ما بين سياسات البنك الدولي، والنهب الحكومي المقنّن

عثمان عبدالله فارس 

مقدمة:

منذ منتصف السبعينات، ونحن نطالع سرديات سياسات البنك الدولي وأنها سبب ووسيلة للتراكم الرأسمالي للدول الرأسمالية، ويتبعها استنزاف لموارد بلدان وشعوب العالم الثالث، وهذه السياسات تتحكم، بشكل مباشر، في السياسات الاقتصادية لحكومات الدول النامية، وبالتالي في إفقار شعوبها!

وظل ذلك الهتاف [لن يحكمنا البنك الدولي] ملازماً لنا في كل انتفاضاتنا وهباتنا الجماهيرية، وفي كثير من الأحيان يطغى على الشعارات الأساسية التي خرجت من أجلها الجماهير، وهي التغيير وإنهاء الحكم الاستبدادي الجاثم على الصدور.

من نافلة القول أن البنك الدولي تأسس في العام 1944، والدور الأساسي والرئيسي الذي يقوم به هو تقديم القروض، والمنح، والضمانات، والمساعدة الفنية، والخدمات الاستشارية للبلدان النامية والمتوسطة والمنخفضة الدخل لتمويل مشاريع التنمية (كالتعليم، والصحة، والبنية التحتية)، هذا ما يخصه وحدود مسؤوليته، بعد ذلك نأتي إلى ما يخصنا، نحن، الدول النامية أو الفقيرة، كمتلقين لتلك المنح والقروض فيما يخص كيفية إدارتها واستثمارها واستغلالها الاستغلال الأمثل في الغرض/المشروع الذي أتى إليه القرض أو المنحة، بشفافية تامة وبدون سطو أو لصوصية مع الالتزام الصارم بسداد الديون، في حالة القروض، دون تأجيلها وجدولتها، وهنا مربط الفرس!

البنك الدولي ودوره حول العالم:

البنك الدولي تصادف، أو خطط له، أن يتزامن تأسيسه مع نهايات الحرب العالمية الثانية (1944)، ولعب دوراً هاماً وأساسياً في تنمية البلدان الأكثر تأثراً بالحرب (ألمانيا، إيطاليا، واليابان) وما خلفته من دمار أصاب كافة مرافق تلك الدول الحيوية والبنيات التحتية.

والنموذج الأبرز هي اليابان التي لم تكن جزءاً من (خطة مارشال)* التي كانت مخصصة لأوروبا فقط، فقد استفادت من البنك الدولي في دعم تمويل طويل الأجل لمشاريعها في مجالات البنية التحتية من كهرباء وطرق وجسور وإنتاج فحم وخلافه، مما خلق وضعاً مستقراً لاقتصادها.

وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن متوسط نمو الاقتصاد الياباني اقترب من 10% سنوياً بين 1950 و1973، في واحدة من أبرز موجات النمو في التاريخ الاقتصادي الحديث.

عشرات الدول والأقطار في مختلف قارات العالم وفي مختلف التواريخ تعاملت مع البنك الدولي وحققت نجاحات باهرة على المستوى الاقتصادي والتنموي، وهذه النماذج المختارة من تجارب الدول في التعامل مع البنك الدولي اخترتها باعتبار أنها الدول الأقرب لحالتنا الراهنة من حيث الحرب وإفرازاتها على مختلف الأصعدة وحوجتها الماسة في مجال التنمية وإعادة الإعمار بشكل أخص.

ونستخلص منها أن ليس كل تجارب الدول والشعوب مع البنك الدولي كانت سالبة، إنما النقطة الفاصلة والجوهرية هي كيفية إدارة وشفافية التمويل أو القروض وتوجيهها الوجهة العلمية الصحيحة نحو الهدف المرسوم والمخطط له.

وأصيغ مثالاً بسيطاً – وبعيداً عن المصطلحات الاقتصادية/السياسية، مثل قانون التراكم وما أدراك ما فائض القيمة:

نفترض أن رب الأسرة أو رتها اقترضت مبلغاً من المال لصيانة المنزل أو بناء غرفة، وقام العيال بـ(بعزقة) المال فيما بينهم ولم تُشَيَّد الغرفة ولم تتم صيانة المنزل، فهل تترتب أي مسؤولية على صاحب القرض/الدائن؟

هذا ما حدث، بالضبط، في معظم معاملاتنا مع البنك الدولي!

لن يحكمنا البنك الدولي:

فذلكة تاريخية:

تاريخياً ظهر ذلك الشعار في مصر/ عبدالناصر بعد رفض البنك الدولي والصناديق المالية الغربية لتمويل مشروع السد العالي عام 1959 – 1960، ولجوء الحكومة المصرية للاتحاد السوفييتي لتمويل المشروع ومشروعات أخرى، أيام الحرب الباردة بين قطبي العالم، الكتلة الشرقية ممثلة في الاتحاد السوفييتي والكتلة الغربية ممثلة في أمريكا والدول الغربية، علماً بأن نظام عبدالناصر لم يقاطع كل المنظمات المالية في الغرب، وقتذاك، فقد تم تمويل نقل الآثار الفرعونية في منطقة السد (الأقصر)، ومن ضمنها نقل معبد كامل، تم ذلك بتمويل من منظمات عالمية مهتمة بالثقافة والآثار ونحن رعاية وإشراف منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة.

تغلغل شعار (لن يحكمنا البنك الدولي) في وسط وقلب الشارع السوداني إبان مقاومة حكومة عبود، وتجلى في رفض ثوار أكتوبر لـ(المعونة الأمريكية)، وحتى ذلك الحين لم يترسخ كشعار من ضمن شعارات ثورة أكتوبر 1964، بل كان هناك شعار أقرب لذلك وهو: (Down Down U.S.A).

البنك الدولي والحكومات السودانية:

من 5% إلى 100%

بدأ التعامل مع البنك الدولي في حكومات ما بعد الاستقلال وبشكل واضح في حكومة نوفمبر/عبود في شكل منح ومعونات، بما في ذلك ما أطلق عليه (المعونة الأمريكية) التي أسهمت في إنشاء طريق مدني الخرطوم وامتداد مشروع المناقل وعبدالماجد.

أصبح التعامل مع البنك الدولي أوضح وأثار حفيظة اليسار، بشكل أخص، إبان حكومة مايو الثانية، أو حكومة التكنوقراط – بعد ردة يوليو 1971 وانحراف مايو نحو اليمين والغرب – وشمل تمويل مشروعات عديدة، إنتاجية وخدمية وبنيات أساسية بقروض بعيدة ومتوسطة الآجال، كان من المفترض تسديدها من عائد تلك المشروعات، ولكن الفساد الإداري والاقتصادي أدى لتراكم تلك الديون، وبلغت جملة الديون مع فوائد القروض حوالي 36 مليون دولار حتى نهاية عهد مايو في أبريل 1985.

هناك ملاحظة لابد من الوقوف عندها بتجرد، رغم رأينا وتقييمنا لنظام مايو كحكم عسكري ديكتاتوري استبدادي، إلا أن المشاريع التي تأسست في عهده وبتمويل البنك الدولي والصناديق الأخرى لا تخطئها العين، وحققت نجاحاً مشهوداً وبقيت شامخة حتى داهمتها أيادي الإنقاذيين الشرهة تجاه أموال ومؤسسات القطاع العام، ثم بعد ذلك التهمتها نيران الحرب المشتعلة حتى الآن!

من المفارقات والجديرة بالتوثيق، طوال معارضتنا لسلطة مايو انتشر بيننا كمعارضين، ومن منطلق عدائنا المستحكم للبنك الدولي، مصطلح (مستر 5% – Mr five percent)، ومقصود به (بهاء الدين محمد إدريس) المستشار الاقتصادي للرئيس نميري، حيث أشيع عنه أنه يتقاضى 5% من أي قرض لحكومة السودان! وللأمانة والتاريخ أن المحكمة التي شُكِّلت له بعد الانتفاضة لم تثبت ذلك.

لقد كان عداؤنا للبنك الدولي والتوجهات الرأسمالية بشكل عام مبرراً، وقتذاك، قبل الانهيارات التي أصابت الكتلة الشرقية/الاشتراكية وضمور المدّ الاشتراكي في العالم الثالث وظهور القطب الواحد وما أفرزته سياساته من عولمة وسيادة الليبرالية الجديدة، بعد أن أصبحت سياساتها الاقتصادية هي السمة الغالبة في معظم دول العالم، وترتب على ذلك حتمية تعامل حكومات الدول النامية مع هذا الواقع – رغم تشوهاته وعاهاته المعرفية – وإلا أن تحكم على نفسها وشعوبها بالعزلة!

نقف هنا لحظة لنجر أنفاسنا…

القفز من 5% إلى 100% في عهد الإنقاذ:

إذا افترضنا أو صدقنا حقيقة/فرية الـ5% في عهد مايو، فإننا نقف أمام حقيقة الانتقال أو القفز من 5% إلى 100% في عهد الإنقاذ الكريه، ليس مجازاً ولكن الشواهد التي تقف على ذلك كثيرة ونوجزها في:

* قرض مطار الخرطوم الجديد – لا توجد إحصائية عن المبالغ التي اقترضت له، ولكن ما هو معلوم أن موقع المطار الجديد لا زالت أرض بلقع!.

* قرض التنمية الزراعية الذي تم توزيعه على محاسيب الإسلامويين من المحسوبين على المزارعين.

هذه القروض لم (يُجَنَّب) – حسب مصطلحاتهم – جزء منها 5% أو 10% – إنما (لغفت) بأكملها بواسطة النافذين في السلطة!! وأصبحت جملة هذه القروض ومستحقات أرباحها – والتي تجاوزت الـ140 مليون دولار – ديوناً واجبة السداد على الشعب السوداني، لذلك كان من أول اهتمامات الحكومة الانتقالية كيفية معالجة هذه الديون وقطعت أشواطاً بعيدة في هذه الوجهة مع سدّ الثغرات في الخلل الذي صاحب هذه القروض وعدم توجيهها لمشاريع تنموية حقيقية، وهو ما قامت به لجنة تفكيك التمكين واستردادها للمال المنهوب في عمرها القصير والذي قطعه انقلاب البرهان في أكتوبر 2021!

ورجعت حليمة اللئيمة لعادتها القديمة:

بعد انقلاب البرهان في أكتوبر 2021 واندلاع الحرب في أبريل 2023 استعادت الدولة (الكليبوكراسية)* هيمنتها ورجع كل دهاقنة النظام القديم لمواقعهم وبشكل أشرس في التهام المال العام والموارد ومن عائدات الذهب بشكل أخص، أضف لذلك ما تلتهمه وتستنزفه الحرب مع ضمور أو توقف الإنتاج بالكاد.

وفق كل هذه المعطيات، هل يمكننا (الاعتماد على الذات) كلياً والرفض العدمي لأي دعم خارجي، سواء من البنك الدولي أو الدول المانحة؟؟

مع الإشارة إلى أنه أي إصلاحات اقتصادية في قهبونة هذه الحرب والطاقم اللصوصي المتحكِّم في السلطة، هو من رابع المستحيلات! سوف أورد هنا نموذجاً واحداً لهؤلاء اللصوص الرسميين ـ وأنا ما بجيب سيرة جبريل ولا أردول ولا الجنوب.

في يوليو 2024 قررت آمنة ميرغني محافظة بنك السودان وفريقها بالبنك المركزي تنفيذ ما سمّوها “إصلاحات هيكلية”، ولم ترفع الإصلاحات الهيكلية قيمة الجنيه أمام الدولار، بل رفعت راتب المحافظ إلى (44) مليون جنيه..!! فقط أربعة وأربعون مليون جنيه، راتب محافظ البنك المركزي، ولم يكن كذلك قبل تعيين آمنة.. فالإصلاح الهيكلي أصلح راتب آمنة، ولم يصلح حال البنك ولا رواتب الناس.. (44) مليون جنيه، فيما لا يزال حال الجندي والمعلم والطبيب والعامل والموظف أقل من خمس التكلفة الشهرية لأسرة صغيرة!!

وهي لا تكتفي براتب الشهر، بل ينص عقدها على منحها راتب (8) أشهر عند إجازتها السنوية، و(6) أشهر في العيدين، و(5) أشهر بدل لبس، و(10) أشهر حافزاً سنوياً، و(9) أشهر بدل علاج، فضلاً عن علاجها وعلاج أسرتها بالخارج على نفقة الدولة..!! بجمع تلك الأشهر وضربها في (44) مليون جنيه، نعرف الدخل السنوي لـ”السيدة المصونة وصحبتها الميمونة”. وهناك فاتورة إيجار منزل المحافظ، قيمتها (50) مليوناً شهرياً، وبالمنزل مولدان يعملان على مدار اليوم، ويستهلكان من الوقود ما قيمته (2.4) مليون يومياً.

مرتب الست/آمنة يساوي راتب عدد 5000 (خمسة آلاف) معلم في الدرجة الثانية…. وكفى!

بعد تعيين الست آمنة وبإعلان إصلاحاتها الهيكلية استمر الجنيه السوداني في الهبوط مقابل الدولار وبـ(سرعة البرق) حتى أصبح أو كاد الدولار أو وصل إلى 10000 (عشرة آلاف) جنيهاً (آمنوغنياً)، أقصد سودانياً سابقاً!

 

حاشية:

خطة مارشال: (برنامج الإنعاش الأوروبي)، وهي مبادرة أمريكية أطلقها وزير الخارجية جورج مارشال عام 1948 بهدف إعادة إعمار الدول الأوروبية التي دمرتها الحرب.

كليبوكراسية: كليبو لص وكراسي/قراسي حكم، وتعني الدولة اللصوصية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى