قانون تنظيم العمل المصرفي السوداني لسنة 2026

دراسة مصرفية وقانونية نقدية مقارنة في ظروف الحرب وإعادة هيكلة الجهاز المصرفي

إعداد: عمر سيد أحمد 

باحث في الاقتصاد السياسي السوداني | خبير مصرفي ومالي مستقل

Email: o.sidahmed09@gmail.com

ملخص تنفيذي

يمثل قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2026 تحولاً نوعياً في الإطار القانوني للرقابة المصرفية في السودان. فهو لا يكتفي بتحديث سلطات الترخيص والرقابة التي كانت موجودة بدرجات واسعة في قانون 2004، بل ينشئ منظومة حديثة للتدخل المبكر ومعالجة المصارف المتعثرة Resolution (Bank Resolution Regime) تشمل تعيين مدير مؤقت، وإعادة الرسملة، والإنقاذ الداخلي Bail-in، والدمج والاستحواذ، ونقل الأصول والحقوق والالتزامات إلى مشترٍ أو جهة جسر أو شركة لإدارة الأصول، وصولاً إلى التصفية.

هذه الأدوات ليست استثناءً سودانياً؛ فهي تنتمي إلى الجيل الدولي من قوانين معالجة المؤسسات المالية الذي تبلور بعد الأزمة المالية العالمية، وخصوصاً في معايير مجلس الاستقرار المالي FSB. كما توجد نماذج مشابهة في مصر وإثيوبيا وكينيا وجنوب أفريقيا. ومن ثم فإن النقد المهني للقانون لا ينبغي أن يقوم على الادعاء بأن أدواته غير مألوفة، بل على السؤال الأهم: هل استورد السودان السلطات الحديثة ومعها الضمانات المؤسسية والتقييمية والقضائية والشفافية اللازمة لاستخدامها بأمان؟

تزداد أهمية هذا السؤال لأن القانون صدر في سياق حرب واسعة وتشظٍ مؤسسي وانهيار اقتصادي ونقدي وتضرر كبير في أصول المصارف وفروعها وعملائها وضمانات التمويل، وفي غياب سلطة تشريعية منتخبة قادرة على مناقشة تحول بهذا الحجم. لذلك لا يمكن تقييم القانون بمعزل عن البيئة التي سيعمل فيها.

تخلص الدراسة إلى أن القانون يحتوي بالفعل على ضمانات مهمة: رقابة على الملكية والسيطرة، الإفصاح عن المستفيد الحقيقي، حماية الودائع من الـBail-in قاعدة عدم جعل الدائن أسوأ حالاً من التصفية NCWO (No Creditor Worse Off)، وإبقاء باب القضاء مفتوحاً. غير أن مناطق تحتاج إلى مزيد من الوضوح أو التنظيم التفصيلي تشمل التقييم المستقل في المعالجة، طريقة اختيار المستثمر أو المشتري، إثبات استنفاد فرص التعافي قبل Resolution، معالجة الصدمة النظامية الناتجة عن الحرب، وآلية التعويض والمساءلة العملية بعد تنفيذ قرارات المعالجة.

.

. لماذا يستحق قانون 2026 هذا القدر من التدقيق

المصرف ليس شركة عادية. فهو يحتفظ بودائع الجمهور، ويمثل جزءاً من نظام المدفوعات، ويخلق الائتمان، ويحتفظ ببيانات مالية حساسة، وقد يؤدي انهياره إلى عدوى مالية تتجاوز المساهمين إلى الاقتصاد كله. ولهذا تمنح القوانين الحديثة السلطات الرقابية صلاحيات استثنائية عندما يصبح المصرف غير قابل للاستمرار.

لكن اتساع السلطة يقتضي اتساعاً مقابلاً في الضمانات. وفي السودان تتضاعف الحساسية لأن أدوات المعالجة يمكن أن تؤدي عملياً إلى تغيير الإدارة والملكية، وتخفيض حقوق المساهمين، وإصدار أسهم لمستثمرين جدد، ونقل الأصول والالتزامات، في وقت أضعفت فيه الحرب قدرة عدد كبير من المساهمين والمؤسسات على توفير رأس المال.

  1.   من قانون 2004 إلى قانون 2026: أين يقع التحول الحقيقي؟

قانون 2004 لم يكن قانوناً ضعيفاً من حيث الرقابة. فقد منح بنك السودان والمحافظ سلطات

واسعة في الترخيص، والتعليمات، والتفتيش، وتوفيق الأوضاع، وإلغاء الترخيص. ولذلك لا يصح القول إن قانون 2026 هو الذي منح البنك المركزي لأول مرة سلطة قوية على المصارف.

التحول الحقيقي هو الانتقال من نموذج رقابي تقليدي ينتهي غالباً إلى التصحيح أو إلغاء الترخيص والتصفية، إلى نموذج Resolution يسمح بإعادة بناء المصرف قبل تصفيته. في 2004 كان البنك يتقدم إلى المحكمة بطلب التصفية تحت إشرافها؛ أما في قانون 2026، ووفق المادة 84، أصبح بنك السودان الجهة الوحيدة المختصة بإصدار قرار التصفية مع بقاء التصفية تحت إشراف المحكمة المختصة.

وبذلك أصبح المسار الجديد، بصورة مبسطة: رقابة عادية ← تدخل مبكر ← معالجة ← سيطرة مؤقتة على الإدارة ← إعادة رسملة أو Bail-in أو دمج/استحواذ أو نقل أعمال ← جهة جسر/شركة إدارة أصول ← تصفية المتبقي عند الضرورة.

  1. التدخل المبكر: المادة 59 وما قبل نقطة الفشل

 

تتضمن منظومة التدخل المبكر مؤشرات مثل الصعوبات المتكررة في السيولة، وتراجع الأرباح بما يهدد الاستمرارية، وضعف الحوكمة وإدارة المخاطر والرقابة الداخلية، وعدم الالتزام بالمتطلبات الاحترازية. هذه مؤشرات طبيعية في الرقابة الحديثة، لكن استخدامها في السودان يثير سؤال السببية: هل ضعف المصرف ناتج عن سوء إدارة ومخاطر مصرفية طبيعية، أم عن حرب دمرت أصول العملاء والضمانات والفروع والأسواق؟

هذا التمييز ليس نظرياً. فقد سبق لبنك السودان أن اعترف تنظيمياً بخصوصية خسائر الحرب، وفرّق في منشوراته بين التعثر السابق للحرب والتعثر الذي نشأ بعدها، وطلب تقييم أثر انخفاض أو فقدان الضمانات. لذلك يصبح منطقياً المطالبة بأن تكون الصلة بين قواعد خسائر الحرب وTriggers التدخل المبكر والمعالجة صريحة وقابلة للمراجعة

  1. الدخول في المعالجة: المواد 64–67

المادة 66 تجعل قرار المعالجة واجب التنفيذ فوراً ولا يوقفه مجرد رفع دعوى، مع إمكان التدخل القضائي وفق القانون، بينما يميل العلاج اللاحق للمتضرر إلى التعويض المالي. هذا التوجه ليس غريباً عن المعايير الدولية؛ فـFSB نفسه يفضل ألا تؤدي الدعاوى إلى عكس إجراءات المعالجة المنفذة بحسن نية، وأن يكون التعويض هو العلاج عند ثبوت الضرر. لكن ذلك يجعل جودة التقييم السابق للقرار والمساءلة اللاحقة أكثر أهمية.

المادة 67 تضع مؤشرات لعدم قابلية المصرف للاستمرار، ومن بينها مؤشرات رأسمالية وسيولة. السؤال المقارن الحاسم هو ما إذا كان الإطار السوداني يقرر بوضوح الشرط الدولي الثاني: ألا تكون هناك فرصة معقولة لاستعادة قابلية المصرف للاستمرار. فالفرق كبير بين مصرف ضعيف حالياً ومصرف لا توجد فرصة معقولة لتعافيه.

 

  1. سلطات المعالجة: المواد 68–83

المادة 68 تمنح سلطات واسعة تشمل عزل واستبدال مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية واتخاذ تدابير لإعادة الهيكلة والتعامل مع حقوق المساهمين. وهذه السلطة مفهومة داخل Resolution الحديث، لكنها تعني أن حماية الملكية لا يمكن أن تعتمد على القواعد التجارية العادية وحدها.

المواد 70–73 تنظم المدير المؤقت، الذي يتولى عملياً صلاحيات الإدارة ويقيّم الوضع المالي ويضع خطة المعالجة، ويمكنه التوصية بالتصفية. وهنا تظهر إحدى أهم نقاط الدراسة: لم يتضح من المواد التي تمت مراجعتها وجود نظام مفصل ومستقل لتقييم Resolution يماثل النماذج الأكثر تطوراً التي تحدد صراحةً دور مقيم مستقل، ومنهجية تقدير الأصول والالتزامات، وقيمة حقوق المساهمين والدائنين، ومقارنة NCWO.

المادة 75 تحدد أدوات المعالجة الأساسية: إعادة الرسملة، الإنقاذ الداخلي Bail-in، الدمج أو الاستحواذ، والتحويل الكلي أو الجزئي للأصول والحقوق والالتزامات إلى مشترٍ أو جهة جسر أو شركة لإدارة الأصول.

في إعادة الرسملة، تسمح المادة 76 بإعطاء المساهمين الحاليين فرصة للاكتتاب، ثم فتح الطريق لإصدار أسهم جديدة لمستثمرين إذا لم يتمكنوا من توفير رأس المال أو اقتضت السرعة ذلك، مع إمكان تخفيض القيمة الاسمية للأسهم القديمة لعكس الخسائر. وهذه قناة قانونية واضحة يمكن أن تؤدي إلى تغيير السيطرة على المصرف دون تصفيته.

المادة 77 الخاصة بالـBail-in تستبعد الودائع إلى جانب فئات أخرى من الالتزامات. لذلك لا يدعم القانون قراءة تقول إن ودائع الجمهور يمكن شطبها ببساطة عبر الـBail-in.

ملاحظة نقدية إضافية: يستبعد نص المادة 77 الودائع من أدوات الإنقاذ الذاتي، لكن هذه الحماية النصية تبقى رهينة بالقدرة الفعلية لصندوق ضمان الودائع المصرفية على الوفاء بالتزاماته عملياً. فبيانات بنك السودان (التقرير السنوي 2019) أظهرت أن حصيلة اشتراكات الصندوق آنذاك لم تكن تغطي سوى ما نسبته 0.11% تقريباً من إجمالي الودائع المصرفية. ما لم يرافق القانون الجديد إعادة تمويل جوهرية لهذا الصندوق أو آلية تمويل طارئ موثوقة، يبقى الفارق قائماً بين ضمان قانوني للودائع وضمان قابل للتنفيذ الفعلي وقت الأزمة.

المادة 79 تسمح بنقل الأصول والحقوق والالتزامات إلى مشترٍ، بما في ذلك انتقال الودائع دون حاجة إلى موافقة كل دائن على حدة. هذا لا يعني ضياع الوديعة، بل انتقال الالتزام بها إلى الجهة الجديدة، لكنه يبرز اتساع سلطة المعالجة.

المادة 80 تنظم جهة الجسر، والمادة 81 شركة إدارة الأصول. وهما أداتان معروفتان دولياً لحماية الوظائف الحيوية وعزل الأصول المتعثرة. لكن السؤال في السودان هو كيفية تحديد ما ينتقل وما يبقى، ومن يقيّم ذلك، وكيف يتم اختيار المشتري النهائي.

المادة 83 تتضمن قاعدة NCWO، أي ألا يتحمل الدائن خسارة أكبر مما كان سيتحمله في التصفية. وهذه ضمانة جوهرية ينبغي تسجيلها لصالح القانون. غير أن فعالية القاعدة تعتمد على وجود تقييم مقارن مستقل ومنهجية واضحة للتعويض.

 

  1. التصفية والرقابة القضائية

المادة 84 تجعل بنك السودان الجهة الوحيدة المختصة بإصدار قرار تصفية الجهة المرخصة، مع إشراف المحكمة المختصة على التصفية. والمادة 113 تحدد المحكمة العامة بوصفها المحكمة المختصة وفق القانون. ومن ثم لا يصح وصف القانون بأنه ألغى القضاء، لكن مركز بدء التصفية انتقل بدرجة مهمة نحو السلطة التنظيمية مقارنة بقانون 2004.

المشكلة القانونية الأدق هي نطاق العلاج القضائي بعد أن تكون إجراءات المعالجة قد نُفذت بالفعل. فإذا نُقلت أصول أو تغيرت الملكية ثم حكم القضاء بوجود عيب، فهل العلاج الواقعي هو إعادة الوضع السابق أم التعويض؟ النصوص التي تمت مراجعتها تجعل التعويض المالي محوراً مهماً، وهو اتجاه معروف دولياً لكنه يتطلب نظام تقييم وتعويض قوي.

  1. الملكية والمستفيد الحقيقي: القانون أقوى مما قد يوحي به النقد الأولي

الفصل الثالث من قانون 2026 يضع ضوابط مهمة للملكية. المادة 18 تمنع الشخص والأطراف المرتبطة به من تجاوز 15% من رأس المال المدفوع أو حقوق التصويت، أو بلوغ سيطرة فعلية، دون موافقة بنك السودان. كما تفرض الإفصاح لأغراض المستفيد الحقيقي عند تجاوز 5%، وتتيح للبنك التدخل إذا كان هيكل الملكية غير شفاف أو يعيق الرقابة.

سؤال تاريخي يستحق المتابعة: شهدت الممارسة المصرفية السودانية سابقاً حالات تحوّلت فيها مستحقات متعثرة لبنك السودان تجاه بنوك تجارية إلى حصص ملكية فعلية للبنك المركزي في تلك البنوك، وهو وضع يضع البنك المركزي في تعارض مباشر بين دوره كمساهم ودوره كجهة رقابية. المادة 23 من قانون 2026 تحظر تضارب المصالح على أعضاء مجالس الإدارة والتنفيذيين، لكنها لا تتطرق صراحة لحالة البنك المركزي نفسه كمساهم. من المهم أن توضّح اللوائح التنفيذية القادمة كيفية معالجة أي حصص ملكية إرث من هذا النوع بما يتسق مع ضوابط المادتين 18 و44.

هذه ضمانات مهمة؛ ولذلك لا يصح القول إن القانون يفتح ملكية المصارف لأي جهة مجهولة بلا قيود. كما أن ضوابط مكافحة غسل الأموال الصادرة في 30 أبريل 2026، استناداً إلى المادة 118/2 من القانون، تفرض التحقق من المستفيد الحقيقي ومصدر الأموال والثروة وفق النهج القائم على المخاطر.

لكن يبقى سؤال مختلف: حتى إذا كان جميع المستثمرين Fit & Proper ومعلومي المستفيد الحقيقي، كيف يختار بنك السودان المستثمر أو المشتري الذي سيحصل على الأسهم أو الأعمال المنقولة أثناء Resolution؟ أهلية المستثمر لا تعادل شفافية عملية الاختيار، ولا تغني عن المنافسة والتقييم العادل وتجنب تضارب المصالح.

 

  1. رأس المال وإعادة تقييم الأصول: إعادة الهيكلة قد تبدأ قبل Resolution

في 17 فبراير 2026 أصدر بنك السودان منشور المتطلبات الرقابية لرأس المال المدفوع، محدداً 140 مليار جنيه للمصارف التجارية والرقمية، و230 ملياراً للمصارف التنموية، مع منح المصارف القائمة خيار رفع رأس المال أو الاندماج. اللافت أن المنشور نفسه استند إلى قانون 2004، ما يؤكد وجود مرحلة انتقال تشريعي ينبغي تفسيرها من خلال أحكام النفاذ والأحكام الانتقالية.

وفي اليوم نفسه صدرت إجراءات مرتبطة بإعادة تقييم الأصول وتصنيف المصارف ذات الأهمية النظامية. اجتماع رفع رأس المال وإعادة التقييم والاندماج في اقتصاد حرب يعني أن إعادة تشكيل الملكية يمكن أن تحدث قبل الدخول في Resolution: خسائر الحرب وتراجع الضمانات ترفع المخصصات، فتضغط على رأس المال، فيصبح المساهم أمام ضخ رأس مال جديد أو قبول التخفيف Dilution أو الاندماج.

هذا لا يثبت سوء نية. لكنه يجعل السؤال الاقتصادي السياسي مشروعاً: من يملك السيولة والعملات الأجنبية والقدرة على ضخ رأس المال في لحظة عجز المساهمين الآخرين؟

  1. الحرب: الاختبار الذي لا تكفي له نماذج التعثر التقليدية

بنك السودان نفسه أصدر ضوابط مؤقتة لمعالجة خسائر الحرب وتكوين المخصصات، واعترف بانخفاض أو فقدان الضمانات وبالحاجة إلى معالجات استثنائية. ومن ثم ينبغي ألا يتحول الأثر المتسلسل للحرب – تدمير نشاط العميل، تعثر التمويل، تراجع الرهن، ارتفاع المخصص، تآكل رأس المال – آلياً إلى حكم بأن المصرف فاشل بسبب سوء الإدارة.

توصي الدراسة باختبار خاص يمكن تسميته Systemic War Test: قبل إدخال مصرف في Resolution يجب تحديد الجزء من تدهوره الناتج عن صدمة الحرب النظامية، وتقييم إمكان التعافي وإعادة الرسملة، وتوثيق لماذا لا تكفي البدائل الأقل تدخلاً. فالـResolution صُمم أساساً لمعالجة فشل مؤسسة؛ أما إذا كانت الصدمة تضرب جزءاً كبيراً من النظام المصرفي في الوقت نفسه، فالمطلوب أيضاً سياسة قطاعية لمعالجة خسائر الحرب.

 

  1. المقارنة الإقليمية والدولية

المعيار الدولي المرجعي هو Key Attributes of Effective Resolution Regimes الصادر عن مجلس الاستقرار المالي FSB. وهو يقر أدوات البيع والنقل، الجهة الجسر، Bail-in، عزل الإدارة، واستمرار الوظائف الحيوية، لكنه يربطها بشروط واضحة: سلطة مستقلة تشغيلياً ذات حوكمة ومساءلة، معايير واضحة للدخول في Resolution، عدم وجود فرصة معقولة لاستعادة قابلية المؤسسة للاستمرار، احترام ترتيب الدائنين، NCWO والتعويض، والتخطيط المسبق للتعافي والمعالجة واختبارات قابلية المعالجة.

إثيوبيا، عبر Banking Business Proclamation No. 1360/2025، تبنت Prompt Corrective Actions وResolution Authority، وأتبعت ذلك بتوجيه خاص بخطط تعافي المصارف. المقارنة المفيدة هنا ليست في وجود السلطة فقط، بل في اكتمال مرحلة Recovery قبل Resolution.

مصر، عبر قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020، تبنت إطاراً لإدارة الأزمات وتسوية أوضاع البنوك المتعثرة، كما وضعت قواعد منفصلة لمشغلي نظم الدفع ومقدمي خدمات الدفع. وهذا يوفر معياراً مهماً عند الانتقال لاحقاً إلى ملف المحولات الخاصة.

كينيا تقدم نموذجاً مهماً بسبب دور Kenya Deposit Insurance Corporation في منظومة التعامل مع المؤسسات المتعثرة، بينما تمثل جنوب أفريقيا أحد أكثر النماذج الإقليمية تطوراً في Resolution Planning والتقييم وقابلية المعالجة، مع دور مؤسسي متعدد المستويات وصندوق ضمان ودائع CODI.

الخلاصة المقارنة: السودان ليس استثناءً في الأدوات. خصوصيته تكمن في توقيت تبنيها، وتركيز جانب مهم من القرار في البنك المركزي، وظروف الحرب، وضعف المؤسسات التشريعية والمساءلة العامة. لذلك ينبغي أن يكون معيار النقد: هل الضمانات بمستوى السلطات؟

  1. مصفوفة مقارنة مختصرة

السودان 2026

مصر

إثيوبيا

جنوب أفريقيا

FSB

العنصر

نعم

نعم

نعم

نعم

نعم

تدخل مبكر

بنك السودان

CBE

NBE

SARB

مطلوبة

Resolution Authority

نعم

ضمن إطار التسوية

ضمن الإطار الحديث

نعم

نعم

Bail-in

نعم

نعم/بحسب الإطار

نعم/بحسب الإطار

نعم

نعم

Bridge/Transfer

نعم؛ آلية التقييم تحتاج تفصيلاً

تحتاج المقارنة النصية التفصيلية

ضمن الضمانات الحديثة

نعم + تقييم

نعم + تعويض

NCWO

عناصر سابقة؛ اكتمال إطار 2026 غير واضح

موجود ضمن إدارة الأزمات

توجيه مستقل 2025

متطور

عنصر أساسي

Recovery planning

غير واضح بما يكفي في المواد المراجعة

يحتاج استكمال نصي

يحتاج استكمال نصي

مفصل

جزء جوهري من الضمانات

التقييم المستقل

حرب وغياب برلمان منتخب

قانون تشريعي 2020

مسار تشريعي برلماني

مؤسسات دستورية مستقرة

معيار دولي

السياق التشريعي

ملاحظة توضيحية للاختصارات الواردة في الجدول: SARB = South African Reserve Bank (البنك الاحتياطي لجنوب أفريقيا)؛ NBE = National Bank of Ethiopia (البنك الوطني الإثيوبي)؛ CBE = Central Bank of Egypt (البنك المركزي المصري)؛ CODI = Corporation for Deposit Insurance (مؤسسة ضمان الودائع، جنوب أفريقيا).

 

  1. نظم الدفع والبيانات: ملف متصل لكنه ليس جزءاً من Resolution المصرفي وحده

ينبغي فصل مسألة ترخيص المحولات ومشغلي نظم الدفع عن قانون معالجة المصارف، مع إبقاء الصلة المؤسسية بينهما. دخول القطاع الخاص في تشغيل البنية التحتية للدفع ليس في ذاته ظاهرة غير مألوفة؛ السؤال هو شروط الترخيص والحوكمة والأمن السيبراني واستمرارية الأعمال والملكية والمستفيد الحقيقي والقدرة على الخروج المنظم إذا فشل المشغل.

كما ينبغي التفريق بين السرية المصرفية وحماية البيانات. السودان لديه أحكام للسرية المصرفية، وقانون للاستعلام والتصنيف الائتماني لسنة 2011 يضع قواعد لجمع وحفظ واستخدام المعلومات الائتمانية ويمنح العميل حق الاعتراض على بياناته. لكن هذه المنظومة لا تعادل بالضرورة قانوناً عاماً حديثاً لحماية البيانات الشخصية يحدد Controller وProcessor، والأساس القانوني للمعالجة، وتقليل البيانات، والنقل عبر الحدود، والإخطار بالاختراق، وحقوق أصحاب البيانات.

لذلك فإن السؤال المشروع ليس: هل يستطيع مشغل خاص أن يرى البيانات؟ بل: ما البيانات التي يحتاجها تقنياً، وبأي صفة قانونية، وأين تخزن، ومن يملك حق الوصول، وما سجل التدقيق، وما الذي يحدث للبيانات ومفاتيح التشفير عند انتهاء الترخيص أو فشل المشغل؟

  1. فرضية الاقتصاد السياسي: كيف نصوغها بمهنية؟

لا توجد، في الأدلة التي تمت مراجعتها حتى الآن، مادة تثبت أن قانون 2026 صيغ لمصلحة تنظيم سياسي بعينه أو أن جهة محددة تقف خلفه بهدف الاستحواذ على المصارف. لذلك لا ينبغي تقديم هذا الاتهام كحقيقة.

لكن التاريخ السوداني يجعل السؤال عن الاقتصاد السياسي للملكية مشروعاً. فقد لعبت المصارف وشبكات التمويل دوراً مهماً في بنية التمكين الاقتصادي منذ 1989، والحرب أعادت توزيع السيولة والثروة والقدرة على الوصول إلى الذهب والصادرات والعملات الأجنبية. وفي الوقت نفسه يفرض الإصلاح الجديد زيادة رؤوس الأموال ويتيح الاندماج ودخول مستثمرين جدد ومعالجة المصارف.

الصياغة البحثية الأقوى هي: من يملك القدرة المالية على الاستفادة من موجة إعادة الرسملة والاندماجات والاستحواذات؟ وهل تظهر في الملكيات الجديدة شبكات مترابطة تاريخياً أو سياسياً؟ الإجابة تحتاج بيانات ملكية ومستفيدين حقيقيين ومصادر أموال، لا مجرد الانطباع السياسي.

  1. ثمانية اختبارات يجب أن يجيب عنها بنك السودان
  • هل يجب توثيق استنفاد خطة تعافٍ قابلة للحياة قبل Resolution؟ (Recovery first)
  • كيف يفصل البنك بين الخسارة الناشئة عن الحرب والفشل المصرفي القابل للنسبة إلى الإدارة أو نموذج الأعمال؟ (War adjustment)
  • ما الاختبارات الكمية والنوعية الدقيقة لنقطة الدخول في Resolution؟ (Objective trigger)
  • من يقيّم الأصول والالتزامات والأسهم ونتيجة NCWO، وما شروط استقلاله؟ (Independent valuation)
  • كيف يختار المستثمر أو المشتري؟ وهل توجد عملية تنافسية واستثناءات معلنة عند تعذرها؟ (Purchaser selection)
  • هل تطبق بالكامل على المستثمر الذي يدخل من بوابة Resolution؟ (Beneficial ownership and source of funds)
  • من يحسب التعويض، ومن يموله، وكيف يعترض المتضرر على التقييم؟ (Compensation)
  • ما نطاق سلطة المحكمة بعد تنفيذ القرار، وما المدة والإجراءات العاجلة للطعن؟ (Judicial accountability)
  1. ما الذي ينبغي تعديله أو استكماله؟

لا توصي هذه الدراسة بإلغاء منظومة Resolution؛ السودان يحتاج بالفعل إلى قانون حديث لمعالجة المصارف. لكن يوصى باستكمالها بضمانات أكثر وضوحاً: لائحة مستقلة للتقييم في Resolution؛ اشتراط تقييم مستقل عند نقل الأصول أو تطبيق NCWO؛ قواعد منشورة لاختيار المشترين والمستثمرين؛ إفصاح لاحق عن المستفيد الحقيقي ومصدر الأموال في حدود ما تسمح به القوانين؛ Recovery Plans ملزمة ومحدثة؛ Resolvability Assessments للمصارف النظامية؛ بروتوكول خاص بخسائر الحرب؛ ونظام واضح وسريع للتعويض والمراجعة القضائية.

كما ينبغي نشر مذكرة تفسيرية للقانون تبين فلسفته ومصادره والمعايير الدولية التي استند إليها، ودراسة أثر Regulatory Impact Assessment، وخطة الانتقال من قانون 2004 إلى 2026، مع حصر المنشورات القديمة التي استمرت بقوة الأحكام الانتقالية وتحديد ما ألغي منها وما بقي.

  1. ملاحظة قانونية مهمة حول المادة 118 والمرحلة الانتقالية

أصبح مؤكداً من منشور بنك السودان رقم 8/2026 الصادر في 30 أبريل 2026 أن البنك استند صراحة إلى المادة 118/2 من قانون 2026 لإصدار ضوابط مكافحة غسل الأموال الجديدة. وفي المقابل، استند منشور رأس المال الصادر في 17 فبراير 2026 إلى قانون 2004. هذا يثبت عملياً وجود انتقال زمني في الاستناد القانوني خلال الأشهر الأولى من 2026، لكنه لا يكفي وحده للحكم على سلامة أي منشور سابق دون قراءة حرفية كاملة للأحكام الانتقالية والنفاذ في الفصل السادس عشر.

ولهذا تحفظ الدراسة على أي استنتاج قطعي بأن منشورات فبراير 2026 كانت غير قانونية لمجرد صدورها بعد تاريخ إجازة القانون الجديد. المطلوب هو النص الرسمي الكامل للمادة 118 وسند النشر والنفاذ في الجريدة الرسمية، وهو ما ينبغي أن يكون من أول الوثائق التي يطالب بنك السودان بإتاحتها بصورة نصية قابلة للبحث.

لا توصي هذه الدراسة بإلغاء منظومة Resolution؛ السودان يحتاج بالفعل إلى قانون حديث لمعالجة المصارف. لكن يوصى باستكمالها بضمانات أكثر وضوحاً: لائحة مستقلة للتقييم في Resolution؛ اشتراط تقييم مستقل عند نقل الأصول أو تطبيق NCWO؛ قواعد منشورة لاختيار المشترين والمستثمرين؛ إفصاح لاحق عن المستفيد الحقيقي ومصدر الأموال في حدود ما تسمح به القوانين؛ Recovery Plans ملزمة ومحدثة؛ Resolvability Assessments للمصارف النظامية؛ بروتوكول خاص بخسائر الحرب؛ ونظام واضح وسريع للتعويض والمراجعة القضائية.

كما ينبغي نشر مذكرة تفسيرية للقانون تبين فلسفته ومصادره والمعايير الدولية التي استند إليها، ودراسة أثر Regulatory Impact Assessment، وخطة الانتقال من قانون 2004 إلى 2026، مع حصر المنشورات القديمة التي استمرت بقوة الأحكام الانتقالية وتحديد ما ألغي منها وما بقي.

  1. الخلاصة

قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2026 ليس في جوهره قانوناً شاذاً عن الاتجاه الدولي؛ بل هو انتقال متأخر نسبياً إلى نموذج Resolution الحديث. ومن الناحية الفنية، وجود التدخل المبكر والـBail-in والجهة الجسر ونقل الأصول وNCWO يمكن أن يكون ضرورياً لحماية المودعين والاستقرار المالي.

لكن القانون لا يعمل في فراغ. فهو يعمل في السودان الذي مزقته الحرب، حيث تضررت المصارف والعملاء والضمانات، وتدهورت العملة، وتراجعت قدرة المساهمين على الرسملة، وغابت الرقابة التشريعية المنتخبة. في هذه البيئة، تتحول التفاصيل التي قد تبدو تقنية – التقييم، اختيار المشتري، مصدر رأس المال، المستفيد الحقيقي، التعويض، القضاء – إلى أسئلة عن ملكية الثروة والسلطة الاقتصادية.

لذلك فإن الموقف المهني المتوازن ليس رفض القانون لأنه يمنح البنك المركزي سلطة، ولا قبول القانون لأنه يتوافق شكلياً مع المعايير الدولية. المطلوب هو التأكد من أن السودان لم يستورد «سلطات» Resolution وحدها، بل استورد معها منظومة التعافي والتخطيط والتقييم المستقل والشفافية والمساءلة التي تجعل تلك السلطات أداة لإنقاذ النظام المصرفي لا لإعادة توزيع أصوله في الظلام.

ومن هنا يبقى السؤال المشروع الذي ينبغي أن يقود التحقيق العام: من يعيد هندسة الجهاز المصرفي السوداني في زمن الحرب، وبأي قواعد، ولصالح أي هيكل اقتصادي سيخرج من الحرب؟ الإجابة يجب أن تُبنى على الوثائق وخرائط الملكية ومصادر الأموال وقرارات التنفيذ، لا على الاتهام المسبق.

ملاحظة سياقية إضافية: عانى بنك السودان تاريخياً من فوضى موثقة في إصدار المنشورات والتعاميم (بلغ عددها 26 تعميماً في عام 2020 وحده وفق تقارير معاصرة)، وهو ما خلق حالة دائمة من عدم استقرار القواعد الرقابية. المادة 31 من قانون 2026، التي تُلزم البنك بنشر دليل إلكتروني موحّد يجمع كل القوانين واللوائح والمنشورات ويُحدَّث دورياً، يمكن قراءتها كاستجابة تشريعية مباشرة لهذه العلة التاريخية تحديداً؛ ويبقى اختبارها الحقيقي في مدى الالتزام الفعلي بتحديث هذا الدليل بانتظام لا في مجرد النص عليه.

 

ملحق: أهم المواد والمحاور التي تمت مراجعتها

المادة 18: الملكية والسيطرة والإفصاح عن المستفيد الحقيقي؛ المادة 59 وما يليها: التدخل المبكر؛ المواد 64–83: المعالجة وأدواتها وضماناتها؛ المادة 66: نفاذ قرار المعالجة والطعن؛ المادة 67: شروط/مؤشرات عدم الاستمرار؛ المادة 68: سلطات المعالجة؛ المواد 70–73: المدير المؤقت والتقييم والخطة؛ المادة 75: أدوات المعالجة؛ المادة 76: إعادة الرسملة؛ المادة 77: Bail-in؛ المادة 79: نقل الأصول والالتزامات؛ المادة 80: جهة الجسر؛ المادة 81: شركة إدارة الأصول؛ المادة 83: NCWO؛ المادة 84: قرار التصفية؛ المادة 113: المحكمة المختصة؛ المادة 118/2: سند تنظيمي استند إليه بنك السودان في منشور 8/2026.

المصادر الأساسية

بنك السودان المركزي – صفحة قانون تنظيم العمل المصرفي للعام 2026 (الفصول الستة عشر): https://cbos.gov.sd/ar/node/478

بنك السودان المركزي – المتطلبات الرقابية لرأس المال المدفوع للمصارف، 17 فبراير 2026: https://cbos.gov.sd/ar/node/24527

بنك السودان المركزي – الضوابط التنظيمية والرقابية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، 30 أبريل 2026: https://cbos.gov.sd/ar/content/الضوابط-التنظيمية-والرقابية-بشأن-مكافحة-غسل-الأموال-وتمويل-الإرهاب-وتمويل-إنتشار-التسلح

بنك السودان المركزي – قانون الاستعلام والتصنيف الائتماني لسنة 2011: https://cbos.gov.sd/ar/node/3755

Financial Stability Board – Key Attributes of Effective Resolution Regimes, revised 2024: https://www.fsb.org/2024/04/key-attributes-of-effective-resolution-regimes-for-financial-institutions-revised-version-2024/

Financial Stability Board – Effective Resolution Regimes and Policies: https://www.fsb.org/work-of-the-fsb/market-and-institutional-resilience/post-2008-financial-crisis-reforms/effective-resolution-regimes-and-policies/key-attributes-of-effective-resolution-regimes-for-financial-institutions/

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى