أجراس نيالا
هناك لحظات في عمر الدول لا تبدو كبيرة عند وقوعها، لكنها حين تُقرأ بعد سنوات تُكتشف بوصفها لحظات فاصلة. لا تُعلن فيها نهاية مرحلة ولا تُرفع فيها رايات جديدة، لكنها تكشف أن شيئاً عميقاً تغيّر تحت السطح، وأن ما كان يبدو مؤقتاً بدأ يتحول إلى واقع مستقر.
في السودان، ربما نكون الآن أمام واحدة من تلك اللحظات.
لم يعد المشهد مجرد حرب طويلة، ولا مجرد تنازع سياسي على السلطة بين أطراف متنافسة، بل بدأ يأخذ شكلاً أكثر تعقيداً وخطورة: تعدد مراكز القرار، وتعدد أدوات الحكم، وتعدد تعريف الدولة نفسها.
حين تصبح هناك منظومتان مصرفيتان، ومسارات نقدية مختلفة، وأجهزة إدارية تعمل وفق مرجعيات متباينة، فإن الأمر لا يعود متعلقاً فقط بمن يسيطر عسكرياً على الأرض، بل بمن يملك القدرة على تنظيم حياة الناس اليومية؛ من يدفع الرواتب، من يدير المدارس، من يحدد قيمة العملة، ومن يمنح الناس الإحساس بأن الغد يمكن توقعه.
الدول لا تُقاس فقط بعدد الجنود ولا بمساحة الأراضي التي تسيطر عليها، وإنما بقدرتها على جعل ملايين البشر يعيشون دون معاناة.
ولهذا لم يكن المشهد الذي ظهر فيه محمد حمدان دقلو في نيالا وهو يرفع الجرس إيذاناً ببدء الامتحانات مجرد حدث إداري أو بروتوكولي. الجرس في ظاهره إشارة لبدء امتحان، لكنه في معناه السياسي يحمل شيئاً آخر: إعلان أن هناك سلطة ترى نفسها قادرة على تنظيم العام الدراسي، وإدارة المؤسسات، وضبط الإيقاع العام للحياة.
في كل التجارب المشابهة، تبدأ السلطات الجديدة أولاً بإثبات قدرتها على تقديم ما تقدمه الدولة: الأمن، والتعليم، والخدمات، والمال، قبل أن تفكر لاحقاً في الأسماء والشعارات والخرائط.
لذلك فإن قراءة هذه الإشارات باعتبارها مجرد تفاصيل جانبية قد تكون نوعاً من الإنكار السياسي.
لكن في المقابل، من الخطأ أيضاً التعامل معها باعتبارها إعلاناً نهائياً للانفصال.
ما يحدث أخطر من ذلك.
الانفصال السياسي في صورته التقليدية يحدث عندما تقرر قيادة ما إعلان دولة جديدة. أما ما يحدث في البلدان المنهكة بالحروب فهو أن الناس أنفسهم يبدأون، تدريجياً، في إعادة ترتيب حياتهم حول مراكز القوة الجديدة. التاجر يتعامل مع السوق الأقرب، الطالب يتبع المؤسسة التعليمية الموجودة، الموظف يبحث عمن يدفع راتبه، والمواطن يبحث عمن يوفر له الحد الأدنى من الأمان.
ومع الوقت، تصبح السلطة الواقعية أكثر حضوراً من السلطة القانونية.
وهنا يصبح السؤال المؤجل دائماً أكثر إلحاحاً: ثم ماذا بعد؟
إذا استقر غرب السودان تحت نفوذ آل دقلو، هل يملك هذا النفوذ القدرة على التحول من سلطة حرب إلى دولة؟ وهل بناء النفوذ العسكري يكفي لبناء نظام سياسي قابل للاستمرار؟
وفي الجهة الأخرى، إذا استقر الشمال والوسط تحت السلطة القائمة، فهل يملك هذا المركز تصوراً مختلفاً للدولة، أم أنه سيعيد إنتاج النموذج نفسه الذي أوصل البلاد إلى هذا المآل؟
السودان دفع ثمناً باهظاً عبر عقود طويلة بسبب فكرة المركز الواحد الذي يحتكر القرار والثروة والهوية. لكن الخطر الآن ليس فقط استمرار المركز القديم، وإنما ظهور مراكز جديدة تحمل الأدوات نفسها بأسماء مختلفة.
لأن المشكلة ليست في من يحكم فقط، وإنما في طريقة الحكم.
التجارب التاريخية تقول إن الدول الخارجة من الحروب أمامها ثلاثة مسارات: إما عقد سياسي جديد يعيد تعريف الدولة على أساس المشاركة والعدالة، أو سلطة منتصرة تفرض استقراراً هشاً بالقوة، أو تفكك طويل تتحول فيه البلاد إلى مناطق نفوذ متجاورة.
ولا يبدو حتى الآن أن أي مشروع سوداني جامع قد تبلور بصورة مقنعة.
المقلق أكثر أن اللغة السياسية نفسها بدأت تتغير. قبل سنوات كان الحديث يدور حول الانتقال الديمقراطي، والإصلاح، وبناء الدولة. اليوم صار الحديث عن مناطق السيطرة، والمنافذ، والعملات، والتحالفات الإقليمية، ومساحات النفوذ.
وهذا التحول في اللغة ليس تفصيلاً.
عندما تتغير اللغة، تتغير معها المخيلة السياسية للناس.
حين يبدأ المواطن في السؤال: «في أي منطقة أعيش؟» بدلاً من «في أي دولة أعيش؟»، تكون الأزمة قد تجاوزت السياسة إلى إعادة تشكيل الوعي.
ولا يحتاج هذا التحول إلى إعلان رسمي أو احتفال كبير.
يكفي أن يعتاد الناس على واقع جديد؛ أن يكبر الأطفال وهم لا يعرفون إلا سلطتهم المحلية، أن يذهب الطلاب إلى امتحانات تنظمها مؤسسات مختلفة، أن يتحرك المال عبر قنوات منفصلة، أن تصبح فكرة السودان الواحد موضوعاً للنقاش لا حقيقة بديهية.
ولهذا، فالأجراس التي قُرعت في نيالا ليست قضية امتحانات، وليست حدثاً إعلامياً عابراً.
إنها تذكير بأن سؤال السودان لم يعد: من سينتصر في الحرب؟
بل: أي بلد سيخرج من تحت أنقاضها؟
وهل ما يزال ممكناً إنتاج وطن يتسع للجميع، أم أن الجميع ــ دون إعلان ــ بدأ بالفعل في بناء أوطانه الصغيرة داخل الوطن الكبير؟