معالم في طريق المدنية: لماذا يجب التمييز بين إصلاح الجيش وإصلاح الشرطة؟

عصام الدين عباس
ضابط شرطة متقاعد

تواصل القوى المدنية السودانية نضالها من أجل بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على سيادة حكم القانون، واحترام الحقوق والحريات، والتداول السلمي للسلطة عبر المؤسسات الدستورية. غير أن هذا المسار واجه، ولا يزال يواجه، تحديات كبيرة ومتعددة، لعل أبرزها طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، والدور الذي لعبه الجيش السوداني تاريخيا في الحياة العامة، الأمر الذي جعل مسألة بناء الدولة المدنية مرتبطة بصورة وثيقة بإصلاح هذه العلاقة وإعادة تنظيمها على أسس دستورية ومهنية واضحة.

ومن هذا المنطلق، انخرطت القوى المدنية خلال السنوات الماضية في جهود فكرية وسياسية تهدف إلى تطوير رؤى متكاملة لإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية، بما يضمن خضوعها للسلطة المدنية، والتزامها بالمهام التي يحددها الدستور والقانون.

غير أن النقاش الدائر حول إصلاح القطاع الأمني والعسكري يحتاج أولا إلى قدر أكبر من الدقة المفاهيمية. إذ جرت العادة على التعامل مع الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية باعتبارها كتلة واحدة تحت مسمى “القطاع الأمني والعسكري”، بينما تختلف طبيعة هذه المؤسسات واختصاصاتها ووظائفها اختلافا جوهريا.

فالجيش مؤسسة وطنية واحدة ذات طبيعة عسكرية، تتمثل مهمتها الأساسية في حماية الدولة والدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها والتصدي للتهديدات الخارجية، وتخضع في أدائها لمبادئ التنظيم والانضباط العسكري. أما الشرطة فهي مؤسسة مدنية لإنفاذ القانون وحماية الأمن العام وخدمة المواطنين، وتعمل في إطار مثلث العدالة إلى جانب القضاء والنيابة العامة. أدى إرث الأنظمة السلطوية المتعاقبة في السودان إلى طغيان الطابع العسكري على عمل الشرطة في بعض المراحل، الأمر الذي أسهم في إضعاف دورها المدني الطبيعي وتداخلت وظيفتها كثيرا من وظيفة مؤسسة الجيش خاصة خلال حقبة الانقاذ التي احالت بعض وحدات الشرطة الي قوات عسكرية قتالية عالية التاهيل وباسلحة نوعية شملت المدرعات وقاذفات الصواريخ والمدفعية.

لا جدال ان مسارات الإصلاح المطلوبة لكل من الجيش والشرطة ليست متطابقة. فإصلاح الجيش يركز على قضايا الاحترافية العسكرية، والعقيدة القتالية، والحياد السياسي، ووحدة القيادة، والخضوع التام للسلطة المدنية. أما إصلاح الشرطة فيرتبط بتطوير مؤسسات إنفاذ القانون، وتعزيز استقلاليتها المهنية، وترسيخ مبادئ الخدمة العامة وحماية الحقوق والحريات، ضمن إطار أوسع لإصلاح مؤسسات العدالة المدنية.

لذلك، فإن من الضروري التمييز بين هذين المسارين وعدم الخلط بينهما. فإصلاح الجيش ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه عملية فنية ومؤسسية متخصصة تستهدف بناء مؤسسة عسكرية مهنية وقومية ومحايدة سياسيا، بينما يندرج إصلاح الشرطة ضمن مشروع أشمل لإصلاح مؤسسات الدولة المدنية، وفي مقدمتها منظومة العدالة وسيادة القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى