الديماغوجية في السودان: حين تنتصر العاطفة على الفكرة

محمد عمر شمينا
من الصعب فهم المأزق السوداني المستمر عبر العقود دون التوقف عند ظاهرة الديماغوجية بوصفها أحد أكثر العوامل تأثيراً في تشكيل الوعي السياسي وإدارة الصراع العام. فالأزمات التي تعاقبت على السودان لم تكن نتيجة ضعف الموارد أو غياب الكفاءات وحدهما، بل ارتبطت أيضاً بطبيعة الخطاب الذي حكم المجال السياسي، وهو خطاب غالباً ما فضّل استثارة المشاعر على بناء الأفكار، وتعبئة الجماهير على تثقيفها، والشعارات الكبرى على البرامج الواقعية.
الديماغوجية ليست مجرد أسلوب في الحديث، بل هي طريقة في ممارسة السياسة تقوم على مخاطبة الانفعالات الجماعية بدلاً من مخاطبة العقل النقدي. وهي تزدهر عادة في المجتمعات التي تعاني من الأزمات الاقتصادية أو الاضطرابات الاجتماعية أو الانقسامات الثقافية، حيث يصبح الناس أكثر استعداداً لتصديق الوعود المطلقة والحلول السريعة. وفي هذا السياق، تبدو التجربة السودانية مثالاً غنياً لدراسة كيف يمكن للخطاب الديماغوجي أن يتحول من أداة تعبئة مؤقتة إلى نمط دائم في الحياة العامة.
منذ بدايات نشوء الدولة الوطنية السودانية ، لم يكن الصراع السياسي في السودان يدور دائماً حول البرامج الاقتصادية أو الرؤى المؤسسية، بل كثيراً ما تم تقديمه باعتباره صراعاً بين الخير والشر، أو بين الوطنية والخيانة، أو بين الشعب وأعدائه المفترضين. وبدلاً من مناقشة المشكلات المعقدة بلغة واقعية، جرى اختزالها في شعارات عاطفية قادرة على حشد التأييد السريع، لكنها عاجزة عن إنتاج حلول مستدامة.
تكمن خطورة الديماغوجية في أنها تمنح الجمهور أو الشعب شعوراً مؤقتاً باليقين. فهي تقدم تفسيراً بسيطاً لمشكلات معقدة، وتحدد عدواً واضحاً يمكن تحميله كل أسباب الفشل، وتعد بالخلاص الكامل بمجرد هزيمة ذلك العدو. غير أن الواقع الاجتماعي والسياسي وكذلك الاقتصادي أكثر تعقيداً من أن يُختزل في هذه الثنائية المريحة. ولذلك غالباً ما ينتهي الخطاب الديماغوجي إلى خيبة أمل جديدة، تفتح الباب أمام موجة ديماغوجية أخرى تحمل شعارات مختلفة لكنها تعتمد الآليات نفسها.
في السودان، لم تقتصر هذه الظاهرة على تيار سياسي بعينه، بل ظهرت بأشكال متعددة ومتناقضة أحياناً. فقد استخدمت النخب المركزية خطاباً ديماغوجياً لتبرير إحتكار السلطة بإسم الوحدة الوطنية أو حماية الدولة، كما استخدمت بعض الحركات المناهضة للمركز خطاباً ديماغوجياً مضاداً يقوم على تصوير كل مشكلات البلاد باعتبارها نتاج مؤامرة تاريخية لفئة محددة ذات أصول عربية ضد بقية السودانيين. وبين الخطابين ضاعت المسافة الضرورية التي تسمح بفهم الواقع كما هو، لا كما تقتضيه الحاجة إلى التعبئة السياسية.
واللافت أن الديماغوجية السودانية كثيراً ما استندت إلى عناصر الهوية العرق والجهة الثقافة والدين، واخيراً التاريخ. فبدلاً من التعامل مع هذه العناصر باعتبارها مكونات طبيعية لمجتمع متنوع، جرى تحويلها إلى أدوات للصراع السياسي. وهكذا أصبح التاريخ ساحة للاتهام المتبادل أكثر من كونه مجالاً للفهم، وأصبحت الهوية وسيلة للحشد أكثر من كونها إطاراً للتعايش.
إن أحد أهم آثار الديماغوجية هو إضعاف الثقافة النقدية. فالخطاب الديماغوجي لا يحتاج إلى مواطن يفكر، بل إلى جمهور يصفق. وهو لا يشجع طرح الأسئلة الصعبة، بل ينظر إليها باعتبارها نوعاً من التشكيك أو الخيانة. لذلك تميل المجتمعات التي تهيمن عليها الديماغوجية إلى فقدان القدرة على مراجعة أخطائها، لأن كل طرف يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الكاملة وأن الفشل سببه الآخر دائماً.
ولعل هذا ما يفسر استمرار كثير من الأزمات السودانية رغم تغير الحكومات والأنظمة والشعارات. فحين تتغير الوجوه بينما تبقى طريقة التفكير نفسها، يصبح التغيير شكلياً أكثر منه جوهرياً. إن المشكلة ليست فقط فيمن يحكم، بل أيضاً في الكيفية التي يُفهم بها الحكم والسياسة والمجتمع.
ولا يعني نقد الديماغوجية الدعوة إلى إلغاء العاطفة من المجال العام. فالعاطفة جزء أساسي من السياسة ومن أي مشروع جماعي. لكن الفرق كبير بين عاطفة تدعم فكرة عقلانية، وعاطفة تحل محل الفكرة نفسها. فالأولى يمكن أن تكون قوة بناء، أما الثانية فتتحول غالباً إلى أداة استقطاب وانقسام.

إن الخروج من الحلقة الديماغوجية يتطلب إعادة الاعتبار للفكر السياسي الجاد، وللنقاش العام القائم على الوقائع لا على الأساطير السياسية والروايات الشعبية. كما يتطلب قبول حقيقة بسيطة لكنها شديدة الأهمية لا توجد جماعة بريئة بالكامل ولا جماعة مذنبة بالكامل، ولا توجد أزمة وطنية يمكن تفسيرها بسبب واحد أو حلها بشعار واحد.
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لهيمنة الخطابات التي تَعِد أكثر مما تستطيع أن تنجز، وتفسر أكثر مما تستطيع أن تثبت. وربما تكون الخطوة الأولى نحو مستقبل مختلف هي الانتقال من سياسة تعتمد على إثارة الجماهير والشعوب إلى سياسة تعتمد على إقناع المواطنين نفسهم، ومن البحث عن أعداء دائمين إلى البحث عن حلول دائمة.
غير أن تجاوز الديماغوجية لا يتحقق بمجرد إدانتها أخلاقياً، بل ببناء بديل فكري ومؤسسي يجعلها أقل جاذبية وأقل قدرة على التأثير. ويبدأ ذلك بإحياء ثقافة السؤال والنقد، وربط الشرعية السياسية بالإنجاز لا بالشعارات، وتعزيز التعليم الذي يُنمّي التفكير التحليلي بدلاً من التلقين، وفتح المجال العام أمام النقاش الحر القائم على الوقائع لا على التعبئة العاطفية. كما أن بناء مؤسسات قوية ومحايدة يظل الضمانة الأهم، لأن الديماغوجية تزدهر حيث تضعف المؤسسات ويغيب الاحتكام إلى القواعد. فكلما أصبحت السياسات قابلة للقياس والمحاسبة، تراجع تأثير الخطابات التي تعيش على الوعود المطلقة والخصومات الرمزية. إن المجتمعات لا تتحرر من الديماغوجية عندما تجد القائد المثالي، بل عندما تبني نظاماً يجعل الحقيقة والنتائج أهم من الشعارات والأشخاص.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجهه السودانيون جميعاً هل تكمن أزمتنا الحقيقية في الأشخاص والتيارات التي تعاقبت على السلطة، أم في الثقافة السياسية التي جعلت الديماغوجية أكثر جاذبية من الحقيقة، والشعار أكثر نفوذاً من الفكرة؟ وهل يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح ما لم يتحرر الوعي العام من إغراء التبسيط المخلّ، ومن الميل إلى البحث عن منقذٍ فرد أو خصمٍ أبدي؟ أم أن الطريق إلى دولة مستقرة وعادلة يبدأ أولاً بالاعتراف بأن الأزمات المعقدة لا تُحل بالشعارات، وأن بناء الأوطان يحتاج إلى مواطنين يفكرون بقدر ما يحتاج إلى قادة يحكمون.؟





