في كتابه أم درمان عموم – دار أبوك. عن باركود سبتمبر – 2026

عبد الماجد عليش
يواصل سامي الصاوي طرح تساؤلاته الوجودية والإبداعية، وكان قد تساءل في أبريل 2021: لماذا درست القانون ابتداءً؟ ثم هجرت القانون إلى السينما، ثم هجرت السينما إلى التجارة؟ أسئلة ظلت تُلاحقني متعجبة أو مستنكرة، ولكن لا إجابة، لأنني ببساطة لا أعرف! بل ربما ليست ثمة أصلًا إجابة. ونسارع بالتوضيح بأن أسئلته لم تكن يومًا تعبر عن حيرة شخصية بقدر ما هي مدخل إلى إنتاج معرفة مغايرة لما هو سائد، متمردة على الساكن المألوف، ففتى البقعة المكسر في هواها، لا يُرهقه كمثل التكرار والاجترار.
أم درمان دار أبوك كتابة أدبية إبداعية مزجت بين أدب السيرة الذاتية وأدب المكان. ونُضيف: هو كتاب سياسي مقاوم، فدلالة العنوان وتوقيت الكتابة والنشر يبرزان كفعل مقاومة في مواجهة لحظة الحرب والانهيار والتشرد: حتمًا سينهض دار أبوك على أكتاف الشباب عما قريب ويطيحون بهم رممًا وأشلاء إلى عالمهم السفلي من حيث أتوا وحيث ينتمون ص 142
حيل الكاتب الفنية.. عين السينمائي وذاكرة الحكاء:
عين سامي هي كاميرا سينمائية تصور: نرى، نتجول، نتعرف. العين لا تكتفي برؤية الناس بل تنفذ إلى حكاياتهم وأسئلتهم الوجودية. نجده يصور أم درمان بعينيه، يحول شوارعها ووجوه ناسها إلى مشاهد نابضة كأنها لقطات من فيلم. مثلما تتحرك الكاميرا ما بين الماضي والحاضر تتناثر اللقطات، ثم بموهبة القصاص الحكاء نجد السيرة العائلية والشخصية. تتمهل الكاميرا عند شخصيات ارتبطت حيواتهم بالمدينة وكان بينهم وبين الكاتب مشتركات. ومنحهم صفة الفروسية: وفرسان أم درمان هم: عثمان وقيع الله فارس الحرف، عم بشرى فارس الحجر، خير السيد فارس الطواف، حسين شريف فارس اللون، هاشم صديق فارس القوافي، حنينة سيدة الرالي، د. علي الكوباني فارس اللا ممكن، منصور خالد فارس التمرد، محمد مصطفى فارس السينما، كمال الجزولي فارس العبارة، علي المك فارس الحكي، عمر خيري – جورج إدوار فارس الخيال، عم الطيب فارس الزمان… وغيرهم..، ومن خلال هذه الشخصيات وعبر الشوارع والأحياء تدفق نزيف الذات ذكريات، مداده وهو يكتب كان خالص دمه. ونلاحظ لجمل القصة القصيرة المكثفة ممزوجة بنفس المفارقة الساخر:
(جدتي.. قالت بعد أن هزت علبة السعوط هزتين ونقرتها بطرف إصبعها، ثم كورت كر صغيرة من السعوط ووضعتها بعناية فائقة في أقصى فمها.. وقالت ص60)
(هارد لك يا أستاذ صلحي وصحبك.. ما بتدي حريف)
(كلب أعرج اسمه معليش، راقد على صخرته فوق رأي.. شارعًا ما ليك فيهو عضمة… انساه…)

ومضافًا لهذا نجد الغرائبية:
(مما فتحنا في الزايلة دي، وخير السيد ياهو خير السيد، لا بكبر ولا بصغر، وما عرفنا ليهو بلدًا ولا ناس. ناس قالوا راجل صالح، ونساوين قالن معرس جنية مسلمة..)
ثم التساؤلات المُمضة عن الوجود والحضور والغياب في هذه التي تدور على حجر؟ الإجابة ليست وثوقية بقدر ما هي تأمل في محاولات اجتهدت في مواجهة مشقة الوجود. الشخصيات المُثقلة بسؤال المعنى هم من أهل القرطاس والقلم، والكاتب الذي يتواضع إخفاءً لذاته بينهم تجده يتأخرهم ويتقدمهم:
(أين؟ ولماذا؟ وكيف؟ أسئلة تتسابق في عقلي وتعصف بي ولا إجابة عندي.. ص 170.. لماذا سمحنا بهذا؟ قد تتساءل: كيف يحدث هذا؟ والآن نتساءل؟ تسألني أين الفيلم؟ فأقول لك لا أعلم ضاع أم ضيع عمدًا! لماذا صمتت كاميراتنا؟ أين السينمائيين؟
والفيلم كان اسمه دائرة على حجر، وكتب سامي السيناريو ونفذ الإخراج، وقام بالتصوير الهادي أحمد إبراهيم، ووضع الموسيقى صلاح حسن أحمد الموسيقي والروائي:
(على ضفة خور أبو عنجة من الناحية الشمالية في تقاطع شارع الموردة مع كبري أبو عنجة كانت هناك ورشة بسيطة شبه مخفية عن الأنظار لا يعرف بوجودها إلا من كان له شأن مع عم بشرى صاحب الورشة وساكنها منذ زمن سابق بعيد. كان ينحت الحجر الأصم ليخرج منه منحوتات لأغراض معينة، يضرب بمطرقته على الحجر ويحاور إزميله حواف الصخر لينحت منه حجر طاحونة منقوشًا كامل الاستدارة، وشاهد قبر كالبلور الصافي، وملاكًا مجنحًا يكاد يحلق زبائنه ثلاثة: أبونا مكرم قسيس كنيسة الشهيد مارجرجس ليأخذ منحوتات الملائكة المجنحة لقبور إخواننا المسيحيين، وود رزق الله التربي الذي يأخذ شواهد القبور إلى مقابر حمد النيل، والسر المبروك موزع حجارة الطواحين.. ص 56
قررنا أثناء جلسة سمر عمل سلسلة أفلام وثائقية عن أم درمان.. ورأينا أن نبدأ بورشة عم بشرى. وتسألني أين الفيلم؟ أقول لك: لا علم لي.. ضاع أو أضيع عمدًا ومعه مئات الأشرطة المسموعة والمرئية حينما ضاع السودان ليلة هبطت عليه من كهوف الشر وطواويط الظلام وكتائب الشيطان. ويظل عم بشرى حتى بعد ضياع الفيلم هو المشهد الذي لا يضيع.
واقعية أم درمان السحرية:
(كان خير السيد يبدأ طوافه الصباحي من غرفة طينية صغيرة خلف طاحونة الخواجة كلوبوس في حي العرب مارًا بزريبة العيش ثم ينعطف يسارًا في اتجاه الشرق عابرًا العرضة ثم حي اليهود فحي الشيخ دفع الله، ثم فريق الاسبتالية فالملازمين. ومنها يعرج على الشهداء ويواصل شمالًا قاطعًا خط التورماي عند ود أرو نحو الهجرة ثم ينعطف يسارًا على شارع الدومة وصولًا لحي العمدة فالمسالمة فحي العرب لينتهي حيث بدأ في تلك الغرفة الطينية التي لم يعرف سرها أحد… ص 59
شخصية خير السيد تتحول إلى حالة ما بين الحقيقة والوهم: هل كانت له أسرة؟ هذا إذا كان فعلًا يعيش هناك وليس في مكان آخر غير معلوم؟ الأهم هو طوافه على أحياء أم درمان محققًا وجودها، مُبلغًا رسالتها فالطواف عنده كان مودة تمشي.. وصل أهل مدينته أينما كانوا إسهامًا منه في ذلك التواصل الأم درماني المتفرد. يا أهل أم درمان خير السيد يناديكم أنتم في أمان ومدينتكم في أمان… تلك كانت رسالة خير السيد التي شكلت الشخصية الأم درمانية حسًا وحدسًا لغة وإشارة ومعنى هوية لا تتصادم مع الغير بل تحتويه وتحضنه حتى يصير منها وبها.
نلاحظ للمحبة الخاصة للرسام عمر خيري – جورج إدوار. والمشترك بينهما إضافة للإبداع كان هو إيمان أهل الفن اللامحدود بالحرية عمومًا وبالحرية الشخصية تحديدًا: كان حرًا كطائر أسطوري ألغى حدود الزمان والمكان وحلق بخياله أينما شاء وكيفما شاء، وحده يقرر ووحده يفعل. لا شك أن أم درمان قد أسهمت في بناء شخصيته الاستثنائية لكنه وبمفرده أضاف إليها الكثير حتى صار نسيج وحده. كان عمر يتطلع للسفر إلى أوروبا لينهل من منابع الفن هناك ولسبب أو لآخر انهار ذلك الحلم في لحظة مأساوية، اتخذ عمر قرارًا كان بمثابة نقطة تحول في حياته مبتدعًا أوربته الشخصية، متخذًا اسمًا أوروبيًا: جورج إدوارد. حمل أم درمان على أكف الخيال ووضعها في قلب روما، أواتي بأوروبا وأجلسها في وسط سوق أم درمان، أهي أم درمان الظاهر أم الباطن؟ أين أعماله ص73؟
وبنفس الحميمية كانت الكلمات عن فارس الكلام – الحكى على المك الموصوف بالمتمرد على التصنيفات الاجتماعي، على قوانين المجتمع التي يمنح بها بعض البشر قيمة أعلى من غيرهم. فعل المك لم يكن يفرق في علاقاته الاجتماعية بين الوزير والمكوجي، ولا بين العربيد والمتصوف، ولا بين الرجل والمرأة، ولا بين أهل اليسار وأهل اليمين ومن لا أهل له.
ضاع في سوق أم درمان:
في باطن كل كتابة تكمن كتابة أخرى، وفي لغة أم درمان – دار أبوك تكمن لغة خفية لا منطوق بها لكن درجة التلقي، ومقدار التفاعل مع الكتابة يكشفان الستر. وقد كتبنا هذا دعمًا لاستنتاج بأن سؤال الفقد والضياع هو انشغال قديم للكاتب، ويكتسب في سياق الحرب حضورًا أشد قوة إذ إن تميمته حذر الفقد والضياع – أم درمان- قد تعرضت للخراب وللضياع وللفقد. ضاع في سوق أم درمان، يحدثنا سامي: اسم فيلم كتبته قبيل كارثة الحرب بأيام، والأمر بالنسبة لي كان رحلة عودة إلى عالمين انقطعت عنهما زمنًا: عالم سوق أم درمان وعالم السينما. سيناريو الفيلم عن الأب الذي أفلت ابنه من يده وجرى فدهسته سيارة أمام ناظريه، وتعطلت ذاكرته إنكارًا لما حدث، ثم بدأت رحلة البحث عن المفقود في سوق أم درمان. ونستكمل اللقطة من جانبنا بأننا شاهدنا لحظتها، زول أم درماني متشبثًا بساعة جيب عريقة بحثًا عن الزمن المفقود، والبحث صنو الفقد ثيمة تأسيسية لدي سامي.
كتابة جمال محمد إبراهيم عن الكتاب تأتي ضمن كتابة الاسترضاء المشغولة بالاحتفاء الشخصي بالكاتب لا بالنص. جهد الكتاب كان مساءلة ذواتنا، وأن نستكشف ما نجهله عنها، وأن نحاكم خيباتنا ولتحديد كيف حدث كل هذا؟ ولماذا؟ وكيف نقاومه؟ وكان مبلغ جهد الإخوانيات تأكيد قربها من الكاتب، وتأكيد مكانتها في الوسط الثقافي.





