بعيدا عن السياسة….قريبا من المسرح…

كتب: شمس الدين يونس
عدت سادتي… إلى الخرطوم…كان العام 1995… ، بعد خمس سنوات من الغربة في اليمن، … لم أكن أعرف أن حدثاصغيرًا سيغيّر مسار حياتي….
كنت أظن…يا سادتي…وليس كل الظن إثم… أنني عدت إلى مكاني الطبيعي؛ إلى المسرح… ، إلى الأصدقاء… ، إلى بيت الثقافة…. حيث استقبلني…صديقي عادل الباز… ،وإلى تلك الأيام المزدحمة بالأحلام والاجتماعات …و التجمعات الثقافية…، لكن صديقي… خدين الروح… أبو القاسم قور… كان يرى ما لا أراه….فظل ملحاحا…وظللت متنازعا…بين قور ..و الباز …كان يأتي كل صباح في ذات الميعاد… ، يطالعني بابتسامته المعهودة قائلا:
– المعهد يحتاجك يا صحبي.
وبفعل إلحاحه الجميل التحقت مساعدا للتدريس بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح… إذ … عدت سادتي…عودتي الثانية… إلى قاعات الدرس… التي أحببتها، وإلى رائحة الخشب العتيق … والستائر السوداء … وأصوات الطلبة وهم يطاردون أحلامهم على خشبة المسرح….
وفي ذات صباح … بدأ كل شئ عاديًا تمامًا… ، حضور قور الصباحي…واجتماع التحرير مع عادل الباز…هذا الاجتماع الذي احضره علي مضض…تركت الاجتماع في ذلك الصباح … و رافقت قور إلى جامعة الخرطوم…. كان منشغلًا بإجراءات تخص دراسته العليا… ، بينما كنت أتأمل المباني من حولي، … بلا هدف واضح… وقفنا عند نافذة تطل على الشارع…الذي كان يضج بحركة طلاب الجامعة…. وقع بصري..علي المبنى المقابلً.للدراسات العليا…. عليه لافتة كتب عليها: ” كلية الاداب… قسم الآثار”…
ظللت أحدق فيها للحظات… شيء ما شدني…نحو تلك اللافتة…ربما اهتمامي بعلم الآثار…لا أعرف لماذا شعرت أنها تناديني…. التفتُّ إلى قور وقلت :
– ماذا لو درست هناك؟…
لم يضحك كما توقعت.
لم يقل إن الأمر مستحيل….
بل أجاب فورًا:
– ولم لا؟ …. هيا بنا.
عبرنا الطريق كأننا نستجيب لدعوة خفية….
عند باب القسم كانت سيدة ترتدي ثوبًا أبيض ناصعًا توشك على المغادرة… كانت تمسك بمفتاح وتغلق باب مكتبها بقفل أصفر لامع ” يسر الناظرين ” خطف انتباهي دون سبب.
ألقيت عليها السلام.
توقفت للحظة….
نظرت نحوي.
قلت بلا مقدمات:
– أريد أن أدرس عندكم.
سألتني:
– من أنت؟
– شمس الدين يونس…
من المعهد العالي للموسيقى والمسرح….
بدأ لي الأمر انها في عجلة من أمرها…
قالت ، … وهي تهم بالمغادرة:
– أحضر أوراقك وسننظر في الأمر.
ثم اختفت في الطريق…لم يعلق قور علي الموقف.. قلت لنفسي …: بهذه البساطة….
لا استمارات طويلة…
لا مقابلات معقدة…
لا أسئلة مربكة….
مجرد باب وقفل أصفر وموعد آخر….
و عدت..سادتي إلى بيت الثقافة…. و اجتماع تحرير مجلة “سنابل” … لم ينتهي بعد…همس في اذني ابو ادريس
— أين كنت … الأستاذ سأل عنك كثيرا…
‘- ذهبت الي جامعة الخرطوم …وفي خضم الاجتماع .. ومهام العمل، ظل قسم الآثار يطاردني كفكرة غامضة…. وبعد ان انفض الاجتماع…جمعت أوراقي كلها: الشهادات، وكشف الدرجات، ونسخة من بحث التخرج الذي كنت قد كتبته عن طقوس التتويج وعلاقتها بالممارسة المسرحية….عدت بها الي قسم الآثار… سلمتها…للسكرتاريا… وانصرفت.
ثم بدأت أيام الانتظار.
بعد أسبوع عدت…سادتي…للقسم..
كان المبنى هادئًا….
الممر خاليًا…. لا أحد بالقسم..
وباب السيدة مغلقًا “بالقفل الأصفر “نفسه…
لكن شيئًا جديدًا… لفت انتباهي.. كانت هناك ورقة معلقًة علي الباب… اخذني الفضول…ورقة صغيرة.
اقتربت…
رأيت اسمي مكتوبًا بخط واضح.
تسارعت دقات قلبي.
قرأت:
“الأخ شمس الدين يونس… مبروك. تم قبولك بقسم الآثار.”…التوقيع انتصار صغيرون…
أعدت القراءة مرة.
ثم أخرى…
كأنني غير مصدق.
كيف حدث هذا؟…
لاحقًا فقط عرفت ما جرى خلف الأبواب المغلقة….
كانت هناك معركة فكرية حقيقية دارت في اجتماع كلية الاداب…
كيف يقبل دارسي المسرح في قسم الاثار …” تمكنا من اقناع الاجتماع بأن علم الاثار من العلوم المتداخله يقبل دارسين من تخصصات مختلفة كالطب و الهندسة و العلوم و الفنون…” هكذا قالت انتصار صغيرون الزين واردفت ” اضطررنا لتغيير لائحه القبول بالقسم…” فقدمت نموذجا للانفتاح العقلي و الفكري …
-عليك بالاجتهاد وإثبات جدارتك بالدراسه…ستدرس مجموعة من الكورسات من السنة الاولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة…لمدة عام دراسي وأن تتحصل على تقدير جيد جدا علي الاقل…حتي يتم تسجيلك للماجستير …دلفت للدراسة و تحمل الباز عب تغيبي عن اجتماعات التحرير …لأنني أمضي صباحاتي في جامعة الخرطوم و أعود للصحيفة بعد العاشرة…انخرطت في الدراسة و العمل الميداني و انا تتلبسني فكرة ان صناعة الطقوس قائمة علي فكرة تمرير الايدولوجيا القائمة علي تأسيس الحكم الثيوقراطي باعتبار ان تولي السلطة يتم بمباركة الاله … وسبحان الله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا…
انجزت رساله ماجستير برؤيه جديده حول علم الاثار المسرحي…من حينها اصبحت الدراما بالنسبة الي…منهجية للتفكير و ليست فعلا للتهريج وكيف تفضح الافعال دونما تعبير لفظي…ويا للدهشه…و يا لها من تصورات تتسربل حياتنا بطقوس ممجوجة و مفضوحة…وان المسرح و الطقس كلا
هما … بوصفهما فنا…يجعلاننا نري ما كان و ماهو كائن …وما يمكن أن يكون عليه عالمنا….
… ولعل أكثر ما تعلمته من تلك الرحلة…سادتي … أن السياسة نفسها ليست بعيدة عن عالم الطقوس… فبينما يظن الناس أن السلطة تُدار بالقرارات والخطب وحدها، تكشف…. التجربة أن جزءًا كبيرًا منها…. يُصنع عبر الرموز والإشارات والمواكب والاحتفالات وصور الزعماء وأشكال الظهور العام…. فلكل سلطة طقوسها التي تمنحها الهيبة،… ولكل طقس رسالته الخفية التي تسعى إلى إنتاج القبول أو الإذعان أو الانتماء…..
لهذا لم تعد السياسة بالنسبة لي مجرد…. صراع على الحكم، بل أصبحت أيضًا صراعًا على المعنى…. ولم تعد الطقوس مجرد موروثات ثقافية أو دينية،… بل آليات اجتماعية تعيد إنتاج تصورات الناس عن العالم … وعن أنفسهم وعن أصحاب السلطة فيه…. ومن هنا تتجلى العلاقة العميقة بين سياسة الطقوس… وطقوس السياسة؛ فالأولى تمنح الشرعية للسلطة…، والثانية تمنح السلطة شكلها المرئي القابل للتداول والتصديق…..
وربما لهذا السبب ظل المسرح، في جوهره العميق، قريبًا من السياسة وقريبًا من الطقس في آن واحد…. فظللنا جميعًا ننشغل بالسؤال ذاته: كيف يمكن لفكرة أن تتحول إلى صورة…، والصورة أن تتحول إلى إيمان، والإيمان أن يتحول إلى فعل يغير حياة الناس؟ ذلك هو السؤال الذي ما زلت أطارد آثاره بين خشبة المسرح… وطبقات التاريخ وذاكرة المجتمعات….
ونلتقي…





