النشر الإلكتروني تحت طائلة القانون الجنائي السوداني: خطوة نحو «إعدام» حرية الصحافة

عبدالهادي الحاج
أعادت التعديلات الأخيرة على القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، والتي أدرجت النشر عبر الوسائط الإلكترونية والإعلامية ضمن جرائم تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، المخاوف حول مستقبل حرية الصحافة والتعبير في البلاد، لا سيما تزامن الإعلان عنها مع قرار رئيس الوزراء تشكيل «آلية وطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية»، ومنحها صلاحيات رصد ومتابعة المحتوى المنشور عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، واتخاذ الإجراءات القانونية بشأنه.
ويثير تزامن المسارين تساؤلات بشأن حدود الرقابة على النشر الإلكتروني، واحتمالات استخدام القوانين والإجراءات الجديدة في ملاحقة الصحفيين والناشطين وأصحاب الآراء الناقدة للسلطات، في ظل الحرب وما تفرضه من تحديات على العمل الإعلامي المستقل وتداول المعلومات.
وبموجب «قانون التعديلات المتنوعة لسنة 2026»، الصادر بالمرسوم المؤقت رقم «7» في الثامن من أكتوبر الحالي، أُدرج النشر الإلكتروني والإعلامي ضمن نطاق الأفعال المنصوص عليها في المادتين «50» و«51» من القانون الجنائي، المتعلقتين بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، وهما من الجرائم التي قد تصل عقوباتها، وفقًا للأحكام ذات الصلة، إلى الإعدام أو السجن المؤبد.
ويرى منتقدو التعديلات أن توسيع نطاق هذه المواد ليشمل النشر قد يتيح تأويل التقارير الصحفية والمنشورات الرقمية الناقدة للسلطات باعتبارها أفعالًا تمس أمن الدولة، بما يهدد بتوسيع دائرة الملاحقات الجنائية ويدفع الصحفيين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان إلى الرقابة الذاتية، ويحد من قدرة الجمهور على الوصول إلى المعلومات ومتابعة الانتهاكات ومساءلة المسؤولين.
وتكتسب هذه المخاوف أبعادًا إضافية مع قرار رئيس الوزراء الصادر في التاسع عشر من أكتوبر الحالي، بتشكيل الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية، والتي تختص بمكافحة جرائم المعلوماتية والنشر الذي تصفه السلطات بالضار والمخل بأمن الدولة والمجتمع، ورصد ومتابعة ما يُنشر عبر الوسائط الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، فضلًا عن اتخاذ الإجراءات الوقائية والقانونية اللازمة وقيد الدعاوى القضائية نيابة عن الدولة.
وبينما تضع السلطات هذه الإجراءات في إطار تعزيز الأمن الرقمي وحماية الاستقرار المجتمعي، يحذر منتقدوها من أن اتساع صلاحيات الرصد والملاحقة، بالتزامن مع تشديد العقوبات على جرائم النشر، قد يفضي إلى تضييق مساحة التعبير والعمل الصحفي المستقل.
ويثير المرسوم كذلك تساؤلات قانونية بشأن علاقته بقانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007، الذي ينظم الجرائم المرتبطة بالنشر الإلكتروني، وما قد ينشأ عن إدراج أفعال النشر ضمن القانون الجنائي العام من تداخل في الاختصاصات والإجراءات القانونية.
ويرى منتقدو التعديلات أن هذا التداخل قد يوسع نطاق الملاحقات ويضعف الضمانات المرتبطة بالتعامل مع قضايا النشر، في حين يشددون على ضرورة اتساق التشريعات مع التزامات السودان الدولية في مجال حقوق الإنسان، ولا سيما ما يتعلق بحرية التعبير والتناسب بين الأفعال والعقوبات.
ويتجاوز الجدل حول التعديلات والآلية الجديدة مسألة مكافحة الجرائم الإلكترونية إلى أسئلة أوسع بشأن الحدود الفاصلة بين حماية الأمن العام وتقييد الحريات، ومدى توافر الضمانات التي تحول دون استخدام القوانين والإجراءات الإدارية لملاحقة الأصوات الناقدة في بلد تشتد فيه الحاجة إلى إعلام مستقل يكشف الانتهاكات ويصون حق الجمهور في المعرفة.
تقييد حرية التعبير
في إطار ردود أفعال القوى السياسية، حذّر «تحالف قوى التغيير الجذري» من أن إدراج النشر الإلكتروني والإعلامي ضمن مواد بالقانون الجنائي تتضمن عقوبات مشددة قد يفتح الباب أمام تقييد حرية الصحافة والتعبير وملاحقة الصحفيين والناشطين.
وطالب التحالف بإلغاء التعديلات المثيرة للجدل، ووقف الملاحقات المرتبطة بالآراء والممارسات المهنية السلمية، ومواءمة التشريعات السودانية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما يضمن حماية الصحفيين وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات وتداولها بحرية.
كذلك اعتبرت مجموعة «محامو الطوارئ» أن تعديل المادة «51» من القانون الجنائي، وإضافة عبارة «بما في ذلك النشر في الوسائط الإعلامية أو الإلكترونية»، يمثل توسعًا خطيرًا في نطاق التجريم، قد يتيح ملاحقة الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان بسبب نشر المعلومات المتعلقة بالانتهاكات أو انتقاد السلطات.
وأشارت المجموعة، في بيان، إلى أن التعديل قد يعزز الرقابة الذاتية ويقوض التوثيق المستقل، في ظل ما وصفته باستمرار المحاكمات ذات الدوافع السياسية والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب.
وطالبت بإلغاء التعديل، ووقف المحاكمات السياسية وتنفيذ أحكام الإعدام، والإفراج عن المحتجزين تعسفيًا، والكشف عن مصير المختفين قسريًا، وضمان استقلال القضاء والنيابة العامة وإخضاع التشريعات لرقابة دستورية مستقلة.
وعلى الصعيد المهني، رفضت نقابة الصحفيين السودانيين تعديل المادة «51» من القانون الجنائي، وقرار رئيس مجلس الوزراء تشكيل الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية، محذّرة من تداعياتهما على حرية الصحافة والتعبير والحق في الوصول إلى المعلومات، في ظل الحرب التي تشهدها البلاد.
وقالت سكرتارية الحريات بالنقابة، في بيان، إن إضافة عبارة «بما في ذلك النشر عبر الوسائط الإلكترونية أو الإعلامية» إلى المادة المتعلقة بالأفعال التي تمس أمن الدولة، قد توسّع نطاق التجريم ليشمل التقارير والتحقيقات الصحفية والتعبير عن الرأي، في ظل عقوبات تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد وفقًا للأحكام ذات الصلة.
وأشارت إلى أن غياب الضمانات اللازمة لحماية العمل الصحفي المشروع قد يفتح الباب أمام تفسيرات واسعة وملاحقات جنائية تدفع الصحفيين إلى الرقابة الذاتية، وتحرم الجمهور من المعلومات المتعلقة بالشأن العام والانتهاكات.
كما حذّرت النقابة من استخدام الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية في رصد وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ومراقبة الناشرين، استنادًا إلى أوصاف فضفاضة مثل «النشر الضار والمخل بأمن الدولة والمجتمع».
وأكدت أهمية مكافحة الجرائم الإلكترونية في إطار القانون واحترام الحقوق والحريات الأساسية، دون المساس باستقلال الصحافة أو الحق في الخصوصية والتعبير.
إجراءات غير مشروعة
الخبير القانوني المعز حضرة، وصف التعديلات الأخيرة بأنها تفتقر إلى المشروعية، معتبرًا أنها تستند إلى الوثيقة الدستورية التي قال إنها تعرضت لـ«الانتهاك والتمزيق» منذ انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021.
وأضاف لـ«أفق جديد» أن هذه التعديلات لا تستند إلى أساس دستوري معترف به، وأن أي محكمة دستورية مستقلة يمكنها إبطالها، لصدورها، بحسب تقديره، عبر إجراءات غير مشروعة.
وأوضح حضرة أن قانون جرائم المعلوماتية قانون خاص ينظم جرائم النشر وغيرها من الجرائم المعلوماتية، ولذلك لا يجوز، من وجهة نظره، إدراج تعديل يتعلق به ضمن قانون عام، معتبرًا ذلك تناقضًا تشريعيًا إضافيًا.
فيما أكد المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان عثمان صالح، أن التعديل الذي طال المادة «51» من القانون الجنائي لسنة 1991، ضمن التعديلات المنشورة في الجريدة الرسمية، يثير مخاوف جدية بشأن حرية الصحافة والتعبير، معتبرًا أن إدراج النشر عبر الوسائط الإلكترونية والإعلامية ضمن الأفعال المرتبطة بإثارة الحرب ضد الدولة قد يفتح الباب أمام تجريم الآراء الناقدة للسلطات.
وأوضح صالح لـ«أفق جديد» أن المادة تتناول أفعالًا تشمل جمع الأشخاص وتدريبهم وتسليحهم، وأن إضافة النشر الإلكتروني والإعلامي إلى نطاقها تفتقر، بحسب تقديره، إلى مبررات قانونية واضحة، وتهدف إلى تقييد النشر وتكميم الأفواه، وحذّر من أن يمتد تطبيق التعديل إلى الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمواطنين العاديين، بحيث تُفسَّر الآراء المنشورة التي لا تحظى بقبول السلطات على أنها تأييد لأفعال مجرّمة بموجب المادة، بما قد يعرّض أصحابها لبلاغات جنائية تصل عقوبتها إلى الإعدام.
إشكالات قانونية
يختلف القانون الجنائي لسنة 1991 عن قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2007 من حيث نطاق المعالجة القانونية؛ إذ يتناول الأول الجرائم العامة، بما فيها الجرائم الواقعة على أمن الدولة، ويحدد الأفعال المجرّمة والعقوبات المترتبة عليها، بينما يختص الثاني بالجرائم المرتبطة بتقنية المعلومات والأنشطة الإلكترونية.
ويثير التعديل الأخير للمادة «51» من القانون الجنائي تساؤلات بشأن العلاقة بين التشريعين، بعدما أُدرج النشر عبر الوسائط الإعلامية والإلكترونية ضمن أوجه تأييد من يثير الحرب ضد الدولة، حيث يرى منتقدو التعديل أن توسيع نطاق تطبيق النصوص الجنائية العامة على المحتوى الرقمي قد يطمس الحدود بين الجرائم الموجهة ضد أمن الدولة والتعبير الناقد عبر الإنترنت، ويزيد المخاوف من ملاحقة الصحفيين والنشطاء بسبب ما ينشرونه.
وفي هذا الصدد، يُشير عثمان صالح، إلى أن جرائم النشر تخضع لقانون خاص، هو قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007، الذي ينظم التعامل مع هذه القضايا عبر جهات مختصة، تشمل الشرطة والنيابة والمحاكم المعنية بالنشر.
واعتبر أن إدراج جرائم النشر ضمن القانون الجنائي، بوصفه قانونًا عامًا، قد يؤدي إلى تجاوز الاختصاصات المقررة للجهات المختصة، ويثير إشكالات قانونية بشأن العلاقة بين القانونين، مؤكدًا أن القانون الخاص يُقدَّم على القانون العام في المسائل التي ينظمها على نحو محدد.
وفي السياق ذاته، استند صالح إلى التزامات السودان بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادق عليه عام 1986، مشيرًا إلى أن المادة «19» منه تكفل حرية التعبير وتضع شروطًا محددة لأي قيود عليها، من بينها الضرورة والتناسب بين الفعل والعقوبة.
وأضاف أن الوثيقة الدستورية نصت على اعتبار الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي صادق عليها السودان جزءًا لا يتجزأ منها، الأمر الذي يجعل أي تشريع يتعارض مع الضمانات الواردة في العهد الدولي، وفقًا لرأيه، محل شبهة عدم الدستورية.
ونوه إلى أن التعديل، بدلًا من معالجة الجرائم وفق ضمانات قانونية واضحة، قد يُستخدم لتقييد حرية الصحافة والتعبير، بما يتعارض مع الحقوق والحريات التي تكفلها الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها السودان.
تجريم إثارة الحرب ضد الدولة
رغم هذا الرفض الواسع للتعديلات التي شملت القانون الجنائي، يرى الجانب الحكومي أن التعديل يستهدف مكافحة جريمة إثارة الحرب ضد الدولة وتجريم التأييد العلني لمن يرتكبها، بما في ذلك عبر النشر في الوسائط الإعلامية والإلكترونية، وليس التضييق على الصحفيين أو المساس بحرية التعبير.
وفي هذا السياق، نفى وزير العدل عبد الله درف أن يكون تعديل المادة «51» من القانون الجنائي لسنة 1991 مدخلًا للتضييق على الصحفيين، مؤكدًا أن التعديل لا يتعلق بقانون مكافحة جرائم المعلوماتية، ولا بجريمة تقويض النظام الدستوري المنصوص عليها في المادة «50» من القانون الجنائي.
وأوضح درف، في تصريحات نقلتها صحيفة «الكرامة»، أن التعديل شمل المادة «51/أ» المتعلقة بجريمة «إثارة الحرب ضد الدولة»، التي تجرّم إثارة الحرب أو تأييد من يثيرها بأي وجه من الوجوه.
وأضاف أن التعديل أدخل النشر عبر الوسائط الإلكترونية والإعلامية ضمن أشكال التأييد المجرّمة، مشيرًا إلى أن الغرض منه هو مكافحة إثارة الحرب ضد الدولة ومساندة القوات التي وصفها بـ«المليشيا» وجرائمها عبر النشر العلني.
وفي ما يتعلق بدور وزارة العدل في إعداد التشريعات، قال درف إن الوزارة ليست جهة تشريعية، وإنما تتولى مراجعة مشروعات القوانين للتحقق من توافقها مع الوثيقة الدستورية وعدم تعارضها مع القوانين السارية، قبل صياغتها وفق الضوابط التشريعية المعمول بها.
وأشار إلى أن مشروعات القوانين تمر بمراحل مؤسسية متعددة، تبدأ بإحالتها إلى وزير شؤون مجلس الوزراء، ثم الأمانة العامة للمجلس، قبل عرضها على اللجنة الفنية المختصة والقطاع الوزاري المعني لمناقشتها وإبداء الملاحظات بشأنها.
لكن رغم نفي الوزير، يؤكد الخبير القانوني المعز حضرة، على أن إعلان رئيس مجلس الوزراء تشكيل آلية وطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية، والإجراءات المتعلقة بالقانون الجنائي تأتي جميعها في سياق محاولات للسيطرة على النشر الإلكتروني، بعد أن أسهمت المنصات الرقمية في كشف قضايا الفساد والانتهاكات والقتل خارج نطاق القانون والاعتقالات، وفقًا لتعبيره.
وأضاف أن إدراج جرائم النشر ضمن الجرائم الموجهة ضد الدولة يفتح الباب أمام ملاحقة الصحفيين والناشرين بسبب محتوى لا يحظى بقبول السلطات، محذرًا من أن المادتين «50» و«51» قد تُستخدمان في فتح بلاغات جنائية تصل عقوباتها إلى الإعدام، فضلًا عن عدم إتاحة الإفراج بالضمان في هذه الجرائم.
ورأى حضرة أن هذه الإجراءات تنذر بتصعيد القيود على حرية التعبير، في ظل استمرار الاعتقالات التي قال إنها تُنفذ خارج الأطر القانونية، بما في ذلك الاحتجاز في مقار وسجون خاصة دون علم النيابة أو القضاء.
واعتبر أن استهداف النشر الإلكتروني يمثل امتدادًا لمحاولات التضييق على الأصوات المدنية الرافضة للحرب والمنتقدة لأداء السلطات، مؤكدًا أن محاولات قمع حرية التعبير لن تنجح في إسكات السودانيين المطالبين بالحرية.





