عرش على جماجم الجياع..البرهان وجنون الحاكم المطلق

أحمد عثمان محمد المبارك
كيف يحرق السودان ليبقى البرهان
يقف عبد الفتاح البرهان اليوم في مقدمة المشهد السوداني كنموذج استثنائي للحاكم الذي تلاشت لديه كل أشكال الحس الوطني، متخندقاً خلف مزيج من التعنت الأعمى والمراوغة المستمرة، والهروب من كل استحقاق سياسي أو أخلاقي يمكن أن يوقف نزيف شعبه، فهو رجل بنى استراتيجيته بالكامل على اللامبالاة المطلقة بأرواح المواطنين ومعاناتهم، واضعاً بقاءه الفردي على كرسي السلطة المطلقة فوق مصير الوطن بأسره، مرتهناً قراره لإملاءات وحسابات العواصم الإقليمية، وفي مقدمتها القاهرة، التي ينظر إليها كحبل نجاة سياسي وأمني يحميه من السقوط، حتى وإن كان الثمن تحويل السودان إلى ساحة تابعة ومفرغة من سيادتها.
هذا المسار البائس كان تتويجاً لذلك الصباح الكالح الذي دشنت فيه مهزلة الاستيلاء على مقاليد البلاد، يوم تم استدعاء أدوات التفاهة السياسية لتهيئة الانقلاب عبر اعتصامات مصطنعة، قبل أن تزحف كائنات النظام البائد من جحورها لتؤذن في محراب الجنرال، مسبغة بمسوح التقوى والورع الزائف على مشروع تدميري لا غاية له سوى تصفية ثورة الشعب واحتكار الحكم. ومنذ ذلك الحين، دخل السودان في نفق مظلم من التجويع والإفقار الممنهج، حيث تبخرت لقمة العيش الكريمة، وحُرم المواطن من أبسط حقوقه في الأمن والغذاء، بينما انشغل الجنرال وحاشيته باقتسام الامتيازات والمناصب على طاولات القمار السياسي، معطلين موازين العدالة بالكامل، حتى غدا القضاء أداة لتثبيت عرش هش، وصار الوطن كله رهينة لحسابات عسكرية وشخصية فاشلة.

ولا تكتمل فصول هذه المأساة إلا بتلك البطانة البائسة من الثعالب السياسية والذئاب المتكسبة وفلول العهد القديم، الذين يحيطون به في بورتسودان ويهللون لقراراته الكارثية، محولين الكارثة الإنسانية إلى بضاعة رخيصة للتكسب والنفوذ؛ وكلما لاحت في الأفق فرصة لسلام يحقن دماء السودانيين وينهي مأساة ملايين النازحين والجوعى، قفز الجنرال إلى الأمام بمناورة بهلوانية جديدة، متنصلاً من كل التزام، مقدماً في واجهة المشهد وجوهاً بائسة من التابعين ومروجي الأوهام لتمرير الوقت وإطالة أمد الحريق… إنها سياسة الأرض المحروقة التي يقودها حاكم مستعد لرؤية نصف شعبه يموت والنصف الآخر يتشرد في المنافي والمقابر، ما دام الركام المتبقي يحمل اسمه، وما دامت أوهام الحاكم المطلق ترضي هواجسه وتضمن له البقاء فوق أشلاء دولة كان يمكن أن تكون وطناً للجميع…





