سودان الحرب.. الجمهورية التي يحكمها الفقر

الزين عثمان
في الحروب، لا تكذب الأرقام، لكنها كثيراً ما تعجز عن رواية الحكاية كاملة. فهي ترصد حجم المأساة، لكنها لا تسمع أنين الجائع، ولا ترى وجوه الذين خسروا بيوتهم وأعمالهم وأحلامهم دفعة واحدة. وفي السودان، تبدو الأرقام الصادرة عن المؤسسات الرسمية والدولية مجرد عناوين أولية لمأساة تجاوزت قدرة الإحصاءات على احتوائها.
قبل أن تمتد نيران الحرب إلى معظم أنحاء البلاد، كشف مسح رسمي للفقر متعدد الأبعاد أُجري خلال عام 2023 عن صورة مقلقة. فقد بلغت نسبة انتشار الفقر 82.8%، بما يعني أن ثمانية من كل عشرة سودانيين كانوا يعانون أشكالاً متعددة من الحرمان، فيما بلغت شدة الفقر 53.3%، أي أن الفرد الفقير كان يعاني، في المتوسط، أكثر من نصف أوجه الحرمان الممكنة. ولم يكن مستغرباً أن يتصدر الحرمان من الخدمات الصحية المشهد بنسبة بلغت 97.3%، في مؤشر يعكس هشاشة البنية الأساسية حتى قبل أن تطلق الحرب رصاصتها الأولى.
وأظهر المسح تفاوتاً جغرافياً في توزيع الفقر، إذ سجلت ولاية وسط دارفور أعلى معدلاته، بينما بدت ولاية الخرطوم الأقل تأثراً آنذاك. كانت الخرطوم يومها لا تزال عاصمة البلاد السياسية والاقتصادية، ومركز النشاط الحكومي والتجاري، ولم تكن قد تحولت بعد إلى واحدة من أكبر ساحات القتال والنزوح والدمار.
لكن تلك النتائج، التي بدت قاتمة في حينها، أصبحت اليوم أقرب إلى وثيقة تاريخية تؤرخ لسودان لم يعد قائماً. فالحرب التي اندلعت في العام نفسه غيّرت كل شيء؛ لم تبدل خرائط السيطرة العسكرية فحسب، بل أعادت رسم الخريطة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد بأكملها. ملايين الأشخاص الذين شملهم ذلك المسح أصبح بعضهم في عداد القتلى، وآخرون موزعون بين مخيمات النزوح واللجوء، بينما فقدت أسر كاملة مساكنها ومصادر دخلها، لتغدو المقارنة بين ما قبل الحرب وما بعدها أشبه بالمقارنة بين بلدين مختلفين.
ولذلك، فإن قراءة نتائج مسح الفقر لعام 2023 بمعزل عن الحرب لم تعد كافية لفهم حجم الكارثة الراهنة. فالخرطوم، التي وُصفت يوماً بأنها الأقل انتشاراً للفقر، أصبحت اليوم مدينة أنهكتها الحرب، ودفعت سكانها إلى البحث عن الماء والغذاء والدواء قبل البحث عن أي مؤشر اقتصادي. المدينة التي خرج أهلها يوماً احتجاجاً على السلطة، قد لا يجد كثير منهم اليوم القدرة حتى على الاحتجاج على واقعهم الجديد.
وتكشف تقديرات البنك الدولي حجم هذا الانهيار بصورة أكثر وضوحاً. فقد ارتفعت نسبة السودانيين الذين يعيشون في الفقر المدقع إلى نحو 71% في عام 2024، مقارنة بـ 33% في عام 2022، أي قبل اندلاع الحرب. وخلال عامين فقط تضاعفت دائرة الفقر المدقع، ليجد أكثر من ثلثي السودانيين أنفسهم عاجزين عن توفير الحد الأدنى من احتياجات الحياة.
ولا تبدو الصورة أكثر إشراقاً عند النظر إلى الفقر بمفهومه العام. فالتقديرات تشير إلى ارتفاع معدله من نحو 48% في عام 2023 إلى 59% بحلول عام 2025، في ظل اقتصاد يتهاوى تحت وطأة الحرب، وأسواق فقدت قدرتها على الحركة، ومصانع أغلقت أبوابها، واستثمارات تبخرت، وملايين الأسر التي فقدت مصادر رزقها بين ليلة وضحاها.
ولم يكن ذلك بمعزل عن الانهيار الاقتصادي الأشمل. فقد انكمش الاقتصاد السوداني بنسبة 29.4% خلال عام 2023، ثم واصل تراجعه بانكماش إضافي بلغ 14% في عام 2024، بينما هبطت الإيرادات العامة للدولة إلى أقل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي بعد أن كانت تقارب 10% قبل الحرب، وهو تراجع قلّص قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية وبرامج الحماية الاجتماعية في الوقت الذي تضاعفت فيه الاحتياجات الإنسانية.
وفي موازاة ذلك، تستمر الضغوط التضخمية في تقويض ما تبقى من القوة الشرائية للأسر. فقد أعلن الجهاز المركزي للإحصاء ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 51.28% خلال يونيو، مقارنة بـ 44.50% في مايو، فيما سجلت المناطق الحضرية معدل تضخم بلغ 51.81%، مقابل 51.06% في المناطق الريفية. ويعتمد الجهاز في احتساب التضخم على سلة تضم 663 سلعة وخدمة، وتشير بياناته إلى أن السودانيين ينفقون 52.89% من دخولهم على الأغذية والمشروبات، و14.17% على السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود، بينما تستحوذ تكاليف النقل على 8.34% من إجمالي الإنفاق، وهي مؤشرات تكشف أن الجزء الأكبر من دخل الأسر يذهب لتأمين ضرورات الحياة، لا لتحسين مستواها المعيشي.
ومع ذلك، تبقى الأرقام أقل قسوة من الواقع نفسه. فالمشي في شوارع الخرطوم، أو في مدن سودانية أخرى، يكشف وجهاً للفقر لا ترصده الجداول الإحصائية. هناك، تقف “التكايا” شاهداً على آلاف الأسر التي باتت تعتمد على وجبة مجانية لتواصل يومها. وفي الأسواق، تبدو القدرة الشرائية وقد تقلصت إلى الحد الأدنى، بينما أصبح من المألوف في وسائل النقل العام أن تُحصَّل الأجرة قبل تحرك الحافلة، خشية أن يعجز الراكب عن دفعها عند الوصول.
غير أن المشهد كله يمكن اختزاله في شهادة موظفة بوزارة التربية والتعليم، تتقاضى راتباً شهرياً لا يتجاوز 32 ألف جنيه، وهو مبلغ يقل عن ثمن كيلوغرام واحد من لحم الأبقار في الأسواق. تقول، وهي تنظر إلى دفتر راتبها: “الفقر لا يحتاج إلى مسح ميداني ولا إلى جداول وأرقام… في السودان اليوم، الواقع هو الذي يمسح الجميع.”
ربما تكون هذه الجملة أكثر دقة من آلاف الأرقام. فحين يصبح راتب موظف حكومي أقل من ثمن كيلوغرام من اللحم، وحين تتحول موائد الخير إلى مصدر الغذاء الرئيسي لآلاف الأسر، فإن الفقر لا يعود مؤشراً اقتصادياً، بل يصبح هوية مؤقتة لبلد أنهكته الحرب، وأعادت كتابة تفاصيل حياته بلغة الحرمان.
.





