سيرة وطن مندثرة

قلم: يوسف الغوث

الكمونية، تلك الأكلة التي تعبق برائحة التراب والذاكرة، هي عند السودانيين أكثر من مجرد طبق يُقدم على المائدة، فهي هوية وموروث وطقسٌ من طقوس الألفة التي لا تعرف التصنع. فالكرشة والمصران والأمعاء الداخلية للخروف أو البقر ليست مجرد قطعٍ من الأحشاء تُلقى في القدر، بل هي تحفة طهوية لا يجيد فنها إلا من تعب وتعلم من الأمهات والجدات كيف يحولون هذا المهمل إلى كنزٍ من النكهات الترابية الجريئة.

تبدأ عملية التحضير بتنظيفها وتنقيتها من الشوائب بدقةٍ متناهية، ثم تُسلق في قدر كبير لتأخذ تلك النكهة التي لا تُقاوم. بعد أن تتم عملية تنظيفها توضع في قدرٍ عميق مع كميات وفيرة من الكمون الحب والثوم المدقوق والفلفل الحار الأحمر والأسود والملح والبهارات المشكلة، ومن ثم تُترك على نار هادئة لساعات طويلة حتى تتشرب كل تلك النكهات، وتصبح المرقة كثيفة وحمراء اللون، يتصاعد منها بخار عطري يملأ البيت بأكمله، فتحس وكأن المطبخ يبتهج لهذا العرس.

وهذه الأكلة التي كانت في الماضي القريب أكلة الفقراء والمتعبين، وطبقًا يوميًا يُقدم دون تكلف، كانت الكرشة تباع في الأسواق بثمن بخس لا يكاد يُذكر، أما الأحشاء الداخلية فقد كانت تُوزع دون حساب.

وقد كانت الأسر السودانية في القرى والأحياء الشعبية تتسابق لشرائها، لأنها وجبة دسمة ومشبعة وبأقل التكاليف. كانت رائحة الكمونية تفوح في الشوارع والأزقة كل صباح إيذانًا بحلول وجبة الإفطار، وكان الجيران يتجاورون بها ويهدي بعضهم بعضًا، فلا يمر بيت دون أن يشم رائحة جاره، وهذه المشاركة الاجتماعية جعلت من الكمونية طقسًا جماعيًا لا يأكله أحد بمفرده أبدًا.

ولكن تلك الروح الجميلة هي ما غابت عنا اليوم مع غلاء الأسعار الجنوني الذي التهم كل شيء، وبسبب الحرب التي دمرت كل مقومات الحياة في السودان، وانهيار العملة المحلية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى مستويات خيالية.

لقد أصبحت الكمونية اليوم بمثابة سلعة نادرة لا يصل إليها إلا الأغنياء، فالكرشة التي كانت تساوي قروشًا باتت تساوي أضعاف كيلو اللحم البقري نفسه، والأحشاء الداخلية أصبحت تباع بسعر فلكي، وكأن الأسواق تتلاعب بحنين الناس.

ومع هذا الغلاء الفاحش والجشع الذي استشرى، ما زال السودانيون يتزاحمون على شرائها ويتنافسون عليها، لأن طعمها في الفم يعلو على كل المنطق الحسابي، وكأنها صارت رمزًا للعز والكرم، وكأن من يستطيع اليوم أن يأكلها أو يدعو إليها هو سيد معترف به في مجتمعه.

إن هذا التحول العجيب جعل الكمونية تمر بمرحلة جديدة تمامًا، حيث تحولت من أكلة الفقراء إلى أكلة الأغنياء، وأصبحت تُقدم في الولائم الكبرى والمناسبات السعيدة كدليلٍ على الجود والقدرة على مواجهة الغلاء، وكأن الحرب قد قلبت المعادلة رأسًا على عقب، فما كان زهيدًا صار ثمينًا، وما كان متاحًا للجميع صار محصورًا في أيدٍ قليلة.

والناس اليوم حين يتذكرون أيام الرخاء يتنهدون بحسرةٍ على تلك الموائد التي كانت تمتلئ بأطباق الكمونية دون حساب، وحين يمرون على محلات الجزارة ويرون الأسعار الفلكية لا يملكون إلا أن يرفعوا أكفهم بالدعاء أن تعود الأيام كما كانت، وكأن أحلامهم أصبحت تصطدم بواقعٍ مريرٍ فُرض عليهم بالقوة، حيث أصبحت المعيشة كفاحًا يوميًا لا يترك للشخص مساحةً للتمتع.

ورغم كل هذا الألم الاقتصادي، يبقى السوداني متعلقًا بكمونيته وكأنها آخر حصنٍ من حصون هويته، فلكل أسرة سودانية طريقتها السرية في تحضير الكمونية، فكل أمٍ لها وصفتها الخاصة التي تناقلتها عن أمها وجدتها، وتلك الوصفات تورث كالكنوز ولا تباع.

وحين يأتي الضيف العزيز على قلبهم، لا يجدون أكرم له من أن يقدموا له طبقًا من الكمونية الفواحة، مع الخبز البلدي الساخن، فيجلسون حوله ويأكلون بطيب خاطر وكأنهم يعانقون تراب الوطن، ولعل تلك اللحظة هي أجمل ما في الأكلة، حيث الأيدي المتشابكة، والحديث المتدفق، والضحكات التي تعلو فوق هموم الحياة، والطعم الخرافي الذي يحتاج إلى مضغٍ متعب أو بذل مجهود، وكأن كل لقمة تُخرج من أعماقها قصة وحكاية.

فالمضغ البطيء يحرر كل النكهات المخبأة داخل الأمعاء، ويخلق تجربة حسية طويلة لا تضاهيها نعومة اللحم العادي، وكأن الأكلة كلها تدعوك للتأني والاستمتاع بدلًا من الاندفاع.

وبعد أن تفرغ من أكل الكمونية وتشعر بلهيب الفلفل والكمون يملأ صدرك ومعدتك، لا تجد أمامك إلا شيئًا واحدًا يروي ظمأ البهارات ويطفئ حرارتها الثقيلة في جوفك.

هنا يأتي دور العسلية، ذلك المشروب السوداني الشعبي الأصيل الذي لا يعرفه إلا من عاش في ربوع السودان وتذوق طقوسه. فالعسلية هي مشروب تقليدي بامتياز يُصنع من الذرة البيضاء أو الذرة الرفيعة التي تُنقع في الماء وتُترك لتتخمر بشكل طبيعي لعدة أيام في أوعية فخارية، حتى تكتسب تلك الحموضة الخفيفة والنكهة القوية المميزة التي تختلف من بيتٍ لآخر حسب مهارة الصانع ومدة التخمير.

تُشرب العسلية باردة، وهي أخف من المريسة بكثير، والغرض من شربها ليس التحلية بل الهضم والتهدئة، فهي في الثقافة السودانية رمز للكرم والعافية، وتُشرب في أكواب صغيرة بعد الوجبات الدسمة، خاصة الكمونية، وكأنها تنهي الطقس بطريقةٍ سلسة، وتريح المعدة من ثقل اللحوم والبهارات، فهي تعادل الحموضة وتزيد من إنتاج كريات الدم الحمراء، وتترك خلفها إحساسًا بالارتياح والاكتفاء.

ولها في الموروث السوداني مكانة عظيمة، حيث كانت الأسر تحضرها في البيوت وتخزنها في الجرار الفخارية لتكون جاهزة طوال الوقت، وكثيرًا ما تُقدم للضيوف كبادرة ترحيب وتكريم، لا سيما في المناسبات الاجتماعية والأعياد والأفراح، وتعتبر جزءًا لا يتجزأ من مائدة الكرم السودانية.

وحين يشربها الضيف يشعر بأنه دخل في عمق الثقافة السودانية، وأن مضيفه لم يبخل عليه بشيءٍ من عاداته الأصيلة. فارتباط العسلية بالكمونية ليس ارتباطًا عابرًا، بل هو ارتباط وجداني وحسي، لأن الكمونية بكل ثقلها وحرارتها تحتاج إلى هذا المشروب البارد الخفيف الذي يعمل كالمبرد للجهاز الهضمي.

وكثير من كبار السن في السودان يؤكدون أن الكمونية دون عسلية ليست كمونية، وأن العسلية دون كمونية تفقد قيمتها، وكأنهما توأمان روحيان لا يفترقان، وكأن الحياة السودانية نفسها تعتمد على هذا الثنائي العجيب الذي يجمع بين النار والعطش والبرد والارتواء.

لكن هذه المتعة المزدوجة التي كانت بالأمس القريب متاحة للجميع وبأبخس الأثمان، أصبحت اليوم بعيدة المنال بسبب الحرب التي أشعلت أسعار كل شيء، فقد أخبرني محدثي بأن جك العسلية قد تجاوزت قيمته أكثر من عشرة آلاف جنيه، ولا يتم صناعتها إلا بشكل مسبق وخصيصًا، وذلك بفعل ارتفاع نفقات تحضيرها، فالذرة نفسها، التي هي المادة الأساسية للعسلية، ارتفع سعرها بشكل جنوني، وكثير من الأسر لم تعد قادرة على تحضيرها، بل اكتفت بذكريات طعمها القديم، فباتت العسلية تُشرب في المناسبات النادرة جدًا.

فكما تحولت الكمونية إلى أكلة الأغنياء، تحولت العسلية إلى مشروب الحنين والذكريات، وأصبح السودانيون حين يتسامرون في ليالي الشتاء الباردة، لا يتحدثون عن السياسة ولا عن الحرب، بل يتحدثون عن طعم الكمونية التي مضت، وعن حلاوة العسلية التي غابت، وكأن الغلاء لم يسرق منهم الطعام فقط، بل سرق منهم طقوسهم وهوية مجالسهم.

لقد أصبحت تلك الموائد التي كانت تعج بالأطباق والأكواب مجرد صورٍ في ذاكرة الجيل القديم، يسردونها لأبنائهم وكأنها أساطير من زمنٍ ولى.

ورغم كل هذا الألم والحسرة، يبقى الأمل في قلوب السودانيين أن تنتهي هذه الحرب الغاشمة، وتعود الحياة إلى طبيعتها، وتعود الكمونية إلى الأسواق بأسعارها المتواضعة، وتعود العسلية إلى الجرار الفخارية، حتى يعودوا إلى طقوسهم الجميلة، ويأكلون ويشربون وكأن شيئًا لم يكن.

إن ذاكرة الطعام لم تغب أبدًا في قلوب وأذهان السودانيين، لأن الكمونية والعسلية في النهاية ليسا مجرد طعام وشراب، بل هما ذاكرة حية لوطنٍ لا يموت، وإرث ثقافي ينتظر أن يعود كما كان، عطرًا في المطبخ، وبهجة على المائدة، وحضنًا دافئًا لكل سوداني اشتاق إلى بيته وإلى أرضه وإلى طعم أيامه الأولى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى