نادي الهواة الثوريين: متى يغادر الحزب الشيوعي السوداني محطة التحريض إلى رحاب الدولة؟

عادل يعقوب أحمد نور
تبدو التجربة السياسية السودانية، في بعض جوانبها، وكأنها أسيرة مفارقة تاريخية؛ أحزاب تمتلك أرصدة معتبرة من النضال السياسي، وتاريخًا طويلًا من الصراع ضد الأنظمة الشمولية، لكنها تجد صعوبة في تحويل هذا الإرث إلى مشروعات عملية لإعادة بناء الدولة وإدارة المجتمع.
ويقدم الحزب الشيوعي السوداني نموذجًا يستحق التأمل في هذا السياق. فالحزب الذي ارتبط اسمه بتاريخ الحركة النقابية والطلابية، وشارك في محطات مهمة من مقاومة الأنظمة العسكرية، لا يزال يواجه سؤالًا جوهريًا بشأن قدرته على الانتقال من موقع المعارضة العقائدية إلى موقع الفاعل السياسي الذي يقدم تصورًا متكاملًا للحكم وإدارة الدولة.
ليست القضية هنا مطالبة الحزب بالتخلي عن هويته الفكرية، ولا افتراض أن المشاركة في السلطة هي المعيار الوحيد للنضج السياسي. فالأحزاب قد تؤدي أدوارًا تاريخية مهمة من مواقع المعارضة. لكن السؤال يبدأ حين تتحول المعارضة من وسيلة للتغيير إلى غاية قائمة بذاتها، وحين تصبح المحافظة على نقاء الموقف الأيديولوجي أهم من اختبار الأفكار في واقع اجتماعي شديد التعقيد.
أولًا: حين تتحول المعارضة إلى هوية
تاريخيًا، نشأ الحزب الشيوعي السوداني في سياق سياسي واجتماعي اتسم بالاستعمار، والتفاوت الطبقي، وضعف المؤسسات الديمقراطية، ثم تطور نشاطه في بيئة شهدت صراعات حادة بين القوى المدنية والعسكرية. وقد أسهمت الحركة النقابية والطلابية في تشكيل حضوره السياسي، ومنحته قدرة على التعبئة والتنظيم في محطات مفصلية من تاريخ السودان.
لكن التاريخ، مهما كان غنيًا، لا يمنح الأحزاب حصانة دائمة من المراجعة.
فالحزب الذي تشكلت هويته عبر مقاومة السلطة قد يجد نفسه، بمرور الزمن، أكثر براعة في كشف تناقضات خصومه من قدرته على تقديم بدائل قابلة للتنفيذ. وتصبح اللغة السياسية، في هذه الحالة، وسيلة لتأكيد الهوية التنظيمية واستعادة الذاكرة النضالية، بدلًا من أن تكون أداة لتفسير الواقع واقتراح الحلول.
هنا تكمن إحدى المفارقات التي تستحق النقاش: قد ينجح الحزب في الحفاظ على تماسك خطابه الأيديولوجي، لكنه يخسر تدريجيًا القدرة على مخاطبة مجتمع تغيرت تركيبته الاجتماعية، وتبدلت أولوياته، وتعرضت مؤسساته التقليدية للتفكك.
وليس من الضروري أن يكون هذا التراجع نتيجة الانغلاق الفكري وحده؛ فقد أسهمت التحولات الاقتصادية والحروب وتراجع التنظيمات النقابية وتغير أنماط العمل السياسي في إعادة تشكيل المجال العام السوداني. لكن هذه العوامل لا تعفي الحزب من مراجعة علاقته بالواقع الجديد.
ثانيًا: راحة الموقف الصلب وكلفة القرار
في السياسة، ثمة فارق كبير بين إعلان الموقف واتخاذ القرار.
إعلان الموقف يتيح للحزب أن يؤكد مبادئه، ويحدد خصومه، ويحافظ على تماسك خطابه. أما اتخاذ القرار فيضعه أمام شبكة من المصالح المتعارضة والخيارات المكلفة، حيث لا تكون جميع البدائل مثالية، ولا يمكن تحقيق كل المطالب في وقت واحد.
فإدارة الدولة ليست امتدادًا لبيان سياسي، كما أن بناء نظام ديمقراطي لا يتحقق بمجرد إدانة الاستبداد.
إن الانتقال من المعارضة إلى المشاركة في إدارة الدولة يفرض على أي حزب الإجابة عن أسئلة عملية: كيف يعالج الانهيار الاقتصادي؟ كيف يعيد بناء الخدمة المدنية؟ كيف يحقق العدالة الاجتماعية من دون تدمير القاعدة الإنتاجية؟ كيف يتعامل مع التفاوت بين الأقاليم؟ وكيف يوازن بين متطلبات الانتقال الديمقراطي وضرورات السلام والاستقرار؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من المبادئ الأيديولوجية، بل تختبر قدرتها على إنتاج حلول في واقع ملموس.
وفي حالة الحزب الشيوعي السوداني، يمكن توجيه السؤال الآتي: إلى أي مدى نجح الحزب في تحويل مرجعيته الفكرية ومواقفه السياسية إلى برنامج متكامل للحكم، يحظى بقبول اجتماعي يتجاوز الدوائر التي تتبنى مرجعيته الأيديولوجية؟
لا تكفي الإجابة عن هذا السؤال بالإشارة إلى مواقفه الرافضة للأنظمة العسكرية أو إلى تاريخه النضالي. فهذه عناصر مهمة في تقييم تجربته، لكنها لا تغني عن فحص برامجه الاقتصادية والدستورية، وقدرته على بناء التحالفات، واستعداده لتقديم تنازلات سياسية محسوبة من أجل تحقيق أهداف مشتركة.
ثالثًا: فخ النقاء الأيديولوجي
تواجه الأحزاب العقائدية، بمختلف اتجاهاتها، إشكالية العلاقة بين نقاء الفكرة ومتطلبات الواقع.
فكلما ازداد تمسك الحزب بتفسير واحد للواقع، أصبح معرضًا لخطر التعامل مع التحولات الاجتماعية بوصفها انحرافًا عن النظرية، بدلًا من النظر إليها باعتبارها معطيات جديدة تستوجب المراجعة.
وقد يتحول الاختلاف السياسي، في مثل هذه البيئة، من خلاف حول الوسائل والأولويات إلى اختبار للولاء الفكري. وعندئذ تصبح التسوية السياسية موضع ريبة، والتحالف مع المختلف أيديولوجيًا تنازلًا غير مقبول، فيما يُنظر إلى المراجعة باعتبارها تراجعًا عن المبادئ.
لكن السياسة الديمقراطية تقوم، في جانب أساسي منها، على إدارة الاختلاف، لا على إلغائه.
ولا يعني ذلك أن على الحزب الشيوعي التخلي عن رؤيته الاشتراكية أو أن يتبنى مواقف خصومه. المطلوب هو التمييز بين المبادئ التي يريد الدفاع عنها، والوسائل التاريخية التي اعتاد استخدامها، والاستنتاجات التي ربما لم تعد ملائمة للتحولات الراهنة.
فالدفاع عن العدالة الاجتماعية، مثلًا، لا يتعارض مع تقديم برنامج اقتصادي مفصل يوضح مصادر التمويل، وأولويات الإنفاق، وسبل زيادة الإنتاج، ومعالجة الفقر والبطالة.
كما أن الدفاع عن حقوق العمال لا يكتمل باستعادة أمجاد الحركة النقابية، بل يتطلب فهمًا للتحولات التي أصابت سوق العمل، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وتغير طبيعة علاقات الإنتاج، وتراجع الأشكال التقليدية للتنظيم العمالي.
هنا يصبح السؤال عن التجديد الفكري سؤالًا عن القدرة على تحويل المبادئ إلى سياسات عامة، لا مجرد مراجعة للمصطلحات والشعارات.
رابعًا: من الحزب الطليعي إلى الحزب الوطني
تكمن إحدى المعضلات المحتملة في تجربة الأحزاب العقائدية في التوتر بين مفهوم الحزب الطليعي، الذي يرى في نفسه حاملًا للوعي السياسي الصحيح، ومفهوم الحزب الوطني الديمقراطي، الذي يعمل داخل مجتمع متنوع لا يحتكر أحد تفسير مصالحه.
فالمجتمع السوداني ليس كتلة طبقية متجانسة، ولا فضاءً سياسيًا يمكن اختزاله في صراع واحد. إنه مجتمع تتداخل فيه الطبقة مع الإقليم، والهوية الثقافية، والتاريخ المحلي، والعلاقات الأهلية، والتفاوت في فرص التعليم والتنمية، فضلًا عن آثار النزاعات المسلحة والتهميش التاريخي.
ومن ثم، فإن أي مشروع سياسي يطمح إلى بناء دولة ديمقراطية يحتاج إلى فهم هذه التعددية، وإلى تطوير أدوات تسمح بالتفاوض بين مصالحها المختلفة.
لا يكفي أن يعلن الحزب انحيازه إلى الطبقات العاملة أو الفئات المهمشة؛ بل عليه أن يوضح كيف يترجم هذا الانحياز إلى مؤسسات وقوانين وسياسات، وكيف يتعامل مع الفئات الاجتماعية التي لا تنضوي بسهولة تحت التصنيفات الطبقية التقليدية.
ومن هذه الزاوية، يصبح تجديد الحزب الشيوعي مسألة تتجاوز تغيير الخطاب الإعلامي أو تبديل بعض القيادات. إنها مسألة تتعلق بطبيعة التنظيم نفسه، وآليات اتخاذ القرار داخله، ومدى انفتاحه على النقد، وقدرته على استيعاب أجيال جديدة لا تربطها بالضرورة علاقة وجدانية بالتاريخ السياسي الذي شكل وعي الأجيال السابقة.
خامسًا: هل أصبح الحزب ناديًا سياسيًا مغلقًا؟
إن وصف الحزب بأنه «نادي الهواة الثوريين» يحمل حكمًا نقديًا حادًا، لكنه يطرح سؤالًا يستحق الاختبار: هل أصبحت المحافظة على الهوية النضالية، في بعض الممارسات، بديلًا عن توسيع النفوذ الاجتماعي وتطوير أدوات العمل السياسي؟
لا يمكن إثبات هذا الوصف بمجرد الاختلاف مع مواقف الحزب، كما لا يصح اختزال تاريخه أو مجمل نشاطه في صورة تنظيم معزول عن المجتمع. فالحزب يمتلك إرثًا سياسيًا ونقابيًا لا يمكن تجاهله، كما أن مواقفه من الأنظمة العسكرية ومن قضايا الحريات تستوجب التقييم في سياقها التاريخي والسياسي.
لكن الإرث التاريخي لا يعفي أي تنظيم من السؤال عن حاضره.
فما حجم حضوره الفعلي وسط الأجيال الجديدة؟ وما مدى ارتباطه بالتكوينات المهنية والنقابية الراهنة؟ وإلى أي حد تستطيع مواقفه السياسية أن تتحول إلى عمل جماهيري مستدام؟ وهل يملك آليات داخلية تسمح بمراجعة الخيارات حين تتغير الظروف، أم أن الخلافات الاستراتيجية تميل إلى إنتاج الانقسام والقطيعة؟
هذه أسئلة لا تجيب عنها البيانات السياسية وحدها، بل تحتاج إلى دراسة البنية التنظيمية، وأنماط العضوية، والعلاقات الاجتماعية، والحضور في النقابات والمبادرات المدنية، فضلًا عن تحليل مواقف الحزب من التحالفات والتسويات في مراحل التحول السياسي.
وإذا أظهرت هذه الدراسة اتساع الفجوة بين الخطاب والقاعدة الاجتماعية، فإن المشكلة لن تكون مجرد ضعف في الاتصال بالجمهور، بل قد تتعلق بخلل أعمق في العلاقة بين الفكرة والمجتمع.
سادسًا: الحرب السودانية واختبار السياسة الواقعية
تضع الحرب السودانية القوى السياسية أمام اختبار يتجاوز خلافاتها الأيديولوجية التقليدية.
ففي ظل انهيار مؤسسات الدولة، واتساع النزوح، وتدمير البنية الإنتاجية، وتراجع الخدمات، لم يعد السؤال مقتصرًا على هوية النظام السياسي المنشود، بل امتد إلى كيفية وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإعادة بناء المؤسسات، واستعادة المجال العام، ومنع إعادة إنتاج أسباب النزاع.
وفي مثل هذا السياق، لا تكفي المواقف المبدئية، على أهميتها، ما لم تقترن بتصورات عملية بشأن آليات تحقيقها.
ومن حق أي حزب أن يرفض التسويات التي يراها مهددة للتحول الديمقراطي، لكن من حق المجتمع أيضًا أن يسأله عن البدائل التي يقترحها، وعن كيفية تحويل رفضه إلى مسار سياسي قابل للتطبيق.
كما أن الانخراط في التسويات لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في ذاته؛ فقد تؤدي بعض التسويات إلى إعادة إنتاج السلطة القديمة أو تأجيل معالجة جذور الحرب. لذلك لا تتمثل المسألة في الاختيار الآلي بين الرفض والقبول، وإنما في القدرة على تقييم الخيارات وفق أهداف واضحة ومعايير قابلة للمساءلة.
وهنا يمكن قياس جدية أي مشروع سياسي من خلال تفاصيله: كيف يقترح حماية المدنيين؟ كيف يتعامل مع تعدد مراكز القوة المسلحة؟ ما تصوره للعدالة الانتقالية؟ كيف يمنع عودة الحكم العسكري؟ وما الضمانات التي يقترحها لبناء نظام مدني ديمقراطي لا يعيد إنتاج التهميش؟
إن الحزب الذي يطرح نفسه جزءًا من مشروع التغيير مطالب بأن يجعل هذه الأسئلة محورًا لعمله السياسي، لا أن يكتفي بإثبات صحة مواقفه التاريخية.
خاتمة: هل تستطيع الثورة أن تتعلم إدارة الدولة؟
لا تكمن المعضلة الأساسية في أن يكون الحزب ثوريًا أو إصلاحيًا، راديكاليًا أو معتدلًا؛ فهذه تصنيفات لا تحسم وحدها قيمة التجربة السياسية. المعضلة الحقيقية هي قدرة الحزب على التعلم من التاريخ، ومراجعة أدواته، وفهم التحولات الاجتماعية، وتحويل مبادئه إلى مؤسسات وبرامج وسياسات قابلة للاختبار والمحاسبة.
ويقدم الحزب الشيوعي السوداني، بهذا المعنى، حالة مناسبة لطرح سؤال أوسع عن العلاقة بين الأيديولوجيا والديمقراطية، وبين الذاكرة النضالية ومتطلبات الدولة الحديثة.
فهل يستطيع الحزب أن يحافظ على هويته الاشتراكية، وفي الوقت نفسه يتجاوز حدود التنظيم العقائدي إلى فضاء سياسي وطني أوسع؟ وهل يمكنه أن يتعامل مع الاختلاف بوصفه شرطًا للعمل الديمقراطي، لا تهديدًا لوحدة الموقف؟ وهل يملك الاستعداد لمراجعة أدواته من دون أن يرى في المراجعة إنكارًا لتاريخه؟
إن التحدي ليس أن يتخلى الحزب عن المعارضة، ولا أن يسارع إلى المشاركة في السلطة لمجرد إثبات قدرته على الحكم. التحدي هو أن يجعل معارضته منتجة لبدائل، ومواقفه قابلة للتحول إلى سياسات، وبرنامجه مفتوحًا للنقد والتطوير.
فالدولة ليست مكافأة تمنحها الثورة لمن صمد أطول في ميدان المعارضة، بل مسؤولية تتطلب المعرفة والكفاءة والقدرة على إدارة الاختلاف وتحمل نتائج القرارات.
أما الثورة التي لا تتعلم كيف تبني المؤسسات، فقد تنجح في إسقاط سلطة، لكنها لا تضمن وحدها بناء دولة مختلفة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه الحزب الشيوعي السوداني، كما يواجه سائر القوى السياسية: هل يريد أن يظل حارسًا لذاكرة النضال، أم أن يحوّل تلك الذاكرة إلى مشروع لبناء المستقبل؟





