حوار البرهان.. هل تدير جلساته الراجمات والمسيّرات؟

حيدر المكاشفي
أعلن الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن ترتيبات لإطلاق (حوار سياسي شامل) قال إنه يجمع السودانيين داخل البلاد للوصول إلى توافق وطني حول مستقبل السودان.
للوهلة الأولى، يبدو لمن يتلقى هذا الخبر أنه خطوة إيجابية يمكن أن تنقذ ما تبقى من البلاد التي أنهكتها الحرب والدمار والنزوح. لكن المشكلة ليست في مبادرة الحوار نفسها، بل المشكلة في صاحبها وتوقيتها وشروطها والواقع الذي يُفترض أن تُعقد فيه.
فالسؤال الأول والمهم جدًا الذي يفرض نفسه: كيف يمكن إجراء حوار سياسي شامل بينما الحرب ما تزال مشتعلة في أجزاء واسعة من البلاد؟ ففي معظم دول العالم يتوقف إطلاق النار أولًا ثم يبدأ الحوار. فالحوار بطبيعته يحتاج إلى بيئة آمنة، وحريات مكفولة، وإمكانية تنقل، وإعلام حر، وضمانات للمشاركين.
أما أن تتم الدعوة إلى طاولة حوار فيما ما تزال المدافع تتكلم والطائرات المسيّرة تحصد الأرواح، فذلك يشبه دعوة المراكبية الذين يتناولون طعامهم في عرض البحر ويلوحون لمن يقف في الشط أن يشاركهم الطعام، رغم استحالة تلبية هذه الدعوة.
ثم تأتي أزمة الثقة في البرهان، صاحب الدعوة نفسه، وهي الأزمة الأكبر، ومن حقهم أن يسألوا سؤالًا بسيطًا: أي نسخة من البرهان هي التي تدعو إلى الحوار؟ هل هو برهان 2019 الذي وعد بالانتقال المدني ونكص عن وعده، أم برهان 2021 الذي قرر أن أفضل طريقة لحماية الانتقال الديمقراطي هي الانقلاب عليه، أم هو برهان ما بعد الانقلاب الذي وقع الاتفاقات ثم دخل في خلافات حول الاتفاقات التي وقعها بنفسه، أم إنه برهان الحرب الذي أكد مرارًا أن الحسم العسكري هو الطريق الوحيد، أم هي نسخة جديدة ومنقحة للبرهان الجديد الذي اكتشف فجأة فضائل الحوار الوطني؟
إن أزمة البرهان ليست في جمع السودانيين حول طاولة واحدة، بل في إقناعهم بأنه لن يقلب عليهم الطاولة لاحقًا
والمفارقة هنا أن الرجل الذي أمضى ثلاث سنوات في إقناع السودانيين بأن المعارك الكبرى تُحسم بالقوة، إذا به يخبرهم فجأة اليوم بأن الحوار هو الطريق إلى المستقبل
فالبرهان ليس وسيطًا محايدًا بين أطراف متنازعة، بل هو أحد اللاعبين الأساسيين في المشهد الذي قاد البلاد إلى هذا الانسداد الكارثي
فخلال السنوات الثلاث الماضية امتلأت الساحة السودانية بالمبادرات والاتفاقات والوعود التي انتهت إلى لا شيء، أو جرى التراجع عنها عند أول منعطف. فعلى مدى هذه السنوات ظلت القوى السودانية، بما فيها السلطة نفسها، تنتقل بين جدة والرياض وأديس أبابا والمنامة والقاهرة والمنابر الدولية المختلفة
لذلك لا غرابة، بل من الطبيعي، أن تُقابل الدعوة الجديدة بقدر كبير من الشكوك والريبة
واللافت في الخطاب أن الدعوة ليست مفتوحة للجميع، بل مقيدة بشرط سياسي وأخلاقي فضفاض يتمثل في مشاركة من (لم تتلطخ أيديهم بدماء الشعب).
وهي عبارة تبدو جميلة من حيث المبدأ، لكنها تطرح سؤالًا بالغ الحساسية، وهنا يبرز سؤال محرج جدًا للبرهان: وهل سلمت يداك من دماء الشعب السوداني، على الأقل بحكم مسؤوليتك كرأس للدولة؟
ثم عندما تتحول شروط المشاركة إلى أداة للفرز السياسي، يصبح الحوار أقرب إلى تجمع للمتفقين سلفًا منه إلى منصة لحل الخلافات.
فالحوار الشامل، بحسب التعريف العالمي، هو الذي يجمع المختلفين، أما حوار البرهان المزمع فيبدو أقرب إلى جمع المتفقين أصلًا ثم إصدار بيان يؤكد أنهم متفقون.
وأما رفض نتائج المؤتمرات التي تُعقد خارج السودان، فهو موقف يبدو في ظاهره دفاعًا عن السيادة الوطنية، لكنه يتجاهل حقيقة أن المشكلة لم تكن يومًا في مكان انعقاد الحوار، بل في غياب الإرادة السياسية لإنجاحه.
والأكثر إثارة للسخرية أن الحديث عن (حوار شامل) يأتي مقرونًا بخطاب حربي يتحدث في الوقت نفسه عن مواصلة تطهير البلاد من التمرد.
فهل المطلوب إدارة معركة وحوار في الوقت ذاته؟ وهل يمكن للطرف الذي يخوض حربًا يسميها وجودية ضد خصمه أن يقنع الناس بأنه مستعد لحوار سياسي حقيقي يفضي إلى تنازلات متبادلة؟
الشاهد أن أيما حوار، إذا ما انعقد دون شموله استحقاقات الحوار، سيظل حوارًا منقوصًا ومبتورًا، ولن يحقق الهدف المرجو منه بطي الأزمة المستفحلة.
ولابد هنا من اعتراف البرهان بأنهم أدخلوا البلاد في محنة كبيرة في أن يكون لنا وطن معافى أو لا يكون، ولابد لهم كذلك من الاعتراف بأن حربهم التي أسموها زورًا (حرب الكرامة) لازمها الفشل الذريع، ولابد من إنهائها لاستعدال المسار المدني الديمقراطي مجددًا.
كما عليه أن يحدد بوضوح هدفه من الحوار، وهل يريد حوارًا بمن يحضر أم أنه يحتاج لحوار بمن يؤثر.
فلكي يكون الحوار منتجًا ومثمرًا، لابد أولًا أن يتم بين من يكون بينهم خلاف، وإذا ما تم بين المتوافقين سيكون حوارًا مع الذات ولن يكون مفيدًا لحل أزمة بتعقيدات الأزمة السودانية.
ولابد للحوار المنتج أيضًا أن يجري مع القوى الفاعلة والمؤثرة، وبغير ذلك لن يعطي النتيجة المرجوة منه.

فالحوار ليس غاية بحد ذاته، بل هو وسيلة لغاية أرقى وأسمى، وهي الوصول إلى حل الأزمة والخروج من هذا النفق المظلم.
وهنا يبرز سؤال عن مصير من لم يحضر الحوار وما الذي سيفعله، خاصة وأن القضية الأساسية الآن هي كيف يوقف العنف وكيف نمنع استمرار إراقة الدم السوداني.
فالصحيح أن يبدأ الحوار بناء على قناعة عدم جدوى الحرب والعنف والإيمان بالحل السياسي، فكيف والحال هذا أن ينعقد حوار في ظل العنف والقتل؟
فلا فائدة من مؤتمر حوار لا يصل إلى حل الأزمة ويرسم طريقًا واضحًا وواقعيًا للخروج منها، فالناس قد يتحملون خيبات الأمل لكنهم لن يتحملوا فقدان الأمل في حل الأزمة.
وبوضوح أكثر، يبقى الحوار الذي نحتاجه هو الحوار الذي يصنع الأمل، وليس الذي يقتل الأمل.
أما في النسخة البرهانية المبتكرة، فيبدو أن المطلوب هو الحوار بينما المدافع تتحدث والطائرات المسيّرة تفاوض والانفجارات تدير الجلسات الجانبية.
وفي ظل هذا الوضع الملتبس والمربك الذي سيجري فيه حوار البرهان المزمع، إذا قدر له أن ينعقد، سيثير مخاوف حقيقية من النهايات التي سيخلص إليها، وما إذا كان سيشكل حلًا حقيقيًا للأزمة المتطاولة، أم أنه سيزيد الأزمة تأزيمًا ويدخل البلاد في دوامة تجاذبات جديدة، وتظل الأزمة تراوح مكانها.
.





