الخضروات.. نكهة باهظة الثمن

أفق جديد
لم تعد الخضروات التي اعتاد السودانيون تناولها مع الكِسرة والطبيخ والفول والطعمية والعدس متاحة بالقدر نفسه لدى كثير من الأسر. فقد ارتفعت أسعار الطماطم والليمون والخيار والجرجير إلى مستويات جعلت بعض المستهلكين يقللون مشترياتهم أو يستغنون عن عدد من الأصناف، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة بسبب الحرب.
وفي الأسواق، يواجه المشترون أسعارًا مرتفعة للخضروات، بينما يحاولون توفير احتياجاتهم الأساسية بما يتناسب مع دخولهم المحدودة، وبالنسبة إلى بعض الأسر لم يعد شراء مكونات السلطة أمرًا يوميًا، بل بات مرتبطًا بما يتبقى من ميزانية الطعام.
يقول تاجر الخضروات طارق عبد العزيز إن سعر كيلو الطماطم بلغ 26 ألف جنيه، والفلفلية 20 ألفًا، والجزر 20 ألفًا، والخيار 15 ألفًا، والبامية 12 ألفًا، والبطاطس 11 ألفًا، بينما يبلغ سعر كيلو الموز أربعة آلاف جنيه، ودستة البرتقال تسعة آلاف جنيه. وأضاف أن ربطة الخضرة تصل إلى 40 ألف جنيه، والرجلة إلى 20 ألفًا، والجرجير إلى 15 ألفًا، فيما يبلغ سعر جردل الشطة الخضراء 120 ألف جنيه.
ويوضح عبد العزيز أن كيس السلطة الذي يحتوي على ليمونتين عجورتين متوسطتي الحجم، وخمس حبات صغيرة من الطماطم، وعجورة صغيرة، وقبضة من الجرجير، وعدد من حبات الفلفلية، تبلغ تكلفته نحو عشرة آلاف جنيه.
وتعكس هذه الأسعار حجم الأعباء التي تواجه المستهلكين عند شراء احتياجاتهم اليومية، خصوصًا أن الخضروات تأتي ضمن قائمة طويلة من السلع التي ارتفعت تكلفتها، في وقت تحاول فيه الأسر توفير الطعام ومقابلة بقية المصروفات.
ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل
تأثرت الزراعة في السودان بتداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، التي أضرت بمناطق الإنتاج والبنية التحتية، وأثرت في حركة النقل والإمداد. كما ساهم ارتفاع تكاليف الوقود ومدخلات الإنتاج وتراجع قيمة العملة المحلية في زيادة الأعباء على المنتجين والتجار.
ويقول طارق عبد العزيز لـ”أفق جديد” إن المزارعين يواجهون ارتفاعًا في أسعار التقاوي والأسمدة والوقود، إلى جانب تكاليف نقل المحاصيل إلى الأسواق. ويرى أن تعدد الوسطاء في عمليات البيع والشراء يزيد الأعباء على المنتجين والمستهلكين.
وتبدأ تكاليف الخضروات من مرحلة الزراعة، حيث يحتاج المزارع إلى توفير مستلزمات الإنتاج والري والعمالة، قبل أن يتحمل نفقات نقل المحصول وتسويقه. ومع ارتفاع هذه التكاليف تصبح الزراعة أكثر صعوبة بالنسبة إلى المزارعين الذين لا يملكون التمويل الكافي، بينما تنعكس زيادة نفقات الإنتاج والنقل على الأسعار التي يدفعها المستهلك.
كما تؤثر صعوبات التمويل ومشكلات الري والمخاطر الأمنية في قدرة المزارعين على مواصلة نشاطهم، وقد تدفع بعضهم إلى تقليص المساحات المزروعة، وهو ما يستدعي متابعة حجم الإنتاج والمعروض في الأسواق لتحديد أثر هذه العوامل على الأسعار.
الأراضي الزراعية تنافسها كمائن الطوب
ومن المشكلات التي يشير إليها عبد العزيز تقلص المساحات المزروعة بالخضروات على الشريط النيلي غرب النيل، الممتد من جسر شمبات إلى الريف الشمالي لأم درمان.
ويقول إن المساحات المزروعة بالخضروات في المنطقة تراجعت إلى نحو 20 في المئة، مقابل تحول قرابة 80 في المئة من الأراضي إلى كمائن لصناعة الطوب.
ويعزو عبد العزيز هذا التحول إلى ارتفاع عائد صناعة الطوب المحروق مقارنة بالزراعة، وفق تقديره، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي وعدم ضمان تحقيق عائد مناسب.
ويؤدي تراجع المساحات المخصصة لزراعة الخضروات إلى تقليص مصدر من مصادر الإمداد للأسواق المحلية، وقد يزيد الاعتماد على المنتجات القادمة من مناطق أخرى، بما يرفع تكاليف النقل والتوزيع. غير أن تحديد حجم تأثير هذا التحول في الأسعار يحتاج إلى بيانات عن المساحات المزروعة وكميات الإنتاج ومصادر الإمداد.
مشروع الجزيرة يواجه صعوبات الموسم الزراعي
ولا تقتصر مشكلات الإنتاج الزراعي على المناطق المحيطة بالخرطوم، بل تمتد إلى مشروع الجزيرة والمناقل، أحد أبرز المشروعات الزراعية في السودان.
ووفقًا لبيان تحالف مزارعي مشروع الجزيرة والمناقل الصادر في أكتوبر 2026، تراوحت المساحة المزروعة بين 600 و700 ألف فدان، من مساحة مقترحة تزيد على مليون فدان، وسط تأخر الزراعة ونقص التمويل والمدخلات وتعثر انسياب مياه الري، إلى جانب تعرض مساحات من المحاصيل للعطش.
وتثير هذه الصعوبات مخاوف بشأن الإنتاج الزراعي، في ظل الحاجة إلى توفير المحاصيل للأسواق المحلية وخفض الاعتماد على الإمدادات القادمة من مناطق بعيدة. كما أن تراجع الإنتاج، إذا استمر، قد يزيد الضغوط على الأسعار، خاصة مع ارتفاع تكاليف النقل وضعف القدرة الشرائية للمستهلكين.
وتتطلب معرفة الأثر الفعلي لهذه المشكلات متابعة المساحات التي اكتملت زراعتها، وحجم الإنتاج المتوقع، ومدى وصول المحاصيل إلى الأسواق، إلى جانب مقارنة الأسعار بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك.
ربات المنازل يقللن مشترياتهن
وفي المنازل، أصبح ارتفاع أسعار الخضروات عاملًا إضافيًا في تحديد مكونات الوجبات اليومية. فالأسر التي اعتادت شراء الطماطم والليمون والخضرة بصورة منتظمة باتت مطالبة بتوزيع دخلها بين الطعام وبقية الاحتياجات الأساسية.
وتقول عائشة موسى، وهي ربة منزل، إن ارتفاع الأسعار دفعها إلى حساب تكلفة المشتريات قبل الذهاب إلى السوق.
وتضيف لـ”أفق جديد”: “أصبحت أحسب تكلفة كل شيء قبل أن أشتريه. الطماطم والليمون والخضرة كانت من أساسيات المطبخ، لكن أسعارها الآن تجعلنا نفكر أكثر من مرة قبل شرائها. نحاول توفير الوجبة للأسرة أولًا، وإذا تبقى شيء من المال نشتري بقية الاحتياجات”.
وتتابع: “لم تعد المشكلة في صنف واحد، فكل شيء ارتفع سعره. نريد أن نوفر لأطفالنا طعامًا متنوعًا، لكننا مضطرون إلى تقليل الكميات والاستغناء عن بعض الأشياء حتى نستطيع تدبير بقية مصروفات البيت”.
ويؤدي تقليص شراء الخضروات إلى تقليل تنوع الطعام لدى بعض الأسر، خاصة محدودة الدخل. ومع استمرار ارتفاع الأسعار تجد ربات المنازل أنفسهن أمام خيارات أقل عند إعداد الوجبات، في وقت تتزايد فيه الالتزامات المعيشية.
انعدام الأمن الغذائي يزيد الضغوط
وتأتي زيادة أسعار الخضروات في ظل أزمة أوسع تتعلق بالأمن الغذائي في السودان، حيث أدت الحرب والنزوح وتعطل الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية إلى تدهور أوضاع ملايين الأشخاص.
ووفقًا لتحديث منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) الصادر في سبتمبر 2026، كان متوقعًا أن يواجه نحو 19.5 مليون شخص مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد عند مرحلة الأزمة أو ما هو أسوأ خلال العام، استنادًا إلى تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي. وشملت التقديرات نحو خمسة ملايين شخص في مرحلة الطوارئ، و135 ألفًا في مرحلة الكارثة.
كما حذرت التقديرات من خطر المجاعة في 14 منطقة بولايات شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان، في ظل سيناريوهات تتضمن تصاعد العمليات العسكرية والنزوح وتدهور الوصول إلى الغذاء.
وتشير هذه الأرقام إلى حجم الضغوط التي تواجه الأسر السودانية في الحصول على الغذاء. ومع ارتفاع أسعار السلع وتراجع الدخول، تصبح قدرة الأسر على توفير وجبات متنوعة مرتبطة بما لديها من موارد، في حين تتأثر الفئات محدودة الدخل بصورة أكبر.
مطالب بدعم الإنتاج الزراعي
ويصف طارق عبد العزيز أوضاع المستهلكين بأنها “سيئة جدًا”، في إشارة إلى صعوبة شراء الخضروات في ظل الأسعار الحالية.
ويرى أن تخفيف الأعباء يتطلب معالجة المشكلات التي تواجه المزارعين، بما في ذلك ارتفاع أسعار التقاوي والأسمدة والوقود وتكاليف النقل، إلى جانب الحد من الأعباء التي تضيفها حلقات الوساطة في السوق.
كما تبرز الحاجة إلى توفير التمويل للمنتجين، وتحسين خدمات الري، وتأمين طرق نقل المحاصيل، ومتابعة تطورات الإنتاج والمساحات المزروعة، بما يساعد على تحسين الإمدادات المحلية. وتظل حماية الأسر محدودة الدخل من آثار ارتفاع أسعار الغذاء جزءًا مهمًا من الاستجابة للأزمة.





