بناء السلام.. السلام يبنى في العقول ..نحو مستقبل أكثر استقرارًا للأجيال القادمة

   الهادي الشواف

“لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر .. ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام”

(ديباجة دستور منظمة اليونسكو)

البناء عملية معقدة خاصة إذا تعلق الأمر ببناء الانسان، وبناء المعاني والقيم، والبناء في أبسط تعريفاته هو عملية إنشاء وتشييد شيء ما، سواء كان مادياً ملموساً (كبناء منزل) أو معنوياً مجرداً (كبناء شخصية أو مجتمع)، وهو نشاط هادف ينطوي على التخطيط والتنظيم والتطوير لتحقيق نتيجة مفيدة ومستدامة، وهو عملية تسير بشكل موازي مع عملية التغيير في الدولة والمجتمع، ولكي نعبر من هجير الحرب ولهب العنف، إلى ضفاف ظلال السلام الأمن والاستقرار، نحتاج أن نعبر سلسة من العمليات المعقدة، التي تحتاج إلى مجهود كبير لمقاومة العواصف، ويتطلب ايضًا أعمال العقل لتجاوز المضبات، وهذه العواصف والمضبات الممانعة لعملية التغيير وإعادة البناء متوقعة، وبالتالي التعامل معها بحكمة وروية، وهناك اجراءات معقدة يجب الإنتباه لها وهي ضرورية لأي بلد ينشد العبور الأمن وسط أمواج هائجة من الصرعات، ويسعى لتحقيق استقرار وتأمين مرسى هادئ لمستقبل أجياله.  

بناء السلام المفهوم والأبعاد:

في عالم تتزايد فيه النزاعات وتتسع فيه الفجوات بين المجتمعات، يبرز مفهوم بناء السلام كضرورة ملحة لضمان مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة، لا يقتصر بناء السلام على إنهاء الحروب أو وقف إطلاق النار، بل يتعدى ذلك ليشمل معالجة الأسباب الجذرية للصراعات، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح، وتمكين المجتمعات من العيش المشترك في ظل احترام الحقوق والاختلافات، إن بناء السلام هو عملية شاملة تتطلب إرادة سياسية، ومشاركة مجتمعية، وتعاون دولي، من أجل إرساء دعائم الأمن والتنمية المستدامة.

بناء السلام هو عملية مستمرة تهدف إلى معالجة جذور النزاع وتعزيز التعايش السلمي، وقطع الطريق أمام تجدد العنف، لهذا يُعرّف بناء السلام بأنه مجموعة من العمليات والآليات التي تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات، وتعزيز التعايش السلمي بين الأفراد والمجتمعات، لا يقتصر هذا المفهوم على وقف العنف أو توقيع اتفاقيات السلام، بل يشمل أيضًا إعادة بناء الثقة، وتحقيق العدالة والمصالحة، فالعدالة الانتقالية تلعب دورًا محوريًا في إعادة الثقة بين المجتمعات المتنازعة، والمصالحة الوطنية تبدأ بالاعتراف بالأخطاء والانفتاح على الأخر، وتمكين الفئات المهمشة، فلا يمكن تحقيق سلام دائم دون معالجة الأسباب البنيوية والهيكلية للصراع، على مستوى الدولة والمجتمع، مثل الفقر والجهل والتخلف والتهميش والفساد والمحسوبية وغياب الدالة وعدم المساوة وغيرها، ويتطلب بناء السلام نهجًا شموليًا يدمج بين الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لضمان استقرار طويل الأمد.

أدوات واستراتيجيات بناء السلام:

تعتمد جهود بناء السلام على مجموعة من الأدوات والاستراتيجيات، من أبرزها الحوار المجتمعي، حيث يتطلب بناء السلام مشاركة مجتمعية فعالة، وحوارًا شاملًا بين جميع الاطراف أصحاب المصلحة، وكما يحتاج إلى اجراء مصالحة وطنية شاملة وعقد اجتماعي جديد، وكذلك برامج التعليم والتوعية يشكلان حجر الأساس في ترسيخ مفهوم وثقافة السلام، بالإضافة إلى دعم المؤسسات الديمقراطية وتعزيز سيادة القانون، كما تلعب المنظمات الدولية والمحلية دورًا محوريًا في دعم هذه الجهود، من خلال تقديم الدعم الفني والمالي، وتوفير منصات للتفاوض والتقارب بين الأطراف المتنازعة، ولا يمكن إغفال أهمية إشراك المرأة والشباب في عمليات السلام، باعتبارهم عناصر فاعلة في التغيير المجتمعي، أضف إلى ذلك أن التعاون الاقليمي والدولي ضروري لدعم مبادرات السلام المحلية، وكذلك التعاون والتشبيك مع المنظمات الدولية والمحلية، تسهم هذه الأدوات في خلق بيئة داعمة للسلام، وتمنع تجدد النزاعات من خلال بناء مؤسسات قوية ومجتمعات متماسكة.

البناء كمفهوم فكري ومعرفي:

والبناء كمفهوم فكري ومعرفي، يعتبر عملية تراكمية للمعرفة والفهم، بمعنى العمل على إجراء عملية تغيير في بنية الدولة والمجتمع والاشخاص، وتشمل بناء المعرفة حيث تتراكم المعلومات وتتكون الفكرة الكبرى من أفكار صغيرة، مثل بناء نظرية علمية، وبناء الشخصية من خلال تطوير القيم الأخلاق، والمبادئ لدى الفرد عبر التجارب والتربية والثقافة، بالإضافة إلى بناء المهارات، عن طريق تعلّم مهارة جديدة من خلال إتقان الأساسيات أولاً ثم التدرج إلى مستويات أعلى.

والبناء كمفهوم إجتماعي وتربوي يركز على تطوير الكيانات الاجتماعية والعلاقات، مثل بناء المجتمع، عبر إنشاء مؤسسات فعالة، ونظم تعليمية فعالة تلبي حاجيات المجتمع، وبناء وتأسيس وروابط اجتماعية قائمة على الثقة والتعاون المشترك، وبناء الأسرة من خلال تأسيس أسرة متماسكة قائمة على الحب والاحترام والمسؤولية المتبادلة، حتى نصل لأعلى مستوى وهو اعادة تأسيس وبناء الدولة، عن طريق تطوير مؤسسات الدولة المختلفة المدنية منها والأمنية، وتتويجًا بعملية إعادة بناء وصناعة دستور يعبر عن الجميع، وسن التشريعات والقوانين التي تنظم الحياة العامة.

والبناء كمفهوم نفسي يتجسد في بناء الذات أو بناء شخصية الفرد، هو عملية مستمرة لتطوير الذات وتحقيق الاستقرار والرفاهية النفسية، وهي عملية تمر من خلال بناء الثقة بالنفس، ومن ثم بناء القدرة على الصمود (المرونة النفسية)، ومن ثم بناء رؤية إيجابية للحياة مع وضوح الأهداف. 

وفي ذات السياق نجد أن هناك علاقة وطيدة بين البناء وعملية التغيير، فهي علاقة جوهرية ومتلازمة كما ذكرنا سابقًا، فعملية التغيير هي الحركة والتحول (قد تكون هدامًة أو محايدًة)، في حين نجد أن البناء هو حركة هادفة نحو الخلق والتطوير (وهو دائماً إيجابي في قصده)، بمعنى آخر، البناء هو شكل من أشكال التغيير الإيجابي والمدروس والمخطط له، مع القصدية والايجابية، ولا يمكن أن يحدث بناء حقيقي دون تغيير في الوضع القائم، وعندما نريد بناء منزل، فأننا نغير شكل قطعة الأرض من أرض فضاء إلى مسكن، عندما تريد بناء شخصيتك، فأنت تغير عاداتك وسلوكياتك وقيمك ومفاهيمك القديمة وتحل محلها عادات وسلوكيات وقيم ومفاهيم جديدة.

خلاصة القول هو أن عملية البناء هي تجسيد عملي للأمل والطموح والتطلعات، هو النقيض الفعلي للتدمير والخراب والهدم، بينما التغيير هو سمة الوجود، فإن البناء هو الخيار الواعي لتوجيه هذا التغيير نحو غاية نبيلة ومفيدة، سواء كانت لنا كأفراد أو لمجتمعاتنا أو للإنسانية جمعاء، والحياة نفسها هي عملية بناء مستمرة للمعارف، العلاقات، والإنجازات وغيرها.

ربط عملية البناء والتغيير ببناء السلام.. معالجة جذور الحرب:

هذا الربط بين مفهومين البناء والتغيير يمثل رؤية عميقة ومتكاملة لمعالجة أحد أكثر التحديات الإنسانية تعقيداً، وهي مسألة الحرب والعنف، فعملية التغيير تعد مدخل ضروري للانتقال بأي مجتمع من مرحل الحرب والجهل والتخلف، إلى فضاءات السلام والامن والعلم والمعرفة والوعي، فهذه العملية المعقدة تبدأ بتغيير العقلية، بحيث يتم تحويل التفكير من ثقافة الصراع إلى ثقافة السلام، وكذلك تغيير السرديات المتداولة والتي شكلت قناعات الاغلبية، من سرديات الضحية والعدو إلى سرديات التعايش المشترك، وعلاوة على ذلك يستجوب العملية تغيير النماذج والتصورات الذهنية، من نموذج “ربح – خسارة” إلى نموذج “ربح-ربح” أي الكل رابح. 

كما يجدر بناء ان نتوقف عند البناء كعملية استراتيجية، مرتبطة ببناء الثقة بين جميع الاطراف والمكونات، عبر تجسير هوة الشك بين الأطراف المتصارعة، وحتى نصل لمستوى بناء اللغة المشتركة، من خلال خلق مساحات حوار مشتركة وشفافة، ونتوج ذلك المجود بعملية بناء الهوية الجامعة، هوية تتسع للتنوع بدلاً من الهويات الإقصائية، هوية تكرز لمفهوم الوحدة في إطار التنوع لا الاختلاف والتنازع.

وعلى صعيد آخر وكما ذكرنا فيما سبق أن عملية التغيير وإعادة البناء تسيران معاً، وبشكل متوازي حتى يتم انجاز مشروع تفكيك عقلية الحرب (التغيير الجذري)، لصالح عقلية السلام والتعايش السلمي (إعادة البناء الفعال)، وهذا لا يتأتى الا بالاعتراف بالإنسانية المشتركة، والاقرار بأن الانسانية هي المعيار الوحيد التي يصطف حولها الجميع، الاشتغال على بث وتعزيز وعي مغاير، حتى نصل لمستوى رؤية “الأخر” كإنسان له آلامه وتطلعاته، وله حقوق وأشواق وآمال وطموحات مثلنا تمامًا، وايضًا الاشتغال على تفكيك الصور النمطية الموروثة، من خلال تحطيم الصور المسبقة التي تغذي الكراهية، وبناء صور جديدة تعزز الاخاء والتسامح وقبول الاخر المختلف، وايضًا تغيير الخطاب من خطاب الكراهية إلى خطاب المحبة، من خطاب التحريض إلى خطاب المصالحة.

وفي ذات المسار يجب الاشتغال على بناء عقلية السلام (البناء المتعمد)، التي تبدأ ببناء التعاطف، عبر تطوير القدرة على فهم مشاعر وآلام الطرف الآخر، ومن ثم بناء الرؤية المشتركة، بحيث نتصور مستقبل يعيش فيه الجميع بكرامة وأمان، وكذلك بناء آليات الحل السلمي الفعال، بابتكار وسائل أدوات للتعامل مع الخلافات دون عنف، أي تجذير مفاهيم وقيم الحوار في مقابل العنف، وليست انتهاءً بتعلم فن إدارة الخلاف، من خلال تطبيقات عملية في عقول المحاربين والمجتمع، الاشتغال على تغيير وتحويل الهوية من “مقاتل” إلى “صانع سلام”، من مدمر ومخرب إلى معمر ومصلح، وكذلك بناء وتمليك مهارات جديدة للحياة المدنية وإعادة الاندماج، الاشتغال على تحويل النظرة من نظرة انتقامية إلى نظرة تسامحيه، عبر بناء شبكات داعمة للتعايش السلمي والمشاريع المشتركة.

نعم لكي نصل لمعالجة جذرية لمسألة الحرب، يجب الاصرار على الربط ما بين عمليتي إعادة البناء والتغيير، لأن هذا الربط اذا ما أحسن تفعيله والاشتغال عليه بطريقة فعالة، يعمل على علاج المشكلة من جذورها النفسية والثقافية والاجتماعية، وليس فقط من أعراضها السياسية أو العسكرية، هذا الربط يعمل على تغيير البيئة الداخلية قبل الخارجية، يبني من الداخل من العمق إلى الخارج، من العقول إلى المؤسسات، يجمع بين التحول الشخصي والتغيير الهيكلي، وايضًا يعترف بأن السلام ليس غياب الحرب، بل وجود علاقات صحية وعادلة، وأسس للتعيش السلمي وآليات لإدارة الخلاف سلميًا.

صحيح هناك تحديات في مقابل عملية التغيير يجب التعامل معها ووضعها في الحسبان، مثل الرفض المتوقع لكل ما هو جديد والتمسك بالقديم، ومنها مقاومة البعض للتخلي عن الروايات التاريخية الراسخة، وكذلك خوف البعض من أن يكون التغيير تنازلاً أو ضعفاً، لكل من هذه التحديات ترياق ومضاد حيوي فعال، يجب اكتشافه واستخدامه كعلاج ناجع، وايضًا هناك تحديات في مقابل عملية إعادة البناء، منها أن العملية تحتاج إلى وقت طويل لبناء الثقة والمؤسسات، وبالإضافة إلى صعوبة بناء هياكل جديدة على أنقاض الصراع، وهذه تحديات حقيقة ولكن عمليتي إعادة البناء والتغيير تستحقان الجهد والصبر حتى تجاوز هذه التحديات جميعها، فقط نحتاج للإيمان والقناعة والاصرار والعزيمة والإرادة.

ربط عمليتي البناء والتغيير في عملية بناء السلام يمثل فلسفة متكاملة، كما بينا في السطور اعلاه، لان التغيير بدون إعادة بناء يبقى هشاً وقابلاً للانتكاس، والبناء بدون تغيير يكون سطحياً وغير جذري، فالسلام الحقيقي يتطلب ثورة داخلية (تغيير في العقول والقلوب) ومشروعاً بنائياً مستمراً (في العلاقات والمؤسسات)، وهذه العملية المتكاملة هي وحدها القادرة على تحويل دوامة العنف إلى حلقة فضلى من التعاون والازدهار المشترك، فقط هذه الرؤية تتطلب شجاعة وصبراً وعمل دؤوب، لكنها الاستثمار الوحيد الذي يضمن سلاماً مستداماً للأجيال القادمة.

السلام يبنى في العقول.. تأملات في هندسة الوعي الإنساني:

عبارة “السلام يُبنى في العقول” تحمل معنى عميق ومُلهم، وهي مستوحاة من ديباجة دستور منظمة اليونسكو التي تقول: “لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام”

دلالات العبارة، السلام الحقيقي يبدأ من الفكر، أي أن نشر ثقافة التسامح، الحوار، والتفاهم هو الأساس لمنع النزاعات، وبناء السلام يتطلب غرس قيم الإنسانية في العقول منذ الصغر، لان العقل أداة للتغيير الأولى في أي مجتمع، من خلال التفكير النقدي، يمكن تجاوز الكراهية والتعصب، ولكي نُرسّخ السلام في العقول لا بد من تعزيز التعليم القائم على تجذير مفاهيم المواطنة المتساوية دون تميز وسيادة حكم القانون وحرية التعبير واحترام حقوق الإنسان، العمل على نشر ثقافة الحوار بين الأديان المتعددة والثقافات المتنوعة، والأهم من هذا وذاك دعم الفنون والإبداع كوسيلة للتعبير السلمي، لان الفنون لديها القدرة في الحفر عميقا لبزر الوعي في العقول، فضلا عن مكافحة خطاب الكراهية والتضليل الإعلامي.

ففي عالمٍ تتنازعه الأهواء، وتتناسل فيه النزاعات كما تتكاثر الظلال عند الغروب، تبرز فكرة “السلام يُبنى في العقول” لا كشعارٍ عابر، بل كصرخة فلسفية تنبع من أعماق الوعي الإنساني، وتستدعي مراجعة جذرية لمفهوم السلام في حد ذاته، أهو غياب الحرب فحسب، أم هو حضورٌ كثيف للعدالة، للرحمة، وقبول الآخر؟، هل هو زيادة الحطب وصب الزيت “بل بس”، ام زيادة الوعي وصب الماء “لازم تقيف”؟، ما بين هذه الاسئلة وغيرها من الاسئلة الوجودية، يتوقف العقل برحة لحظ تأمل لعيد هندسة ذاته بشكل مختلف. 

مما لا شك فيه أن العقل هو ميدان المعركة الأول، وإن الحروب لا تنشأ من فراغ، بل تُصاغ في مختبرات الفكر، وتُغذّى بأيديولوجيات الإقصاء، وتُبرر بخطابات الكراهية والتحشيد والتحشيد المضاد، فالعقل، بما هو موطن الإدراك والتأويل، هو الساحة الأولى التي تُزرع فيها بذور العنف أو تُروى فيها زهور وورود السلم، ومن هنا، فإن بناء السلام لا يمكن أن يكون فعلًا خارجيًا فحسب، بل هو فعل داخلي، يبدأ من إعادة تشكيل البنية المعرفية والوجدانية للإنسان، بطريقة تحرره من اوهام النسخ والتصورات الجاهزة، إلى فضاءات الاتساق مع الواقع بكل تشكيلاته واطيافه وتنوعه.

غالبًا ما يُختزل السلام في اتفاقيات ومعاهدات، تُوقّعها الدول وتُباركها المؤسسات، غير أن هذا السلام، وإن كان ضروريًا، يظل هشًا ما لم يُدعّم بسلامٍ أعمق، سلامٍ وجودي، ينبع من تصالح الإنسان مع ذاته، ومع الآخر، ومع الكون، سلامٌ لا يُفرض بالقوة، بل يُنبت في التربة الخصبة للعقل المستنير، العقل المسلح بالعرفة والوعي، العقل النقدي والتحليلي الذي لا يؤمن بالتصورات الجاهزة، العقل الذي يبني معانيه بناء على تفاعلات الواقع المعاش، العقل الذي ينتج ذات مفكرة أولًا ثم محاورة ثانيًا ثم فاعلة ثالثًا، أي “فكر ثم ناقش ثم افعل”، ليكون الفعل سلام مستدام يسكت صوت البندقية ليرتفع صوت الحوار السلمي.

التعليم كفعل مقاومة.. وركيزة لبناء السلام:

إن بناء السلام في العقول لا يتم عبر الخطب الحماسية، ولا الهتافات السطحية والرنانة، بل عبر الاشتغال في بنية عقل اجيال المستقبل، من خلال التربية التي تعلّم الطفل كيف يُصغي، لا كيف يُقاطع؛ كيف يُجادل بالحجة، لا بالشتيمة؛ كيف يرى في الاختلاف ثراءً، لا تهديدًا، فالتعليم، حين يُفهم كتحرير للعقل لا كحشوٍ للمعلومات، والتعليم حين ينمي الذائقة النقدية، والتعليم حين يبني الذات المفكرة، يصبح أداة مقاومة ضد العنف، وضد التسلط، وضد التبسيط المخل الذي يُحوّل العالم إلى ثنائيات قاتلة، نحن/هم، خير/شر، أبيض/أسود، عرب/زرقة، غابة/صحراء.. الخ، في علم اليوم لا مكان للثنائيات، فهناك تداخل كبير بين الاشياء والمفاهيم، فالمفاهيم والمعرفة أصبحت موزعة لدي الجميع، كل حسب زاوية نظره الخاصة به ومستوى وعيه ومعرفته ينتج مفاهيمه ومعرفته الخاصة به والنابعة من بيئته، فهي في الواقع نسبية ومتدرجة كما الالوان، هذا التدرج والتنوع في الحقيقة هو مصدر ثراء الكون والانسانية، والتعليم في الأساس يجب ان ينشد الأنسنة لا الشيطنة.

في هذا السياق نجد أن التعليم يلعب دورًا جوهريًا في ترسيخ قيم السلام والتسامح داخل المجتمعات، فمن خلال المناهج التعليمية التي تعزز الحوار، وقبول الآخر، وحل النزاعات بطرق سلمية، يمكن غرس ثقافة السلام في عقول ونفوس الأجيال منذ الصغر، لنرث مستقبل بدون عنف أو تدمير، كما يسهم التعليم في تمكين الأفراد من التفكير النقدي، وفهم تعقيدات الصراعات، مما يجعلهم أكثر قدرة على المساهمة في بناء مجتمعات مستقرة وآمنة، ولا يقتصر دور التعليم على المدارس والجامعات، بل يشمل أيضًا برامج التوعية المجتمعية والتدريب المهني، والمراكز والمؤسسات الثقافية، من دور سينما ومسرح وموسيقى ومكتبات عامة، بالإضافة إلى توظيف الاندية والمراكز الشبابية ودور الرياضة، في توطين ثقافة السلام والتعايش المشترك.

السلام كعملية مستمرة.. نحو هندسة جديدة للوعي:

السلام ليس حالة نهائية نبلغها، بل هو سيرورة دائمة، تتطلب يقظة أخلاقية مستمرة، إنه مشروع مفتوح، لا يُنجز مرة واحدة، بل يُعاد بناؤه كل يوم، في تفاصيل الحياة اليومية، في المدارس والشوارع ودور العبادة والاسواق وغيرها، وكذلك في تعاملاتنا اليومية وفي طريقة حديثنا، في اختيار كلماتنا، في قدرتنا على التسامح، وفي شجاعتنا على الاعتذار، إن بناء السلام ليس مهمة سهلة أو قصيرة الأمد، بل هو مسار طويل يتطلب تضافر الجهود على كافة المستويات، من خلال تعزيز الحوار، وتحقيق العدالة، وتمكين المجتمعات عبر التعليم والتنمية، يمكننا أن نرسم ملامح عالم أكثر إنصافًا واستقرارًا، فكل خطوة نحو السلام هي استثمار في مستقبل الأجيال القادمة، وفرصة لتجاوز الانقسامات وبناء جسور من الثقة والتعاون، نعم إذا كانت الحروب تُصنع في العقول، فإن السلام لا بد أن يُصاغ هناك أيضًا، لا في القصور ولا في المؤتمرات، والتسويات السياسية بين النخب، بل في المدارس، في الكتب، في الأغاني، في الحوارات الصادقة، فالعقل، حين يتحرر من الخوف، ويستنير بالمعرفة، ويُروى بالحب، يتحول إلى ضوء، اشعاع، بؤرة وعي، يصبح أخصب أرضٍ تُزرع فيها بذور السلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى