النفّاج في التراث السوداني،، باب الجيرة الذي لم يُغلق

يوسف الغوث

على شاطئ التاريخ وفي ضفاف المحبة حيث تتلاطم أمواج الذاكرة بأحلى معاني الألفة،،، وفي عمق الحلة السودانية القديمة، حيث بيوت الطين تتنفس دفء الجيرة وتتسامر جدرانها الطينية أُنس المحبة،، كان هناك باب صغير لا يتجاوز ارتفاعه المتر وعرضه نصف المتر، ذلك هو النفاج، والنفّاج ليس مجرد فتحة في جدار بل هو فلسفة كاملة في العلاقات الإنسانية، إعلان صامت بأن الجار ليس غريباً، وأن الجدار للخصوصية لا للعزلة. فهو ذلك الباب الصغير أو الفتحة المستدقة في الجدار الفاصل بين منازل الجيران المتلاصقة، المصنوع غالباً من خشب السدر أو الطين، فهو رمز معماري واجتماعي فريد يعكس قيم التكافل والأمان والبساطة التي تميز المجتمع السوداني التقليدي وخصوصيته….

تتجلى الأهمية الاجتماعية للنفّاج في وظائفه المتعددة التي تبدأ بتسهيل التواصل اليومي بين الجيران، فيسمح للعائلات المتجاورة بتبادل الأغراض والزيارات دون الحاجة للخروج إلى الشارع الرئيسي. وقد أُطلق عليه السكان اسم باب الحريم لأن النساء كن الأكثر استخداماً له في الزيارات الصباحية وجلسات القهوة ومواساة بعضهن، فيحفظ لهن خصوصيتهن ويوفر عليهن عناء ارتداء ملابس الخروج. لا تقتصر أهمية النفاج على التواصل العادي بل تمتد للتكافل والنجدة وفي حالات الطوارئ كالمرض أو الحرائق أو الولادات، حيث يُستخدم كمنفذ سريع لنجدة الجيران دون إضاعة الوقت.

بهذا المعنى كان النفاج ضميراً معمارياً يذكر الجميع بأن الحياة الجماعية تقوم على التعاضد لا التباعد.

لم يقتصر حضور النفاج على الواقع المادي بل تغلغل في اللغة والأمثال، فأشهرها: «ما تدخل لي بالنفّاج، تعال بالباب» أي لا تراوغ وكن مباشراً. والنفّاج نعمة والباب كرامة وفتح النفاج سهل وسده يقطع الظهر. هذه الأمثال تحول النفاج إلى قاموس من المعاني المجازية المستخدمة يومياً في الخطاب السوداني…

شهدت مؤخراً فترات النزاع المسلح في السودان تحولاً دراماتيكياً في وظيفة النفاج، حيث قام السكان بهدم أجزاء من الجدران لصناعة ممرات آمنة للتنقل بعيداً عن القناصة والقصف، فتحولت النفّاجات إلى ممرات إنسانية للهرب وممرات للجنود. بل تطور الأمر إلى النفاج التحتي حيث حُفرت أنفاق تحت الجدران. أطلق السكان على التجمعات المتصلة عبر هذه النفّاجات اسم حي النفاج الواحد،، وهكذا انتقل النفاج من باب للقهوة إلى ممر للحياة والموت، لكنه ظل أميناً لوظيفته في ربط الناس في الأوقات الصعبة…

يتفرد النفاج السوداني عن مفاهيم مشابهة في الثقافات الأخرى، ففي مصر يوجد ما يسمى الخوخة بين حجرتي منزل واحد، وفي اليمن توجد الطاقة للتهوية وتمرير الأطباق، وفي الحجاز السمكة وهي عبارة عن فتحة فوق الجدار للرؤية، بينما النفاج مصمم لمرور إنسان كامل بين ملكين متجاورين، مما يجعله مؤسسة اجتماعية فريدة تعكس خصوصية المجتمع السوداني الذي يقدس الجيرة كعلاقة شبه عائلية.

مع دخول الحداثة، تراجع النفاج التقليدي في المدن لأسباب كثيرة منها تغير المباني وتحولها من مباني الطين إلى الخرسانة، والاهتمام المتزايد بالخصوصية، وتغير طبيعة حياة النساء بخروجهن للعمل مما قلل الجلسات الصباحية… لكن النفاج بقي حياً في الذاكرة السودانية، وقد ظهرت محاولات رمزية لإحياء روحه مثل النفاج الإلكتروني عبر مجموعات الواتساب للجيران، وإعادة بناء نماذجه في المتاحف، وظهوره كرمز في الفنون التشكيلية والدراما…

لم يغب النفاج عن الأدب والفن، فقد ذكره الطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال» وتغنى به محمد وردي في أغنية «حلتنا فيها نفاج والبخل فيها عار»، كما استخدم في المسرح السوداني كعنصر كوميدي، وكتب عنه الشعراء قصائد تغزلوا فيها بروحه، مما يؤكد أنه أصبح أسطورة ثقافية حية رغم اندثاره المادي.

كان بناء النفاج يخضع لعادات وطقوس تعكس قدسيته، فلا يُفتح دون استئذان الجار وموافقته الصريحة وبحضور عمودية الحلة، وكانت تصاحبه وليمة بسيطة كتوثيق رسمي للشراكة. وبعد الانتهاء كانوا يتباركون به ويمرون منه وهم يرددون: اللهم اجعله باب رحمة لا باب شؤم،، وكان هناك تفاهم على حدود استخدامه فلا يُستخدم ليلاً إلا للضرورة ولا يدخل منه الرجال إلا بإذن خاص.

لقد ساهم النفاج في تشكيل الهوية المجتمعية السودانية، فخلق علاقات جوارية فريدة، وعزز دور المرأة بمساحة خاصة للتواصل، ونشر ثقافة التكافل العملي. ومع زواله فقد المجتمع جزءاً من منظومة القيم التي نظمت العلاقات، وحل محلها أسمنت بارد وعزل اجتماعي جعل الكثيرين يحنون إلى زمن النفاج…

النفاج لم يكن مجرد باب صغير بل فلسفة حياة تجسد أسمى معاني التكافل والأمان بين الجيران، ورغم تراجعه في المدن وتحوله في الحرب إلى ممرات نجاة، إلا أنه بقي حياً في الذاكرة والأمثال والأغاني. ولعل إحياء روحه بشكل معاصر يناسب العصر، سواء بالوسائل الرقمية أو التصاميم المعمارية الحديثة التي تراعي التواصل بين الجيران، فهو فرصة لاستعادة جزء من دفء العلاقات الإنسانية، فالنفاج في النهاية رسالة خالدة بأن الجدار قد يفصل المساكن لكنه لا ينبغي أبداً أن يفصل القلوب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى