وسط انقسام عميق.. (الشعبي) يدشن عودة نشاطه إلى الخرطوم… هل تنتعش الأحزاب؟

أم درمان- شمائل النور
بحضور محدود من الأعضاء، افتتح حزب المؤتمر الشعبي بقيادة الأمين محمود، مقره في مدينة أم درمان السبت الماضي، في بادرة عدها كثيرون خطوة إيجابية لاستعادة الحياة السياسية في الخرطوم بعد نحو أربع سنوات من الحرب.
لكن الحزب الذي أسسه عراب الحركة الإسلامية، حسن الترابي، وكان فاعلًا محوريًا في العمل المعارض لحكومة عمر البشير، بدا وكأنه يتلمس ميلاده من جديد، فمنذ انتخاب علي الحاج أمينًا عامًا لحزب المؤتمر الشعبي في 2017 وحتى اليوم، اختلطت كثير من الأوراق، حيث تعرض حزب المؤتمر الشعبي لشرخ عميق انتهى به إلى الانقسام.
وهي ذات الشروخ التي لحقت بغالبية التنظيمات السياسية خلال الفترة التي تلت سقوط حكومة عمر البشير في 2019، وكان لحزب المؤتمر الشعبي نصيب من الانقسامات.
في يناير 2024، قررت هيئة شورى حزب المؤتمر الشعبي برئاسة إبراهيم السنوسي عزل الأمين العام للحزب، علي الحاج، لكن الأمانة العامة التي يرأسها الحاج رفضت قرارات الشورى، واشتعلت حرب البيانات بين جناحي الحزب، لينتهي الأمر إلى انقسام حقيقي طال الحزب الذي أسسه الترابي.
ورغم أن قرارات هيئة الشورى اتخذت طابعًا شرعيًا بحصولها على فتوى من مجلس الأحزاب (مؤسسة حكومية)، إلا أن الواقع الصارخ هو انقسام عميق في الحزب، لينشط كل جناح وفقًا لتوجهاته ومواقفه السياسية، وليس بعيدًا عن الاصطفاف أو التقارب مع طرفي الحرب، ولحقت بغالبية التنظيمات السياسية حمى الاصطفاف الذي انتهى بها إلى انقسام.
حمى الانقسامات تضرب التنظيمات السياسية والحركات
وضربت هذه الحمى عصب الحزب التاريخي؛ الأمة القومي، ودخل الحزب في معركة دستورية بلا جدوى، واصطف جناح من الحزب برئاسة زعيمه؛ فضل الله برمة ناصر مع تحالف تأسيس الذي تقوده قوات الدعم السريع، فيما اصطف جناح آخر مع الجيش، واختار جناح أن يصطف مع تحالف ”صمود“ الذي يتهمه خصومه بالتحالف مع قوات الدعم السريع.
وكان تحالف ”تقدم“ المؤسس من أحزاب وكيانات قادت ثورة ديسمبر، قبل أن يتحول إلى ”صمود“، وقع اتفاقًا مع قوات الدعم السريع في يناير 2024، في وقت كانت فيه قوات الدعم السريع ترتكب الانتهاكات في ولاية الجزيرة، وهو الأمر الذي رمى بـ”تقدم“ وقتها في خانة الاتهام بالاصطفاف مع قوات الدعم السريع، طبقًا لرؤية خصومه.
ولحقت بعض الانقسامات ببعض الأحزاب والكيانات داخل معسكر ديسمبر، وهي انقسامات بدأت منذ انقلاب البرهان- حميدتي في أكتوبر 2021، حيث قادت ودعمت ”الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية“ الانقلاب ضد ”الحرية والتغيير – المجلس المركزي“.
ولم تتوقف حمى الانقسام عند الأحزاب، حيث طالت حركات دارفور انقسامات عديدة، على رأسها الانقسام الأبرز في حركة العدل والمساواة، حيث اختارت الحركة برئاسة جبريل إبراهيم مساندة الجيش، فيما اختار جناح آخر برئاسة سليمان صندل التحالف مع تأسيس، وانقسمت حركتا ”المجلس الانتقالي وقوى تحرير السودان“ بين متحالف مع الدعم السريع ومتحالف مع الجيش، فيما نجت حركة تحرير السودان برئاسة مني أركو مناوي من الانقسام، لكنها تعرضت لانشقاقات محدودة، حيث اختارت بعض الفصائل التحالف مع قوات الدعم السريع.
هذا المشهد دفع غالبية الأحزاب المحسوبة على ثورة ديسمبر إلى النشاط السياسي خارج البلاد، وقاد تحالف ”صمود“ حراكًا دبلوماسيًا واسعًا أحدث تأثيرًا واضحًا في مواقف المجتمع الدولي إزاء الحرب.

هل يمثل افتتاح دور الأحزاب في الخرطوم بارقة أمل؟
أعاد مشهد افتتاح حزب المؤتمر الشعبي في أم درمان طرح السؤال؛ هل بالإمكان استعادة النشاط السياسي في ظل حرب أحدثت عسكرة واسعة النطاق وخفت فيها الصوت السياسي؟
يقول السياسي البارز الشفيع خضر، وهو شيوعي سابق، إن افتتاح الأحزاب لمقارها داخل السودان خطوة إيجابية، غض النظر عما هو الحزب الذي بادر بهذه الخطوة الصحيحة، ويضيف الشفيع في حديثه لـ[أفق جديد]: ”صحيح أن الانتقال بالفعل السياسي والمدني إلى خارج البلاد، كان استثناءً له مبرراته الموضوعية، لكن الأصل هو ممارسة العمل السياسي داخل البلاد. والتجربة السودانية، منذ الاستقلال وحتى اليوم، تؤكد أن العمل السياسي الحقيقي لا يزدهر إلا في قلب الوطن بين الناس وعلى أرض الواقع.
وطالت قوى ديسمبر اتهامات عديدة من الحكومة، قامت على إثرها بتدوين بلاغات ضد العديد من عناصر الأحزاب والكيانات الفاعلة، وواجهت بعض الكوادر الحزبية حرمانًا من الحصول على الأوراق الثبوتية، لتتخذ هذه القوى من عواصم الجوار مقرات لها أثناء بحثها عن وضع آمن، واستطاعت تحريك بعض مياه السياسة الخارجية.
لكن محاولات الاكتفاء بالنشاط الحزبي والسياسي في خارج البلاد، مهما حسنت النوايا ومهما كانت التبريرات، ستظلّ محدودة الأثر، وبعيدةً عن نبض الشارع، ومعرّضةً للارتهان لتوازنات وضغوط لا تخدم بالضرورة المصلحة الوطنية، وفقًا للشفيع.
ويرى الشفيع أن عودة النشاط السياسي والحزبي إلى داخل البلاد حق أصيل، لا يتطلب استئذانًا أو يشترط مساومة أو صفقة مع أي جهة كانت، وهو ضرورة قصوى حتى لا تترك الساحة ليتمكن منها ويسرح ويمرح فيها أعداء السلام والديمقراطية والمستقبل.
وينبه الشفيع لضرورة عدم تجاهل المخاطر الأمنية وما يتهدد حرية وحياة القيادات السياسية، في ظل أجواء الحرب والتوتر العام وعسكرة المجال العام وتصاعد نفوذ القوى العسكرية والمليشيات وعلو خطاب الإقصاء والتخوين ورسم الخطوط، لكنه يعود ويؤكد على أن الأصل في العمل السياسي المقاومة والتضحية وعدم الاستسلام، وابتداع أساليب عمل جديدة، ويشير إلى تآكل شرعية السلاح كأداة حكم، مما يوفر العديد من الفرص التي تعزز إمكانية عودة العمل السياسي داخل البلاد، كما أن استطالة أمد الحرب قادت إلى إنهاك المجتمع وخلق رغبة واسعة في حل سياسي مدني.
وعلى كل حال، فإن حزب المؤتمر الشعبي رمى حجرًا في بركة، غض النظر عن الموقف الذي اختاره الحزب والذي يعده كثيرون مخالفًا لمبادئ الحزب وتجاربه مع العسكريين





