفون في كل أحيائها.

وهذه الفكرة العظيمة كانت قد اكتملت بزواجه من ابنة خاله، السيدة الفضلى نادية عبد الحليم محمد كامل، رفيقة دربه التي وقفت إلى جواره وساندته ودعمت هذه الفكرة العظيمة.
أمير سوداني أصيل في كل تفاصيل حياته، وإنسان نبيل أحب البسطاء من أبناء هذه المدينة، ما دفعه بقوة للعمل الطوعي من أجلهم فقط. وكم كانت حظوظ هذه المدينة عظيمة حينما أتى على رأس مجلس إدارة مستشفى أم درمان التعليمي، حيث عمل بجد ومثابرة واجتهاد كبير في رفعة وتقدم هذا المستشفى، من أجل توفير خدمة مثالية لإنسان هذه المدينة. ورغم المرض، إلا أن الرجل كان يأتي على كرسيه المتحرك، باسمًا بشوشًا، يجلس لساعات طوال، يبني هنا ويستقطب الدعم والمعدات، ويقف على تحسين مستوى الخدمات هنا وهناك، إلى أن أصبح هذا المستشفى مستشفى مرجعيًا.
أصبح متاحًا لمريض القلب والمخ والأعصاب ومريض السكري والأنف والأذن والحنجرة، كل ذلك بإمكانيات كبيرة جدًا.
قد نحتاج إلى مجلدات كبيرة إذا أردنا الحديث عن جوانب كبيرة من حياة الراحل أمير في كل جوانبها، خاصة الجانب الإنساني، فالرجل موسوعي، بدأ منذ طفولته مختلفًا، وهو قد وُلد في جيل الاستنارة، الجيل الذي وجد أمامه نسمات الحركة الوطنية في أربعينات القرن الماضي، وهو من عاش في كنف والده، الرجل الذي شهد له التاريخ، الأميرالاي عبدالله بك خليل. لم يكن ذلك الرجل عسكريًا فحسب، بل مهندس تخرج في كلية غردون، ثم ولج العسكرية وناضل من أجل استقلال السودان، ووقف إلى جانب ثوار 24. في هذه الأجواء المفعمة بالحرية ونسمات الديمقراطية، نشأ الأمير شابًا يافعًا قويًا، متمسكًا بقيم ومثل وأخلاق هذه المدينة الفاضلة. نشأ بسيطًا، يجري ويلعب في أزقتها. لم يكن أمير ابن البيه أو رئيس الوزراء، نشأ بفكره وطوّر نفسه، كان يقود المظاهرات ووالده على سدة الحكم في السودان، ويقول رأيه بجرأة، ولا يخاف في قول الحق لومة لائم.
حكى لي الراحل عن أنه كان يعشق العسكرية، متأثرًا بالأجواء من حوله، صرامة والده العسكري وابن عمه السيد السفير ميرغني سليمان خليل. وبالفعل، تقدم للكلية الحربية، لكن قام أحد الضباط بجلب الامتحان له بالمنزل، حينها علم الأميرالاي عبدالله خليل بذلك، فقام بتأنيبه هو والضابط الذي أتى بالامتحان، وقال لأمير: ارفض هذا الأسلوب، فهذه الفرصة أولى بها أحد أبناء السودان. كان هذا الموقف هو جزء من تربية أمير التي نشأ عليها داخل منزل البيه. تربى على احترام الآخر والأخلاق الفاضلة وقيمة الإنسان أولًا وأخيرًا، لذا نجد ذلك الأثر واضحًا جليًا في تعامله وفي علاقاته الإنسانية مع عمال المنزل والبسطاء من الناس. كان يمشي بينهم بسيطًا، ويعاملهم بحب، ويشعر بمسؤولية كبيرة تجاههم وتجاه مشاكلهم وقضاياهم الكبيرة والصغيرة.
كانت أخبار الأمير تصل إلى أم درمان من مكان عمله في روما، فالرجل كان يلتقط كل سوداني زائر إلى إيطاليا إبان فترة عمله بروما، يقف إلى جوار الجميع ويسهم في حل مشاكلهم. كان سفارة متحركة، يمتلك إحساسًا كبيرًا جدًا بالآخر وبمسؤولية تجاه الآخرين.
حكى لي صديق عمره، السيد فيصل ساتي، عن أنه أراد وزوجته زيارته في روما، لكنهما لم يريدا أن يخطراه بتلك الزيارة، فغادرا إلى روما وفي نيتهما مفاجأته، لكن كانت المفاجأة الكبرى أن وجداه في مطار روما أمامهما.
هكذا كان الأمير في كل مكان عمل فيه، يهتم بالجميع: البعثات الدبلوماسية والفنية والرياضية، وكل قادم من السودان. هكذا كان في روما ويوغندا والعراق.
لم تصبني الدهشة والاستغراب حينما رأيت الجموع والجيوش الجرارة من البشر، أتوا من كل فج عميق، والدموع على المقل والوجوه عبوسة في خيمة العزاء. كان الأمير حاضرًا؛ ما إن تجلس لمجموعة حتى يبدأ الحكي. بعضهم تعرف إليه في روما، وبعضهم تعرف إليه في يوغندا، وآخرون في العراق والأردن. قصص وحكاوى من داخل البقعة، الجميع يحكي عن إنسانية الرجل، الجميع يحكي عن عظمة الرجل وأخلاقه الفاضلة، الرجل الذي أحب الناس وعشقهم، ودخل إلى قبره آمنًا مطمئنًا برفقة طفل رضيع. هكذا أراد له رب العالمين مجالسة الأخيار في الدنيا، وأطفال يحملونه بأجنحة الملائكة إلى جنات الخلد آمنًا مطمئنًا، إن شاء الله.
حكاوى وقصص الأمير، كما أسلفت، كثيرة جدًا على المستوى الإنساني، فالرجل ينطبق عليه الحديث القدسي عن الرسول الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، أن:”لله عبادًا اختصهم بقضاء حوائج الناس، حببهم للخير وحبب الخير إليهم، أولئك الآمنون من عذاب يوم القيامة”.





