الفتيات في (كرياندونغو) يصنعن الفوط الصحية يدويًا

كرياندونغو- سمر سليمان
لم تكن إيناس عبد القادر ومريم عبدو تتخيلان أن تصبح الفوطة الصحية عبئًا يصعب توفيره. قبل الحرب كانت الحياة مختلفة بالنسبة لمثل هذه الاحتياجات البسيطة. لكن منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، تبدل كل شيء، ووجدت إيناس ومريم نفسيهما مثل آلاف السودانيات في رحلة نزوح ولجوء فرضت عليهما واقعًا قاسيًا حتى في أكثر الاحتياجات خصوصية.
في معسكر (كرياندونغو) للاجئين السودانيين في أوغندا، لم تعد معاناة الفتيات والنساء تقتصر على فقدان المنازل والابتعاد عن الأهل والوطن أو مواجهة صعوبات المعيشة، بل امتدت إلى تفاصيل يومية لا يمكن الاستغناء عنها، من بينها الحصول على الفوط الصحية في ظل ارتفاع أسعارها وتوقف المنظمات الخيرية التي كانت تقدم الدعم للنساء في سن الإنجاب.
أمام هذا الواقع، قررت إيناس القادمة من مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور ومريم القادمة من شرق النيل بالخرطوم ألا تكتفيا بالمعاناة والانتظار، فبحثتا عن وسيلة تساعدهما ومجموعة من الفتيات في المعسكر على تجاوز الأزمة، فتعلمتا صناعة الفوط الصحية القابلة لإعادة الاستخدام لأكثر من شهور، في محاولة لتوفير بديل أقل تكلفة يحفظ للنساء كرامتهن ويخفف عنهن عبء الاحتياج.
من القماش العادي إلى الفوط الصحية
تروي إيناس ومريم أن حياتهما قبل الحرب كانت مستقرة وكانت أمورهما ميسورة، لكن ظروف اللجوء غيّرت واقعهما بصورة كبيرة، خاصة بعد توقف المنظمات عن تقديم الدعم المخصص للنساء في سن الإنجاب.
وتقولان إن ارتفاع أسعار الفوط الصحية دفع عددًا من الفتيات إلى استخدام قطع القماش العادية، رغم ما تسببه لهن من حساسية ومشكلات صحية في ظل عدم قدرتهن على شراء المنتجات المخصصة للاستخدام.
ومع تزايد الحاجة، قررتا البحث عن حل عملي، فتوجهتا إلى خياطة من جنوب السودان علمتهما كيفية صناعة الفوط الصحية، وفتحت أمامهما بابًا لمحاولة مساعدة نفسيهما والفتيات الأخريات. وتقولان بامتنان: “كتر خيرها، علمتنا نحن مجموعة من الفتيات لأن الحاجة عامة في المعسكر وما بنقدر نغطي احتياجاتنا”. ولم يكن تعلم هذه الحرفة مجرد محاولة لتوفير احتياجات شخصية، بل خطوة نحو مشروع صغير يهدف إلى تخفيف معاناة نساء كثيرات يواجهن الظروف ذاتها.
فوطة صحية أغلى من قدرات الأسرة
بالنسبة إلى إيناس ومريم، لا تكمن المشكلة في توفر الفوط الصحية وحده، وإنما في تكلفتها التي تفوق قدرة كثير من الأسر اللاجئة، خصوصًا الأسر التي تضم عددًا كبيرًا من النساء والفتيات. وتوضحان أن المبلغ الذي يمكن أن تخصصه الأسرة لشراء الفوط الصحية لا يكفي لتغطية الاحتياجات طوال الشهر، في وقت تتزاحم فيه المصروفات الأساسية من الطعام والشراب إلى العلاج وبقية متطلبات الحياة. وتتساءلان بمرارة: “إذا الأسرة فيها خمس نساء، طيب يأكلوا من وين”؟
سؤال تختصران به واقعًا تعيشه أسر كثيرة في المعسكر، حيث تصبح المرأة مضطرة إلى المفاضلة بين احتياجاتها الصحية واحتياجات أخرى لا تقل أهمية، بينما لا تملك كثير من الفتيات دخلًا خاصًا يساعدهن على توفير مستلزماتهن.
ومع توقف الدعم الذي كانت تقدمه المنظمات العاملة في هذا المجال، اتسعت الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والإمكانات المحدودة، وأصبحت النساء أكثر اعتمادًا على حلول بديلة قد لا تكون آمنة أو مناسبة للاستخدام الصحي.
حلم تصطدم به قلة الإمكانات
من قلب هذه المعاناة بدأت الفتيات التفكير في مشروع لصناعة الفوط الصحية بهدف توفيرها بسعر أقل من المنتجات الموجودة في الأسواق، حتى تتمكن النساء والفتيات من الحصول عليها دون أن يضطررن إلى التضحية باحتياجاتهن الأساسية.
وتقول إيناس ومريم إنهما تريدان استخدام خامات طبية وناعمة تراعي احتياجات النساء وتكون أكثر ملاءمة للاستخدام، لكن المشروع ما زال يواجه عقبة أساسية تتمثل في عدم توفر ماكينة للخياطة. فالخياطة اليدوية، بحسب ما توضحان، لا توفر الأمان والجودة التي تطمحان إليها في صناعة منتج مخصص للاستخدام الصحي، كما أن الإنتاج اليدوي يحد من قدرتهما على تلبية احتياجات العدد المتزايد من الفتيات والنساء.
وتبدو الماكينة بالنسبة إليهما أكثر من مجرد أداة للعمل، إنها الوسيلة التي يمكن أن تنقل الفكرة من محاولة محدودة إلى مشروع قادر على توفير الفوط الصحية بأسعار مناسبة وفتح فرصة عمل للفتيات بدلًا من بقائهن رهينات المساعدات المتوقفة.

مستقبل معلق بين اللجوء والانتظار
لا تعرف إيناس ومريم ما الذي ينتظرهما في الأيام المقبلة. فالعودة إلى السودان لا تبدو أمرًا واضحًا في ظل استمرار تداعيات الحرب، والاستقرار في بلد اللجوء تحيط به صعوبات المعيشة وضيق الإمكانات، فيما تظل فرص العمل محدودة والاحتياجات أكبر من القدرة على تلبيتها.
وتلخصان حالهما بقول مؤلم: (اليد قصيرة والعين قصيرة)، في إشارة إلى قلة الحيلة أمام واقع يزداد صعوبة رغم محاولاتهما البحث عن حلول بأيديهما، وتضيفان أن من يعرفهما قبل الحرب ربما يصعب عليه تصديق ما وصلتا إليه اليوم، بعد أن تبدلت أحوالهما واضطرتا إلى البحث عن أبسط مقومات الحياة في بلد اللجوء.
بين ذكريات حياة سابقة وواقع اللجوء، تتمسك الفتاتان بأمل صغير صنعته أيديهما، وتنتظران دعمًا يمكن أن يساعدهما على توفير ماكينة للخياطة وشراء الخامات المناسبة وتحويل فكرتهما إلى مشروع يخدم النساء والفتيات في معسكر كرياندونغو.
فما تطلبانه ليس مجرد وسيلة للعمل، بل فرصة لتوفير احتياج صحي أساسي والتخفيف من معاناة نساء اضطرتهن الحرب إلى مغادرة بيوتهن، ثم واجهن في اللجوء صعوبات لم تكن تخطر على بالهن.
وفي معسكر كرياندونغو، تحاول إيناس ومريم أن تصنعا من ضيق الإمكانات بداية لحل، لكنهما تحتاجان إلى من يمد لهما يد العون حتى لا تبقى الفوطة الصحية رفاهية بعيدة المنال، ولا تضطر الفتيات إلى بدائل قد تضر بصحتهن، في وقت يكفيهن فيه ما حملته الحرب من فقد ونزوح وقلق على المستقبل.





