شرف الكلمة

طارق فرح
الكلمة ليست مجرد حروف تُنطق أو عبارات تُكتب، بل موقف يُتخذ، وعهد يُقطع، ومرآة تكشف حقيقة صاحبها. بها تُبنى الثقة، وتُصان الحقوق، وتُبرم الاتفاقيات، وبها أيضًا تُشعل الفتن، وتُهدم العلاقات، وتُدفع الأوطان إلى مصائر لم تكن لتبلغها لولا كلمة قيلت في غير موضعها.
وأشهر تجسيد مسرحي لذلك حوار كتبه عبد الرحمن الشرقاوي في «الحسين ثائرًا» بين والي المدينة الوليد بن عتبة والإمام الحسين. طلب الوالي كلمة واحدة: أن يقول الحسين «بايعت». رأى في ذلك ثمنًا بسيطًا يحقن به الدماء. فانتفض الحسين: «كَبُرَت كلمة!»
وبيّن أن البيعة أكبر من لفظ عابر:
«ما دين المرء سوى كلمة.. وما شرف الرجل سوى كلمة.. وما شرف الله سوى كلمة!»
فقال الوليد: «فقل الكلمة واذهب عنا!» فأجابه الحسين:
«أتعرف ما معنى الكلمة؟ مفتاح الجنة في كلمة.. ودخول النار على كلمة.. وقضاء الله هو الكلمة. الكلمة لو عرفت حرمتها لوجدتها زادًا مذخورًا؛ فهي نور، وبعض الكلمات قبور. الكلمة زلزلت الظالم، وهي حصن الحرية، والكلمة مسؤولية.. فالرجل هو الكلمة».
فقال الوليد: «وإذن؟!» فرد الحسين بحسم:
«لا رد لدي لمن لا يعرف ما معنى شرف الكلمة!»
تضعنا هذه الملحمة أمام الحقيقة العارية: فالذي أوصلنا إلى ما نحن فيه في كثير من الأحيان ليس قلة الموارد وحدها، بل وباء العهر السياسي وشبق السلطة. وكل ذلك بدأ… من كلمة! وهنا يطرح الواقع نفسه بسؤالٍ حاد: ما هي المرجعية الأخلاقية للخطاب السياسي والإعلامي اليوم؟
قالت العرب إن الكلمة وعاء الفطن، وفي ثقافتنا السودانية نقول: «الزول بكلمتو». فالإنسان يُعرف بما يقول، ويُختبر بما يعد، وتظهر مروءته حين يفي بما التزم به. لكن الكلمة، في واقعنا اليوم، فقدت كثيرًا من هيبتها؛ إذ صار السياسيون يطلقون الوعود بلا التزام، والمثقفون يبدّلون مواقفهم بالمصالح، وفي زمن المنصات أصبحت الكلمة أداة للتحريض والإقصاء والبحث عن الانتشار، لا مسؤولية أمام التاريخ.
وفي عالم السياسة، تكتسب الكلمة وزنًا مضاعفًا لأنها ترتبط بمصير الملايين. والمشكلة ليست في أن يعجز المسؤول لظروف طارئة، بل أن يتحول الوعد إلى أداة لكسب الوقت وامتصاص الغضب، أو أن يطلق الحاكم تعهدات بلا إرادة حقيقية للتنفيذ، فتتحول الكلمة من جسر ثقة إلى جدار قطيعة.
وفي السودان، حيث تتعاظم مأساة الحرب، تبدو الحاجة إلى شرف الكلمة أكثر إلحاحًا؛ فالناس لا تكفيهم التصريحات المتكررة بينما ينتظرون نتائج ملموسة في الأمن والخدمات وسبل العيش. وأطراف الصراع أخلفوا عهودهم، وأصمّوا آذانهم عن ألم الصامتين الذين يكتوون بوجع الفقد والتهجير.
إن المصداقية في العمل العام تتجلى في الشفافية، والشجاعة في مراجعة المواقف، واحترام عقول الناس بالوفاء بالالتزامات؛ فالمشكلة ليست في اختلاف الآراء، بل في اتخاذ الوعود شعاراتٍ للمصلحة، وتخوين المخالفين. وما ينطبق على السياسي والحاكم، ينطبق على المثقف والإعلامي؛ فحرية التعبير لا تمنح أحدًا حق اختلاق الشائعات أو ترويج الكراهية. وقد علّمنا القرآن الكريم عظم المسؤولية: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات الصاخبة، بل إلى مواقف صادقة تفتح الطريق أمام وقف الحرب، وتحمي المدنيين، وتؤسس لسلام عادل وانتقال مدني ديمقراطي. واستعادة شرف الكلمة تبدأ من الجميع: من السياسي الذي يفي بوعده، والحاكم الذي يصارح شعبه، والمثقف الذي يصون موقفه، والإعلامي الذي يتحرى الحقيقة، والمواطن الذي يتأكد قبل أن ينشر الكلام.
فشرف الكلمة ليس ترفًا لغويًا، بل هو أساس الثقة بين أبناء الوطن الواحد. وحين تستقيم الكلمة، يصبح الحوار ممكنًا.
فالأوطان لا تُبنى بالبندقية وحدها، ولا تنهض بكثرة الخطب، وإنما تحتاج إلى صدق القول، ونزاهة الفعل، وشجاعة الموقف.





