بعد خمس سنوات.. ها هما عاريان إلا من بندقية

في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، أطاح الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وحليفه قائد قوات الدعم السريع، بالشق المدني من السيادة، وأنهيا معاً وجود الحكومة المدنية الانتقالية التي كان يترأسها الدكتور عبد الله حمدوك، وبذلك وضعا حداً كارثياً لمسار سياسي واعد بدأ عقب ثورة ديسمبر 2018.

بعد مرور خمس سنوات، يجد السودانيون أنفسهم أمام حصيلة كارثية عنوانها انهيار الدولة وما يتبع ذلك الانهيار من تدهور سياسي واقتصادي واجتماعي، بلغت ذروة الانهيار مع اندلاع الحرب بينهما في أبريل 2023.

في الواقع، كان انقلاب 25 أكتوبر هو المحاولة الثالثة الناجحة للاستيلاء على السلطة، فقد سبقته عدة محاولات، كان أبرزها في 11 أبريل 2019، ثم فض الاعتصام السلمي من أمام القيادة العامة للجيش وغير ذلك من المحاولات الفاشلة بقوة الشارع. والآن يمثل نجاح البرهان في الانقلاب نقطة تحول غير مسبوقة في الأزمة السياسية السودانية.

لقد أثبتت تجربة البرهان وحليفه أن الاستيلاء العسكري على السلطة سيكون مستحيلاً في بلد يعيش الثورة، وأن إقصاء القوى المدنية ليس متاحاً في ظل عالم اليوم المفتوح على قيم الديمقراطية وموازناتها، ليس متاحاً حتى لو تقاسما أرض السودان الواسعة.

في البدء، بُني الانقلاب على كذبة (تصحيح مسار الثورة السودانية)، لكنه صُمم في الأصل لعودة نظام الإخوان المسلمين بوصفه الشريك السياسي المختبر والمضمون، وحين لم يتم ذلك بالصورة المطلوبة، أغلَقا الطريق أمام أي سياسة مدنية وجعلا البندقية صاحبة المجد، كما جرت عبارة البرهان.

وفي الواقع، كانت الحرب هي النتيجة المباشرة لهذا الانقلاب الذي يُسأل عنه الرجلان، قائد الجيش وقائد قوات الدعم السريع، أكثر من كونها اختلالاً مرتبطاً بأزمة الانتقال الهش. لقد عطّل البرهان وحليفه أي جهود جادة للإصلاح الأمني والعسكري، وأفشلا أي جهود لبناء مؤسسات عسكرية تخضع للسلطة المدنية.

تحول الانقلاب إلى حرب قادت إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم. ملايين السودانيين أُجبروا على مغادرة منازلهم، فيما يواجه المواطنون في كامل البلاد نقصاً في الغذاء والدواء، وتدهوراً في الخدمات الصحية، وانقطاع مجتمعات وأقاليم بأكملها عن التعليم. وبحلول أبريل 2026، كان أكثر من 15 مليون شخص قد نزحوا من منازلهم داخل السودان أو لجأوا عبر الحدود.

بعد سنوات من ذلك الحدث، سيتضح أن إزالة المدنيين من السلطة لم توحّد المجال المسلّح في السودان. لقد أزال الانقلاب أحد أطراف المساومة السياسية، لكنه ترك السؤال الأعمق بلا جواب: من يملك السيادة داخل الكتلة المسلّحة نفسها؟ ما العلاقة بين القوات المسلّحة والدعم السريع؟ ما موقع الحركات المسلّحة؟ وما الذي سيحدث إذا لم يعد وجود خصم مدني مشترك كافياً لتغطية اختلاف مصالحها؟

لقد كان (2021) جسراً ضرورياً إلى (2023). التعاون في الانقلاب لا يثبّت وحدة المشروع، مثلما أن الحرب اللاحقة للانقلاب لا تمحو التعاون السابق. في الحالتين، تتصرّف مراكز القوة المسلحة وفقاً لما تراه حامياً لمصالحها في لحظة محددة.

وهذا يفسر لماذا لم يؤدِّ نجاح الانقلاب وإسقاط الحكومة المدنية إلى استقرار النظام. لقد حسم سؤالاً واحداً، هو إخراج المدنيين من مركز السلطة التنفيذية، وترك أسئلة الأطماع والمصالح وتوزيع القوة بين المسلّحين أكثر عُرياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى