العمل الديمقراطي والثقافي في مواجهة الأزمات

فاطمة القدال
فشلت المراحل الانتقالية السابقة منذ الاستقلال عن الحكم الاستعماري، 1956، وبعد ثورة أكتوبر، 1964، وانتفاضة أبريل 1985، ثم ثورة ديسمبر، 2018، للانتقال من نظام سابق إلى نظام جديد فرضته الشروط الاجتماعية التي لم يلائمها الجمود الذي أعاق حركة التغيير بغياب الديمقراطية والثقافة التعددية، كمفهوم ودور توعوي وعملي، مما أدى لفتح الباب أمام الصراعات العبثية التي تحركها المصالح والأهواء، بالانقلابات والحروب التي انطلقت من عقالها، لتعيث في الأرض قتلاً وتدميراً، بينما الطامعون للسلطة والثروة يزدادون قسوة بانتشار الأوبئة والمجاعة، التي تحصد أرواح الملايين.
هذا الواقع المأساوي الذي أراده وعمل من أجله أعداء حركة التغيير الاجتماعي بالنزاعات والحروب، ساهم في غياب الديمقراطية والثقافة التعددية لبناء مجتمع العدالة الاجتماعية والتعايش السلمي، الذي يجعل الانتماءات العرقية والإثنية والنوعية، بثقافاتها وفنونها ولغاتها مصدراً لازدهار المجتمع لا قتله وتدميره. العمل لتغيير هذا الواقع يحتاج لمعرفة قضايا المجتمع الجذرية لاستصحابها في المسار الديمقراطي والثقافي لبناء الدولة التعددية سياسياً واقتصادياً وثقافياً، بدورها المحوري لوقف الحرب بين الجانبين المتحاربين، وبالتفاوض والوسائل المختلفة المدعومة محلياً وإقليمياً وعالمياً، لاستدامة السلام، وفتح مسار حركة التحرر الوطني لتفعيل دورها في حركة التغيير، وبالعمل منذ الآن بحراك ديمقراطي وثقافي، لكسر الجمود بعمل منظم يستنهض دور القوى المدنية الفاعل في العمل النقابي والشبابي والنسائي والطلابي، وبالطبع عبر الأحزاب المعنية بالقضايا الوطنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبالذات في المراحل الانتقالية التي تضع حجر الأساس لبناء الدولة المدنية الديمقراطية التنموية، للانتقال من نظام فقد صلاحيته لمواكبة حركة التحرر الاجتماعي، بما يناسب احتياجات المجتمع وأدوات الديمقراطية والثقافة التعددية التي أُهمل دورها منذ الاستقلال، مما أدى لفتح الطريق أمام النزاعات والصراعات والانقلابات، خاصة انقلاب 1989 الذي فرض نظاماً إسلامياً في مجتمع متعدد ومتنوع دينياً، برؤية مخادعة ألبسها ثوب الدين، لحماية القوانين والسياسات الباطشة والثقافات المعيقة لحركة التغيير الديمقراطي، والتي تفاقمت حتى وصلت إلى هذا الواقع الذي تشتَّت فيه الشعب السوداني في مختلف بلاد العالم، لاجئاً ونازحاً، فقد الحق في الحياة على أرضه بأمن وسلام وحرية وعدالة. فهل الاستسلام هو الحل، أم مواجهة الأزمة بالمتاح وبخطوات عملية؟!
في ظل هذه الظروف المعقدة، من الضروري أن تتوافق القوى السودانية الرافضة للحرب للقيام بدور عملي، لتجميع صفوفها وفق الواقع الذي أنتجته الحرب، والتعامل معه حسب احتياجات وأولويات التغيير، وقُدرات القوى الفاعلة التي لا تزال لها منظمات، للحوار حول كيفية التعامل مع هذا الواقع السياسي والاجتماعي المعقد، الذي ظل إرثاً ثقيلاً منذ استقلال السودان من الحكم الاستعماري، بالصراعات والخلافات التي مزَّقت وحدته وأضعفت قدراته، للتحرر من الجمود الذي أعاق التصدي لتراكمات الأزمة، بمفاهيم وأدوات الديمقراطية والثقافة التعددية، التي رغم أهمية دورها في الحركة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية على المستوى الفكري والعملي، أصبحت مجرد شعارات!
إن العمل التعبوي السياسي بالمظاهرات والاعتصامات مهم، لكنه لا يحرر المجتمع من الظلم وكل أنواع العنف. تَحدَّث وكَتب الكثيرون والكثيرات، حول العمل من أجل التغيير الديمقراطي، لكن هذا لم يرتقِ بأدوات الديمقراطية المعروفة، كالحوار واحترام الرأي الآخر، ولم يصل لمشروع متفق عليه لتمتين وحدة العمل المشترك في مواجهة الأزمة لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام حركة التحول الديمقراطي بآليات الديمقراطية والثقافة، كإدراك ومعرفة، وبالتدريب لرفع القدرات، كيلا يظل الطريق مسدوداً بالجمود العقلي والعملي.
دون الديمقراطية والثقافة التعددية بتعدد المجتمع قبلياً واثنياً وعقائديا وتمتين وحدته، ستظل الأزمة ممسكة بخناق حركة التحرر الوطني لبناء الدولة التنموية المزدهرة. جمود حركة التغيير الديمقراطي أدى لفتح باب الانقلابات والصِراعات التي قطعت طريق التحول الديمقراطي وبالذات بعد ثورة ديسمبر، التي كادت تصل إلى أعتاب الدولة المدنية، بعد نظام عسكري دكتاتوري حكم السودان بكل وسائل العنف باسم الدين لمدة ثلاثين عاماً، لم تنل خلالها عضوية الأحزاب والمنظمات دراسات لرفع قدراتها وتدريبها، لمواجهة الأزمة بالحوار للتوافق حول مشروع وطني لشعب متعدد ومتنوع عرقياً واثنياً ودينياُ ولغوياً، ولتنمية المجتمع واستقراره بآلية العمل الديمقراطي التي تنظم دور الصراعات والنزاعات بالقوانين والمعرفة العلمية التي تقوم على دراسة الفكرة لإنجاحها قبل التنفيذ، خصوصاً إذا كان هذا العمل لمواجهة الأزمة السودانية التي تراكمت في طريق حركة التحرر الوطني الثقافية والسياسية والتنموية، ولإدارة المراحل الانتقالية بوضع حجر الأساس وأعمدة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية والثقافية التعددية، التي غاب دورها المعرفي التوعوي عن حركة التغيير، مما أدى لتفاقم الأزمة باشتعال هذه الحرب الطاحنة، وإصرار مشعليها والداعمين لها على استمرارها، ومن لم يمت بالسلاح تحصد روحه المجاعة والأوبئة!
ولذا، تستدعي الظروف تدريب القوى الفاعلة في الحراك الاجتماعي والسياسي والثقافي، بكورسات تعريفية وتدريبية عن دور الديمقراطية والثقافة التعددية، في مجتمع متعدد عرقياً واثنياً، وبالوعي والابداع لاستنهاض الجماهير وكسر الجمود بتطوير قدرات التنظيمات الفئوية الطلابية والشبابية والنسائية والنقابية وكل المنظمات التي تدعو لوقف الحرب ولاستدامة السلام، وبالحماس والصبر لتذليل الصعاب، وحينها ستخضرّ الجذور كلما ارتوت بالعمل، ويزدهر المجتمع بوحدته وباستصحاب القضايا الجذرية ذات التأثير العميق في الحياة المعيشية والخدمية اليومية وفي المسار الديمقراطي لحركة التحرر الوطني اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.
المرحلة الانتقالية
المرحلة الانتقالية هي للانتقال من نظام فقد صلاحيته، للتطور والاستقرار بوضع حجر الأساس الذي يقوم عليه بناء مجتمع السلام والعدالة والحرية، بمشروع وطني تتفق حوله القوى السياسية الفاعلة. وبما أنها مرحلة تأسيس انتقالي محدد في الغالب بثلاث أو أربع سنوات، هي ليست مرحلة تغيير جذري طويل المدى، يتم خلال مسيرة الحركة الديمقراطية لبناء المجتمع، الذي غُرست في أعماقه ثقافات قرون خلت بتقاليد وعادات وقوانين ومفاهيم، تراكمت في طريق حركة المجتمع وغدت أزمة نحتاج مواجهتها بتحرير القضايا الجوهرية التي أصابها الجمود المعرفي والعملي لاستصحابها في مسار حركة التحرر الوطني الديمقراطي، لبناء دولة الوحدة والتعايش السلمي وحقوق الإنسان، من خلال دورها التنموي والتوعوي في الحياة الاجتماعية والثقافية، وبجعل الديمقراطية في النسيج الاجتماعي منذ الطفولة، وعبر كل المراحل الأخرى.
هذا الشأن يبدأ بدور العائلة بالتربية والتنشئة، ويتواصل من خلال لجان الأمهات والآباء في المراحل الدراسية منذ مرحلة الأساس. غياب هذا الدور في مرحلة حكم المؤتمر الوطني أدى لفرض منهج دراسي برؤية ودور سلطة الإسلام السياسي، التي وضعت منذ مرحلة الأساس منهجاً لبناء دولة إسلامية من خلال المواد الدراسية، وخاصة مواد العربي والتاريخ، وقد عبّرت عن هذا التوجه في إحدى المواد بجملة (دولتنا الإسلامية)! وبمنهج دراسي يتكامل مع سياستها العامة ذات التوجه الذكوري الذي ينفي المساواة بين التلميذ والتلميذة، والرجل والمرأة، ويهيمن على قطاع التعليم باختيار الأساتذة الموالين للنظام، وفرض دولة إقصائية على الشعب السوداني المتعدد اثنياً وعقائدياً ولغوياً.
القطاعات الإنتاجية
القاعدة الإنتاجية ضعيفة، والقطاع الزراعي والرعوي اللذان يشكلان أكبر القطاعات في العملية الإنتاجية في السودان، وتعمل به أغلبية القوي العاملة، دُمرت فيه المشاريع الزراعية الكبرى. وكذلك القطاع الصناعي رغم ضعفه، تم تدميره أيضاً ابتداء من سلطة نميري منذ أوائل السبعينات وخاصة الثلاثين عاماً من سلطة المؤتمر الوطني، وفي كلا السلطتين غابت الديمقراطية عن القضايا اليومية الاقتصادية والسياسات والاجتماعية، وبالتالي عن وعي الشعب، بسياسات وقوانين دكتاتورية جائرة، وثقافات تخطّاها العصر، وأُميّة خاصة وسط النساء، وفقر صُنف السودان بموجبه عالمياً ضمن الدول الأفقر في العالم. ولكي تغدو الديمقراطية التعددية في النسيج الاجتماعي، يجب أن يشمل دورها التوعوي السياسي والثقافي مجمل المجتمع، بما في ذلك الجيش والبوليس والأمن، لأهمية دوره في حماية المجتمع واستقراره سلماً وعافيةً وبما يتناسب طبيعة الظروف الخاصة به.
القبيلة كأداة من أدوات الصراع
القبيلة مكون تاريخي سبق دور الدولة لإدارة المجتمع، وكان لها دور اقتصادي وسياسي قبل الاستقلال من خلال السيطرة على حقول الرعي وموارد المياه التي تقع في مواقعها. في ظل الاستعمار ازداد وزن الزعامات ودورها الاقتصادي والسياسي بالاعتماد عليها في بناء الجهاز الإداري، فوجدت تسهيلات باستخراج الرخص لمشاريع زراعية، وهيأ لها دورها هذا أن يصبح لها بعد الاستقلال وزنأ سياسياً في الانتخابات وإدارة المرحلة الانتقالية من خلال تحالفاتها أو دعمها لبعض الأحزاب. وقد استمال انقلاب 1989 بعضها لحماية نظامه الأمني ومصالح قادة النظام الحاكم وزعماء القبائل المتحالفة، وبذلك أصبحت من أدوات الصراع الذي أدى لزعزعة المجتمع وتدميره، بدلاً من استنهاض دورها التعددي لتنمية المجتمع واستقراره بأدوات الديمقراطية والثقافة التوعوية لمحاربة العادات والتقاليد والقوانين الأبوية التي أعاقت حركة التحرر الوطني في المجتمع السوداني.
العائلة النووية
العائلة النووية، هو مفهوم اجتماعي يقصد به الأسرة الصغيرة المكونة من والدين وأبنائهما ويعيشون كوحدة أسرية واحدة، وهي تختلف عن العائلة الممتدة التي تشمل أفراد آخرين من الأقرباء مثل الجدّة، والجد، والأعمام، والأخوال، وقد حدث تحولاً اجتماعياً كبيراً في السودان خلال العقود الماضية بحيث تقلصت العائلة الممتدة وتمددت العائلة النووية. وللعائلة النووية أثر مهم في بناء الدولة الحديثة، ولكن في ظل تراكم الأزمات وتعثر مسار التحول الديمقراطي، نشأت العائلة النووية في بيئة اجتماعية واقتصادية لم تكن فيها مؤسسات الدولة، ولا سيما في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، قادرة على استيعاب الوظائف التي كانت تؤديها العائلة الممتدة تقليديًا. وبذلك وازدادت الأعباء على المرأة العاملة دون أن يصاحب ذلك إعادة توزيع متكافئ للأدوار والمسؤوليات داخل العائلة النووية، أو توفير مؤسسات عامة كافية لرعاية الأطفال والخدمات الاجتماعية. ونتيجة لذلك، اضطرت كثير من العائلات النووية إلى الاستمرار في الاعتماد على العائلة الممتدة لتوفير رعاية الأطفال، والمساعدة في السكن، وتخفيف بعض الأعباء المعيشية والاقتصادية.
ومن هنا يمكن القول إن العائلة النووية، في بعض السياقات، لم تنتقل من نموذج الأسرة الممتدة إلى الاستقلال الكامل بصورة مكتملة؛ بل نشأت وهي تحمل بعض وظائف الأسرة الممتدة، في الوقت الذي أصبحت فيه مطالب الحياة الحديثة تفرض عليها أدوارًا جديدة. ولذلك أصبحت الأسرة النووية تواجه ازدواجية في الأعباء: فمن جهة، أصبحت وحدة أسرية مستقلة اقتصاديًا واجتماعيًا بدرجة أكبر، ومن جهة أخرى، لم تتوافر لها دائماً المؤسسات والخدمات العامة التي تمكنها من الاستقلال الكامل عن شبكة القرابة.
وعليه، فإن فهم دور العائلة النووية في بناء الدولة الحديثة يقتضي النظر إليها ليس باعتبارها مجرد شكل جديد للأسرة، وإنما باعتبارها جزءاً من تحول أوسع في العلاقة بين الفرد والأسرة والمجتمع والدولة؛ فكلما تراجعت وظائف الأسرة الممتدة، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات دولة قادرة على توفير التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والحماية الاقتصادية، بما يسمح للأسرة النووية بالقيام بوظائفها دون أن تتحول أعباؤها إلى مصدر جديد لإعادة إنتاج الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية.
دور المرأة
المرأة عددياً نصف المجتمع تقريباً، إلا أن هذا الكم لم يرتق إلى دور فاعل لتحررها ولنيلها للحقوق المتساوية في المكانة والأدوار، فلا تزال أغلبية النساء أُميِّات، يعانين من أعباء الفقر والدونية والتمييز والتهميش، وهن الأكثر تضرراً من تبعات الحرب وأعبائها. إن دور النساء الكمي الكبير المُبعد عن حركة التغيير، إذا لم يصبح مؤثراً كيفياً في التغيير الديمقراطي التنموي، ستفقد حركة التحرر الوطني نهضتها، وبالتالي تحرر المرأة نفسها، حيث يقاس وضع المجتمع بهذا الدور المحوري كمّياً وكيفياً، تنموياً وتوعوياً وإبداعياً.
التعدد والتنوع من مصدر للنمو إلى ساحة للصراع
التعدد والتنوع العرقي والإثني والديني واللغوي الذي يتميز به المجتمع السوداني، لم تُحسَن إدارته بأدوات الديمقراطية والثقافة التعددية التي افتقدها الشعب السوداني منذ الاستقلال الذي كان الأمل معقوداً عليه، ولذلك بدلاً من أن يصبح هذا التعدد مصدراً للنمو والازدهار، أصبح ساحة للنزاعات والحروب والكراهية. إن الوعي بمفهوم الديمقراطية والثقافة التعددية بتعدد المجتمع وتنوعه ضرورة، لتنعكس إدارته في مشروع متفق عليه لتحرر المجتمع من كل ما يعوق نموه وتطوره، تنموياً وتوعوياً وإبداعياً. وكذلك الفنون بكل أشكالها لها تأثير عميق في الوجدان وخاصة الأغاني التي يعشقها الشعب السوداني، وفي هذا السياق الخاص بمسألة الفن وتأثيره على الوجدان، برز عبر التاريخ، خليل فرح، وعائشة الفلاتية، ومحمد وردي، ومصطفى سيد أحمد، وآخرون وأخريات، كنماذج لمدى ذلك التأثير الذي شمل أيضاً الفنان اللبناني الكبير مارسيل خليفة، وقد جاء وقت كانت تكتظ فيه الساحات بالمستمعين، ويتسلق الشباب الأشجار والجدران، والكل يردد مع الفنانين كلمات الشعراء الملهمين محجوب شريف، محمد المكي ابراهيم، حميد، خليل فرح وغيرهم.
المجتمع من التنظيم والتدريب إلى الديمقراطية
العمل لتحرر المجتمع من الجمود لا يُدار بمجهودات ورغبات فردية، ولذلك أُنشئت الأحزاب والمنظمات، وقد أثبتت تجربتنا في السودان أن نجاح هذه التنظيمات، يعتمد على دورها المنظم بالقوانين واللوائح والبرامج الملتزمة بالنهج الديمقراطي، وبدراسة احتياجات المجتمع للتغيير، وبتدريب الكوادر لتأهيلها لاستنهاض الجماهير بمفاهيم وأدوات الديمقراطية والثقافة التعددية، وبالتعبير عن الرأي والرأي الآخر، وبفصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وبقيام لجنة لإدارة النظام الانتخابي وبالنقد البناء والمساواة والحوار و التفاوض وغيرها.
لم تُطرح في السودان بعد نيل الاستقلال، قضايا التغيير الديمقراطي، فقد تم التركيز فقط على جلاء المستعمر، وكان فصل السلطات خالياً من مضمون بنيوي ديمقراطي تعددي، مما أدى لإضعاف قاعدة المجتمع الإنتاجية والثقافية، وفتح الباب أمام الانقلابات الدكتاتورية والحروب التي اشتعلت بتراكمات هذه الخلفيات، وأصبحت أزمة ممسكة بعنق المجتمع لا فكاك منها إلا بالتصدي لمواجهتها بالديمقراطية والثقافة التعددية، وعياً فكرياً وعملياً وعلمياً وإبداعياً خلال مسار حركة التغيير، وذلك لإنهاء الحرب ووضع الأساس لمرحلة انتقالية بمشروع ديمقراطي متفق عليه ووفق شعارات ثورة ديسمبر، سلام حرية عدالة اجتماعية ولبناء الدولة المدنية التي اُصِيب دور قواها النهضوي بالجمود في مسار الحركة الاجتماعية السياسية البنيوية.
إن قضية الحرب والسلام في السودان أصبحت هماً، ولمواجهة هذا الهم لابد من مواجهة الأزمة التي أعاقت طريق القوى السياسية والمنظمات الاجتماعية وتنفيذ رؤيتها التي تتمثل في جبهة عريضة للرافضين للحرب ولإنهائها بتفاوض القوى المُشعِلة لها، وبدعم وطني لاستدامة السلام. هذه الرؤى لم تُنفذ بخطوات عملية ملموسة، فقط بعض التحركات هنا وهناك، لكنها دون الاحتياجات المطلوبة. إن الظروف الحالية في السودان تستدعي تلاحم القوى الوطنية بمنهج وعمل ديمقراطي وبحوار وتفاوض يحترم الرأي الآخر وبوحدة لإنقاذ الوطن من كبوته بالتوافق لا بالتنازع، لنيل مصالح حزبية أو جهوية أو شخصية، وبالتعامل مع الآليات الدولية والإقليمية لإيقاف الحرب وإحلال السلام، وإدخال المساعدات المطلوبة للملايين من ضحايا الحرب والمرضى والنازحين بلا مأوى ولا زاد، والذين أهلكتهم المجاعة.
الدور الإقليمي والعالمي الداعم لا الفارض رؤيته لمصلحته الخاصة
الأدوار الفاعلة في ظروف السودان المعقدة حالياً في غاية الصعوبة وتحتاج إلى وعي بهذا الواقع وكيفية تعامل القوى الاجتماعية معه، خاصة في المرحلة الانتقالية التي تضع الأساس لبناء دولة مدنية يحتضن تعددها وتنوعها. ولعبور المرحلة الانتقالية دون مشاكل تعوق طريق الانتقال لبناء الدولة الديمقراطية، يجب استصحاب القضايا الجذرية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في مسار حركة التغيير الديمقراطي لتحررها من الجمود بالحوار الذي يوحد الصف لمواجهة الأزمة التي أعاقت بناء مجتمع السلام والحرية والعدالة الاجتماعية الذي يسع الجميع دون نزاعات وإحن، لإنهاء الحرب واستدامة السلام، ولبناء الدولة المدنية التنموية والتوعوية، بمفاهيم وعمل خلّاق بأدوات الديمقراطية والثقافة التعددية بتعدد تكويناتها المبدعة وبالعمل النهضوي التنظيمي والإداري، لفتح الطريق أمام حركة التغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي، الذي عرقلت حرب 15 أبريل 2023 عبوره بجهاز دولتها المعادي لنمو القاعدة الإنتاجية وبحرمان الشعب من حقوق المواطنة باستمرار الحرب وعنفها. لذلك تحتاج هذه المرحلة إلى عمل يناسب الظروف الحالية لمواجهة الأزمة بالأدوات التي تنهي الحرب وتبني السلام وتُشِيع الحرية.
وفي ظل هذا الواقع، حُرم الشعب السوداني، منذ الاستقلال، من فرص كافية للتدريب والتأهيل المعرفي والعملي التي تمكّنه من الإسهام الفاعل في استنهاض المجتمع سياسياً وثقافياً. وقد زادت حالة الحرمان هذه بعد تشتّت السودانيين في مختلف أنحاء العالم، لاجئين ونازحين، من دون برامج منهجية لإعادة تأهيلهم وتمكينهم من فهم الأزمة ومواجهة تحدياتها. كما غابت، أو ظلت محدودة الأثر، البرامج والكورسات المعنية بالديمقراطية والثقافة التعددية وأدواتهما العلمية، بما كان يمكن أن يسهم في تطوير المجتمع اقتصادياً، وسياسياً، واجتماعياً، وثقافياً. ونتيجة لذلك، اختُزِل مفهوم الديمقراطية في مجرد كونها نقيضاً للدكتاتورية، بدلاً من فهمها باعتبارها منظومة متكاملة من القيم والممارسات والمؤسسات التي تضمن المشاركة، والحقوق، والتعددية، والمساءلة. وهكذا تحوّلت الديمقراطية، في بعض السياقات السياسية، إلى مجرد شعار ترفعه بعض الأحزاب والقوى السياسية، بينما تمارس في واقعها السياسي ممارسات تتناقض مع مبادئه.
وعلى المستوى العام، أصبحت الديمقراطية مجرد كلمة خارج السياق، لا حوار يدار بأدواتها؛ وإن كان هناك حوار، لا قبول للاختلاف والنقد، ولا فصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، فالرئيس، حتى لو كان رئيس حزب “يخمها كلها”. لم تتم إدارة الديمقراطية التعددية بتعدد المجتمع السوداني القبلي ولإثني والديني لتصبح مصدراً للازدهار، ولذا أصبحت ساحة للقتال مما أدى لانفصال/استقلال الجنوب، ورغم ذلك لا تزال نار الحروب والنزاعات أكثر اشتعالاً باندلاع حرب 15 أبريل الذي شتّت شمل الشعب السوداني لاجئاً في جميع دول العالم ونازحاً بلا مأوى تلتهم المجاعة عافيته وحقوقه الإنسانية في ظل جهاز حكم تسلطي يُعادى حركة التغيير الديمقراطي، لتظل القوى التي أشعلت الحرب من الجانبين، رافضة لإنهائها وبناء السلام، حفاظاً على مصالحها الشخصية في السلطة والثروة!
لقد دلّت تجاربنا في السودان ودول العالم أن طريق التحرر الاجتماعي لن يظل رهينة لقوى التخلف والتبعية مهما فعلت لإغلاقه، طالما لا يزال الشعب السوداني وبتنظيماته الوطنية يعمل لاستكمال شروط نهضته في ظروف حركة التغيير الديمقراطي السياسية والاجتماعية الإبداعية الملائمة لهذا التغيير، وتعزيزه تنموياً وتوعوياً بالتدريب لبناء القاعدة الإنتاجية بأداة الديمقراطية والثقافة التعددية، وتأهيله بالعلوم التي تفتح الأذهان، والفنون التي تخاطب الوجدان، لإزالة الجمود الذي وقف حجرة عثرة ضد حركة التحرر الوطني، بتقاليد وعادات وأعراف المكون القبلي، وبقانون الأحوال الشخصية الذكوري المعادي لتحرر المرأة على مستوى الأسرة والمجتمع . في هذا الواقع الراهن الذي يعيشه الشعب السوداني ولمواجهة الأزمة في ظروف حكومة الأمر الواقع التي تفتقر لوجود دولة ذات مؤسسات، وقوانين حقيقة لا وهمية لحماية شعبها، بدلاً من ممارسة العنف ضده، لحماية مصالحها في الثروة والسلطة بحرب 15 أبريل، وبرفض الجانبين المتحاربين إيقافها وبناء السلام، لكل ذلك، لا سبيل لمواجهة هذه الأزمة السودانية دون مشروع ديمقراطي ثقافي يوحد التعدد العرقي والاثني والديني بأدواته وبمفاهيم المعرفة العلمية، والفنون الإبداعية التي يتميز بها الشعب السوداني، وباستصحاب القضايا الجذرية في هذا المسار الديمقراطي، للتحرُر من الجمود التنموي والتوعوي الإنتاجي والثقافي والسياسي، ببناء السلام وإشاعة الحرية لفتح الطريق أمام الحركة الجماهيرية للقيام بمهام الدولة الوطنية الديمقراطية ذات السيادة، والتي ظلت قوى التخلف والتبعية تضع العراقيل أمامها بالحروب والانقلابات، حيث جاء انقلاب 17 نوفمبر 1958 بعد عامين من الاستقلال، وجاء انقلاب نميري 1969 ضد ثورة أكتوبر 1964، وجاء انقلاب الجبهة القومية الإسلامية 1989 ضد انتفاضة 1985، ومن ثم انقلاب 25 أكتوبر 2021 وحرب 15 أبريل 2023، ضد ثورة ديسمبر 2018، التي أطاحت بنظام الجبهة القومية الإسلامية، وشرعت في وضع أساس المرحلة الانتقالية بشعارات الثورة، حرية سلام وعدالة ودولة مدنية، وهذا ما أثار خوف أعداء حركة التغيير الديموقراطي، لحماية مصالحهم بحرب هي الأكثر عنفاً وكراهية للشعب السوداني. هذا الواقع لن يؤدي لبناء السلام وإشاعة الحريات دون فتح الطريق أمام حركة التحول الديمقراطي التعددي الذي يوحد الجماهير بأدواته العلمية والمعرفية لبناء دولة تنموية ذات سيادة وحكم رشيد، ومن هذا المنطلق الذي فقد فيه المجتمع السوداني دولته، يقع العبء على التنظيمات السياسية والاجتماعية والمهنية والنقابية، لتقوم بدورها لاستمرار حركتها الجماهيرية بمفاهيم وأدوات الديمقراطية والثقافة التعددية، لتنظيم وتدريب قوى المجتمع الفاعلة توعوياً بالعلوم والفنون، لقيادة الجماهير وانتظامها في جمعيات تعاونية إنتاجية وتسويقية عن طريق التسليف طويل الأجل من المصارف، لشراء الآليات الزراعة للمزارعات والأدوات للعاملات في الصناعات اليدوية الصغيرة للاستعمال أو البيع كخياطة الملابس، والمصنوعات الجلدية والأدوات المصنوعة من السعف، وصناعة الأطعمة والمشروبات، وغيرها من سبل الإنتاج؛ وقد كانت للاتحاد النسائي تجربتين شبيهتين بذلك، إحداهما في بداية السبعينيات في فروع القرى حول أمدرمان والخرطوم، وعقد مؤتمر بعد عام لتقييم التجربة التي أثبتت نجاحها، وذلك قبل حل الاتحاد النسائي وكل التنظيمات عام 1972 وفتح أبواب المعتقلات في بيوت الاشباح دون محاكمات.
التجربة الثانية “ربات البيوت” التي لم تنجح أهدافها سوى في عدد محدود من الفروع، وفشلت على المستوى العام لأن الاتحاد عكف على بيع الفراخ والبيض بثمن مريح لنساء الحي دون نشاط ثقافي لفتح حوارات حول القضايا السكنية والمعيشية والمطلبية الأخرى التي يعاني منها المجتمع عامة وربات البيوت خاصة.
محو الأمية خاصة وسط النساء حيث تشكل نسبة عالية تسد طريق التنمية الانتاجية والرافع الثقافي. إن تغيير مناهج التعليم التي فرضها نظام الإسلام السياسي منذ مرحلة الأساس بأدوات غير ديمقراطية وغير علمية وبتغيير مناهج التعليم بحيث تشتمل على التعليم الفني والمهني وتخريج منتجين في كل المراحل المختلفة. لقد كانت تجربة المدرسة الصناعية مصدراً للإنتاج والوعي خاصة في مدينة عطبرة عندما كانت مركزاً لعمال السكة حديد ومنها تخرج المئات من الفنيين والحرفيين المهرة الذين دعموا لإنتاج.
هذه الأدوار التي تقوم بها المنظمات الجماهيرية ليست بديلاً لدور الدولة، ولكنها ذات أهمية للوعي والعمل الاجتماعي والسياسي والثقافي في هذه الظروف التي فقدت فيها الدولة دورها لإدارة شئون البلاد وأصبحت جزءاً من الأزمة، بإصرار جهاز الدولة علي استمرار الحرب لتعم الفوضى ويختلط الحابل بالنابل، وهذا ما يسعى إليه أعداء الدولة الديمقراطية التنموية والتوعوية بمفهوم (عليّ وعلى أعدائي) الذي أحرق به نيرون روما وسجل التاريخ أن روما لم تمُت، بل مات نيرون وصار في مزبلة التاريخ ورمزاً للطغاة أعداء الشعوب.





