الفاشر.. سنة على النكبة وآلاف الضحايا بلا توثيق أو عدالة

محمد عبد الباقي
في فجر 26 أكتوبر 2025، سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد حصار استمر 18 شهراً، وقد خلفت العملية آلاف القتلى والمفقودين، فضلاً عن الانتهاكات المروعة التي ارتُكبت بحق المدنيين.
اليوم تمر سنة على تلك الجريمة التي ارتكبت في الفاشر، ولا تزال تداعياتها تلقي بظلالها على مصير آلاف المدنيين.
الصورة الكاملة لما حدث في الفاشر غائبة تماماً، في ظل عدم تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للكشف عن ملابسات الانتهاكات، فالمأساة لم تعد مقتصرة على ما حدث من قتل وانتهاكات، بل امتدت لتشمل غياب المساءلة والعدالة، واستمرار معاناة أسر الضحايا والمفقودين، التي لا تعرف حتى الآن ما إذا كان أبناؤها لا يزالون على قيد الحياة أم لقوا حتفهم خلال الأحداث.
وبالنسبة إلى السلطة التي يديرها الجيش من الخرطوم وبورتسودان، يبدو أن صفحة الفاشر أغلقت بنهاية يوم سقوطها في يد الدعم السريع، وفرار قادة الفرقة السادسة عشرة التي كانت تدافع عن المدينة وخروجهم بسلام.
أما الدعم السريع، فقد سعى مراراً إلى تقديم صورة مغايرة لما جرى على الأرض، إذ سعى منذ اليوم الأول إلى إعادة المدنيين الذين تقطعت بهم السبل في القرى القريبة من الفاشر إلى داخل المدينة وجمعهم في مخيمات مؤقتة ومراكز إيواء، وبدأ تقديم الخدمات الأساسية لهم، مدعياً أن سكان المدينة عادوا إليها بعد توقف القتال.
لكن هذه المحاولات لم تحقق نجاحاً كبيراً وفقاً لآدم هارون، أحد المواطنين الذين أُجبروا على العودة إلى الفاشر من منطقة قرني الواقعة غرب المدينة.
يقول هارون، وهو نازح حالياً في معسكر طويلة، لـ”أفق جديد”: “بعد سيطرة الدعم السريع على المدينة، أغلق كل الطرق التي يسلكها النازحون، وخاصة نحو منطقة قرني التي كانت تمثل نقطة تجمع لهم، ومنها يسلكون طرقاً مختلفة نحو طويلة والدبة بالولاية الشمالية وغيرها من المناطق المستقرة، وقد أجبرهم على العودة إلى داخل الفاشر، وجمعهم في عدة مواقع، منها جامعة الفاشر، ومسجد الشيخ حنفي، وآخرون في عدد من المدارس داخل المدينة”.
يضيف: “بدأ الدعم السريع في توزيع المياه والطعام، وإزالة الأنقاض ودفن الجثث، وقد استمرت هذه العملية لأكثر من ستة أشهر، كان خلالها المواطنون يحصلون على الطعام ومياه الشرب، كما فُتحت بعض الأسواق داخل الفاشر”.
يتابع هارون: “استمر الدعم السريع في نقل المواطنين الذين نزحوا إلى القرى المجاورة وإعادتهم إلى الفاشر، كان يقدم لهم كثيراً من الوعود، من بينها توفير الخدمات واستتباب الأمن وتوفير فرص العمل، وقد عاد كثير من المواطنين، ليس لأنهم صدقوا تلك الوعود، وإنما لأنه لم تكن لديهم خيارات بديلة”.
من جهته، تحدث مصدر آخر كان موجوداً داخل الفاشر عن الأوضاع التي شهدتها المدينة عقب سيطرة الدعم السريع عليها، وحتى بداية موجة النزوح الأخيرة التي انتهت بتحول المدينة إلى أطلال شبه خالية من السكان.
قال المصدر الذي طلب حجب هويته لأنه معروف وسط سكان المدينة لـ”أفق جديد”: “لأكثر من سبعة أشهر بقي آلاف المواطنين داخل الفاشر، معظمهم من كبار السن والأطفال الذين لم يتمكنوا من النزوح منذ بداية الحصار، يقيمون في مراكز إيواء مؤقتة”.
أضاف المصدر السابق أن: “الدعم السريع كان يعتقد أنه يستطيع إعادة السكان الذين نزحوا من المدينة، لكن الأوضاع المعيشية والعمرانية والأمنية حالت دون ذلك”.
وأوضح: “لم يكن معقولاً أن يعيش السكان في المدينة التي أصبحت أشبه بالغابة بعد أن نمت فيها كثير من الأشجار والحشائش خلال سنوات الحرب، كما تعرضت المنازل لدمار كبير، وتحولت أحياء كاملة إلى أنقاض، والمنازل التي نجت من القصف والتدمير تعرضت لعمليات سرقة واسعة، نزعت حتى أبوابها ونوافذها”.
وتابع: “حتى السكان الذين عادوا فضلوا البقاء في مراكز الإيواء بدلاً من العودة إلى منازلهم، خاصة وأن الوضع الأمني لم يكن يسمح، إذ كان اللصوص والمسلحون يقتحمون المنازل في وضح النهار وفي ساعات الليل”.
يضيف المصدر: “مباني مدينة الفاشر تحولت إلى خرابات ينعق فيها البوم، كذلك انعدمت المياه، وتوقفت المستشفيات والعيادات، ولم تعد هناك خدمات صحية في المدينة بأكملها، لكن رغم هذا الوضع الخطير، لم يكن مسموحاً للمواطنين بالنزوح، وفي نهاية المطاف لم يكن أمام من تبقى من السكان سوى النزوح، فقرروا مغادرة المدينة للمرة الأخيرة، وحالياً لم يعد في الفاشر سوى عدد قليل من المواطنين”.
في الحقيقة، لا تقتصر قضية الفاشر، وفق إفادات عديدة، على جرائم القتل والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون، والحصار الذي استمر 18 شهراً وانتهى بأبشع جريمة، بل تتمثل القضية الأساسية في أن الجرائم لم تُوثق، ولم يجر بشأنها أي تحقيق، سواء من جهة مستقلة أو من جانب الحكومة نفسها، كما لم يجر الدعم السريع أي تحقيق، بل سعى، وفق هذه الإفادات، بكل إمكاناته إلى طمس الأدلة وإخفاء آثار الجرائم التي وقعت.
يقول مصدر كان وزيراً في حكومة ولاية شمال دارفور حتى سقوطها لـ”أفق جديد”: “لم يكن هناك أي توثيق للجرائم التي كانت تقع في الفاشر حتى أثناء الحصار. كان السكان يدفنون الموتى في بعض الأحيان من دون نقلهم إلى المستشفى، فقد مات آلاف السكان بالقصف والجوع والأمراض الناجمة عن الحصار، من دون تسجيلهم أو توثيق حالات وفاتهم في سجلات الدولة”.
يضيف: “وبعد سيطرة الدعم السريع على المدينة، لم يوثق أي انتهاك بصورة رسمية، واعتمدت الدولة على الأخبار المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وإلى اليوم لم تقم الحكومة بتوثيق أعداد المتوفين أو المفقودين، ولا حتى الانتهاكات”.
يتابع المصدر: “خلال الحصار كان يُقتل في بعض الأحيان نحو 50 شخصاً في اليوم، تظل جثثهم في المستشفى ليوم أو يومين من دون تصويرها أو توثيق أسباب وفاتهم، حيث أدت هذه الطريقة إلى ضياع المعلومات الحقيقية التي كان يفترض تسجيلها باليوم والساعة، وأصبح الجميع يتحدثون عن انتهاكات الفاشر اعتماداً فقط على ما صورته هواتف عناصر الدعم السريع”.
ويقول المسؤول السابق: “عندما تستفسر السلطات اليوم عن أي معلومة تتعلق بالجرائم التي وقعت في الفاشر، يكون الرد بأنه لا يوجد توثيق لتلك الواقعة، ومما يجعل كل الجرائم التي حدثت في طي النسيان، لأنه لا يمكن مساءلة الجناة إذا كانت السلطة لا تملك توثيقاً للحوادث والجرائم التي وقعت أمامها، واليوم تتحدث عن محاسبة المسؤولين عن انتهاكات الفاشر”.
وفي سياق متصل، تواصلت موجات النزوح من الفاشر والمناطق المحيطة بها باتجاه طويلة، وفقاً لآدم رجال المتحدث باسم منسقية النازحين واللاجئين.
قال رجال لـ”أفق جديد”: “حتى الثالث عشر من أكتوبر الجاري، بلغ عدد النازحين من الفاشر والقرى المحيطة بها إلى طويلة حوالي 9083 مدني”.
وشدد رجال على ضرورة إجراء مسوحات ميدانية وجمع إفادات النازحين للتأكد من الأسباب التي دفعتهم إلى موجة النزوح الأخيرة، وتحديد ما إذا كانت دوافعهم مرتبطة بالتدهور الأمني أم بانعدام الخدمات وانهيار البنية التحتية.





