حرب أبريل القادمة

د. أحمد حسن الفانابي
“جيش واحد.. شعب واحد”.. عبارة تتردد كلما ظهر الفريق أول عبد الفتاح البرهان بين المواطنين، في سوق أو شارع، أو وهو يحتسي القهوة مع “ستات الشاي”. لكنها، مع مرور الوقت، فقدت كثيرًا من بريقها، لأن الواقع السوداني بات أكثر تعقيدًا من أن تختصره عبارة واحدة. فالشعب الذي أنهكته الحرب لم يعد موحدًا كما كان، والجيش لم يعد وحده حامل السلاح.
منذ عام 2019، أخذت القبلية والجهوية تتقدمان إلى واجهة المشهد السياسي بصورة غير مسبوقة. أصبح زعماء القبائل يتصدرون المنابر الإعلامية بعد أن كان حضورهم يقتصر على مجالس الصلح ورتق النسيج الاجتماعي. ولم يكن ذلك تحولًا عفويًا، بل نتيجة طبيعية لسنوات من توظيف الانتماءات القبلية الضيقة في الصراع على السلطة، حتى أصبحت القبيلة، في كثير من الأحيان، مدخلًا إلى النفوذ والثروة أكثر من كونها رابطة اجتماعية.
وفي الضفة الأخرى من المشهد، دفعت الدولة ثمنًا باهظًا لسياسة تعدد مراكز القوة المسلحة. فقد خرجت قوات الدعم السريع من رحم الدولة، ثم تحولت إلى أخطر خصومها، لتنزلق البلاد في 15 أبريل 2023 إلى حرب لم تترك بيتًا إلا وطرقته بالحزن، ولا مدينة إلا وتركت فيها أثرًا من الدمار والنزوح.
كان من المفترض أن تكون تلك التجربة درسًا أخيرًا، لكن المؤشرات لا تبعث على الاطمئنان. فما زالت البلاد تعيش واقع تعدد الجيوش، وما زالت حركات مسلحة تحتفظ بقواتها رغم مشاركتها في السلطة ومرور سنوات على توقيع اتفاق جوبا للسلام.
وهنا يبرز سؤال لا ينبغي الهروب منه: إذا كانت هذه الحركات أصبحت جزءًا من الدولة، فلماذا لا تزال تحتفظ بجيوشها؟ وإذا كانت جبهات القتال اليوم في غرب السودان، فما مبرر وجود قواتها في بورتسودان وعطبرة وأبو حمد، بل وحتى في الخرطوم بعد انحسار العمليات العسكرية فيها؟ إن مثل هذه الأسئلة لا تستهدف أحدًا، وإنما تبحث عن إجابة تطمئن السودانيين إلى أن الدولة تتجه فعلًا نحو احتكار السلاح، لا إلى إعادة إنتاج الأزمة.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن بعض الممارسات المنسوبة إلى عناصر من هذه الحركات تجاه المواطنين أعادت إلى الأذهان مشاهد كان السودانيون يأملون ألا تتكرر بعد مأساة أبريل. فالمواطن لا تعنيه هوية من يحمل السلاح ويمارس الانتهاكات، بقدر ما يعنيه أن يكون مصون الكرامة ومحميًا بالقانون.
وعند المقارنة بين حركات دارفور المسلحة والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل د. جون قرنق، لا بد من قدر من الإنصاف. فقد اختلف السودانيون كثيرًا مع مشروع الحركة الشعبية، لكن أحدًا لا يستطيع إنكار أنها ظلت متمسكة، لسنوات طويلة، برؤية سياسية واضحة، وخاضت مفاوضاتها على أساس مشروع معلن. أما كثير من حركات دارفور، فقد أرهقتها الانقسامات، وتراجع خطابها السياسي أمام صراع المناصب والمنافع والمحاصصات، حتى بات كثير من السودانيين يتساءلون: هل ما زالت هذه الحركات تحمل المشروع نفسه الذي حملت السلاح من أجله؟
إن التحذيرات من أن المساس باتفاق جوبا قد يقود إلى حرب جديدة يجب ألا تُقرأ باعتبارها مجرد تصريح سياسي عابر، بل باعتبارها جرس إنذار يكشف هشاشة السلام الذي أنتجه اتفاق جوبا. فالدولة التي يرتبط استقرارها ببقاء عدة جيوش متوازية، لا تزال بعيدة عن تحقيق السلام الحقيقي.
السودان لا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى مشروع وطني جديد؛ مشروع يعيد بناء الجيش على أسس مهنية، ويُنهي ظاهرة الجيوش المتعددة، ويعيد السياسة إلى ساحتها الطبيعية، ويجعل السلاح حكرًا على الدولة وحدها.
فالحروب لا تبدأ حين تُطلق الرصاصة الأولى، وإنما تبدأ يوم تعجز الدولة عن إقناع الجميع بأن القانون أقوى من البندقية. وما أخشاه هو أن يكون أبريل القادم مجرد تاريخ آخر نضيفه إلى روزنامة الحروب، إذا لم نتعلم شيئًا من أبريل الأسود الذي مضى.





