من رواندا إلى السودان.. حين يصبح الإعلام مصنعاً للكراهية

حيدر المكاشفي 

هناك حقيقة تاريخية ينبغي ألا تغيب عن بالنا في السودان ونحن نعيش واحدة من أكثر مراحل تاريخنا إيلاماً ومأساوية. الحقيقة هي أن المجازر لا تبدأ بالرصاص وإنما تبدأ بالكلمات، ولا يولد القاتل قاتلاً في يوم واحد، ولا تتحول الشعوب إلى أعداء بين ليلة وضحاها. قبل ذلك بوقت طويل تُزرع بذور الكراهية في العقول، وتُبنى الجدران والعوازل النفسية بين أبناء الوطن الواحد، ويُعاد تعريف الإنسان على أساس قبيلته أو عرقه أو جهته، حتى يصبح قتله أو تهجيره أو إقصاؤه، أمراً مقبولاً في نظر البعض. هكذا بدأت كثير من المآسي في العالم، وهكذا تقدم لنا رواندا واحداً من أكثر الدروس قسوة في التاريخ الحديث.

فقد شهدت رواندا خلال عام 1994 واحدة من أسرع موجات القتل الجماعي في التاريخ الحديث، إذ قُتل خلال نحو مائة يوم ما يقدّر بحوالي 800 ألف شخص، معظمهم من أقلية التوتسي، إضافة إلى معتدلين من الهوتو، وفق تقديرات الأمم المتحدة وجهات دولية أخرى.

ولم تبدأ مأساة رواندا بالمجازر مباشرةً، بل سبقتها سنوات من نشر خطاب الكراهية، وتصوير فئة من المواطنين باعتبارها عدواً للوطن، والترويج للشائعات والتخويف وتجريد الضحايا من إنسانيتهم عبر أوصاف مهينة. ولعبت بعض وسائل الإعلام دوراً خطيراً في التحريض، ومن أبرزها إذاعة RTLM التي بثت رسائل تحريضية بصورة متكررة. كما نشرت صحيفة Kangura مواداً غذّت الانقسام والكراهية. وقد أُعتبر هذا التحريض لاحقاً أحد العوامل التي أسهمت في تأجيج العنف.

وفي عام 2003 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا (ICTR) أحكاماً تاريخية في قضية عُرفت باسم “قضية الإعلام” (Media Case)، أدانت فيها عدداً من المسؤولين الإعلاميين بسبب التحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية. وشكلت هذه الأحكام سابقة قانونية أكدت أن الإعلامي قد يتحمل مسؤولية جنائية عندما يتحول من ناقل للمعلومة إلى محرض على الجرائم الجماعية.

ولا يعني استحضارنا هنا لتجربة رواندا أن السودان يمر بالظروف نفسها أو أن مآلاته ستكون متطابقة، فلكل بلد سياقه وتعقيداته. لكن التاريخ يقدم لنا إنذارات لا ينبغي تجاهلها، وأحد أهم هذه الإنذارات أن خطاب الكراهية والاستعلاء والتنمر إذا تُرك لينتشر بلا رادع، فإنه يقوض إمكانات التعايش ويجعل المصالحة أكثر صعوبة، وقد يسهم في تغذية مزيد من العنف..

من يتابع الفضاء الرقمي السوداني اليوم يدرك أن لغة الحوار تراجعت بصورة مقلقة ومخيفة أمام لغة الإقصاء. إذ لم يعد الخلاف سياسياً فقط، بل أخذ في كثير من الأحيان طابعاً قبلياً أو جهوياً أو عرقياً، حيث تطلق الأحكام على جماعات كاملة، ويُختزل ملايين المواطنين في انتماءاتهم، ويتم تداول ألفاظ تهين الكرامة الإنسانية وتزرع الشك والخوف بين أبناء الوطن. وهذا تحديداً ما يجب التحذير منه والعمل على تنقية الفضاء الرقمي من هذا التدهور المريع والخطير في الخطاب الرقمي، وانتشار مفردات التوحش والاستعلاء والسخرية من الآخر، وأن تتحمل المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية مسؤولياتها في وقف هذا الانحدار والتردي.

لكن المشكلة لا تقف عند حدود مواقع التواصل الاجتماعي.. فالحروب الطويلة تخلق اقتصاداً للكراهية كما تخلق اقتصاداً للسلاح، فهناك من يراكم النفوذ السياسي وهناك من يحصد التفاعل الإعلامي، وهناك من يوظف الانقسام لتعبئة الأنصار وإطالة أمد الاستقطاب. وكلما ازداد المجتمع انقساماً أصبح من الأصعب بناء السلام..

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس أن تختلف مكوناته السياسية، فالاختلاف طبيعي في كل المجتمعات، وإنما أن يتحول هذا الاختلاف إلى قناعة بأن بعض السودانيين أقل استحقاقاً للوطن من غيرهم، أو أن قبيلة بعينها تختزل الوطنية، أو أن جهة جغرافية بعينها تحتكر الحق في تمثيل الدولة. عندها لا يعود الوطن وطناً، بل يصبح مجموعة جزر معزولة لكل منها ذاكرتها وأحقادها وروايتها الخاصة.

ولذلك فإن معركة السودانيين اليوم ليست فقط من أجل وقف إطلاق النار، وإنما أيضاً من أجل وقف إطلاق الكلمات التي تشعل النار. فالإعلام المهني لا يبرر العنصرية، والسياسة الرشيدة لا تستثمر في الانقسام، والحرية لا تعني التحريض، والوطنية الحقة لا تُبنى على الشيطنة والتخوين، بل على نقد السياسات ومحاسبة المسؤولين وفق الوقائع والقانون.

لقد أثبتت التجارب أن الدول تستطيع إعادة إعمار الجسور والطرقات والمطارات، لكنها تحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة إعمار الثقة بين البشر إذا هُدمت بالكراهية والاستعلاء والتنمر.

واليوم يقف السودان أمام مفترق طرق واضح. إما أن يتعلم من دروس الآخرين فيحاصر خطاب الكراهية والاستعلاء قبل أن يتحول إلى ثقافة راسخة، ويعيد الاعتبار لقيم المواطنة والكرامة الإنسانية واحترام التنوع، وإما أن يواصل الانحدار في طريق يجعل السلام (إذا تم) مجرد اتفاق على الورق، بينما تستمر الحرب الحقيقية داخل النفوس..

إن مأساة رواندا ليست قصة بعيدة عن السودان، كما أنها ليست نموذجاً نستدعيه للتخويف، وإنما هي جرس إنذار تاريخي يقول إن الكلمات ليست بريئة دائماً، وإن الجريمة تبدأ أحياناً بمنشور أو تعليق أو خطاب، قبل أن تنتهي بدماء ودموع.

لهذا فإن الدفاع عن الكلمة المسؤولة ليس ترفاً، بل هو دفاع عن حياة الناس وعن مستقبل السودان نفسه. فإذا كان الرصاص يقتل الإنسان مرة، فإن الكراهية قد تقتل وطناً بأكمله..

والدرس المستفاد لنا في السودان أن الكراهية ليست رأياً سياسياً عندما تتحول إلى تحريض على العنف، وأن الكلمات قد تسبق الرصاص، وأن حماية التنوع مسؤولية وطنية قبل أن تكون قانونية، وأن الإعلام المهني هو خط الدفاع الأول عن السلم المجتمعي، وأن مواجهة خطاب الكراهية في بداياته أقل كلفة من معالجة نتائجه بعد اندلاع العنف.

والخلاصة من استحضارنا لتجربة رواندا، هي أن خطاب الكراهية والاستعلاء إذا ما تُرك دون مواجهة، فإنه يسهم في تعميق الانقسام ويزيد من مخاطر العنف، بينما يبقى تعزيز الخطاب المسؤول واحترام كرامة الإنسان من أهم وسائل حماية السلم المجتمعي..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى