هل تكون الأمين العام المقبلة للأمم المتحدة أول امرأة تتولى المنصب؟

بقلم إديث م. ليدرير – بوسطن هيرالد

 

في وقت يواجه فيه النضال من أجل المساواة بين الجنسين تراجعاً وضغوطاً متزايدة، يتصاعد الضغط من أجل أن تكون الأمين العام المقبلة للأمم المتحدة أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ تأسيس المنظمة قبل أكثر من 80 عاماً.

ولا يغيب هذا التناقض عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة، الوكالة المعنية بالمساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات، والتي تواجه بدورها تحديات كبيرة في الدفع نحو تعزيز حضور النساء في مواقع القيادة داخل المنظمات الدولية والحكومات وقطاع الأعمال، فضلاً عن النقاش المتصاعد حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وبحسب أحدث تقرير صادر عن الوكالة الأممية المعنية بالمساواة بين الجنسين، فإنه وفق المعدل الحالي للتقدم، قد يستغرق تحقيق المساواة بين الجنسين 171 عاماً. وكان الهدف الذي حددته الأمم المتحدة في البداية لعام 2015 قد أُرجئ إلى عام 2030.

وتكشف مؤشرات أخرى عن استمرار فجوات كبيرة؛ إذ تعرضت نحو واحدة من كل ثلاث نساء حول العالم للعنف الجنسي، وتتزوج واحدة من كل خمس فتيات تقريباً قبل بلوغ سن الثامنة عشرة. كما تشير التقديرات إلى أنه، وفق وتيرة التقدم التي شهدتها السنوات الخمس الماضية، لن يتحقق التكافؤ بين الجنسين في البرلمانات قبل عام 2089.

وبعد سنوات من التقدم، بدأ حضور النساء في القيادة السياسية يفقد زخمه أيضاً، إذ لا تزال ست دول من كل سبع دول تقريباً تقاد من رجال.

وقالت سارة هندريكس، المسؤولة الرفيعة في هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إن الاجتماع السنوي لقادة العالم، الذي اختتم أعماله مؤخراً في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، عكس إلى حد كبير «عالماً يهيمن عليه الرجال»، سواء من حيث التمثيل أو الموضوعات المطروحة.

ورحبت هندريكس بما وصفته بـ«التعزيز غير المتناسب» لاحتمال تولي امرأة منصب الأمين العام المقبل للأمم المتحدة، معتبرة أن هذا التوجه يتجاوز المناطق الجغرافية والانقسامات السياسية.

وقالت لوكالة «أسوشيتد برس»: «هذه ليست مجرد مسألة رمزية، بل تتعلق بما إذا كانت الأمم المتحدة تعكس فعلاً المساواة التي تطلب من العالم دعمها».

وأضافت: «لا يمكننا أن نطالب الحكومات بإزالة العوائق التي تحول دون وصول النساء إلى مواقع القيادة، بينما نقبل نحن بهذه العوائق داخل مؤسساتنا. ولا يمكننا أن نطالب الشركات بكسر الحواجز أمام تقدم النساء، بينما تترك الأمم المتحدة حواجزها الخاصة من دون تغيير».

حديث متزايد عن المرأة.. ولكن ماذا تقول الأرقام؟

خلال الاجتماع رفيع المستوى الذي استمر أسبوعاً وانتهى يوم الاثنين، قالت هندريكس إن القادة أكدوا أن النساء «يجب أن تتاح لهن فرصة متساوية لتولي أقوى المناصب في العالم، بما في ذلك منصب الأمين العام للأمم المتحدة، بل هذا المنصب على وجه الخصوص».

وكان من بين المتحدثين رئيس تيمور الشرقية، خوسيه راموس هورتا، الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 1996، الذي قال إنه بعد أكثر من ثمانية عقود «ينبغي أن نتحلى بالحكمة الكافية وننتخب امرأة تتمتع بنزاهة لا تشوبها شائبة».

كما أعرب رئيس بوتسوانا، دوما بوكو، عن أسفه لما وصفه بأنه «فصل غير مكتمل في تاريخ هذه المنظمة»، مشيراً إلى أنه بعد ثمانية عقود لم تتولَّ امرأة منصب الأمين العام للأمم المتحدة.

ويضم السباق الحالي لخلافة الأمين العام أنطونيو غوتيريش سبعة مرشحين، بينهم أربع نساء وثلاثة رجال، بعد انسحاب الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشيليت. وتنتهي الولاية الثانية لغوتيريش، ومدتها خمس سنوات، في 31 ديسمبر.

وتصدرت مرشحتان، هما ريبيكا غرينسبان، مسؤولة التجارة في الأمم المتحدة من كوستاريكا، وكارولين رودريغز بيركيت، سفيرة غيانا لدى الأمم المتحدة، نتائج الاستطلاع، إلا أن كلاً منهما حصلت على خمسة أصوات على الأقل من أصوات «التثبيط» في المجلس المكون من 15 عضواً.

ومن المقرر إجراء استطلاع رأي ثالث يوم الثلاثاء، وقال بعض الدبلوماسيين إن النتائج قد تفتح الباب أمام دخول مرشحين جدد إلى السباق.

وبحسب التقليد المتبع، يتناوب منصب الأمين العام بين المناطق الجغرافية، وقد حان الدور لأمريكا اللاتينية، مع وجود مرشحين من أفريقيا أيضاً.

ورغم أن الجمعية العامة للأمم المتحدة لها الكلمة الفصل في اختيار الأمين العام، فإن العملية تمر عبر مجلس الأمن، حيث تملك الدول الخمس دائمة العضوية — الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا — حق النقض «الفيتو». وقد التزمت هذه الدول الصمت بشأن خياراتها، باستثناء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي قال السبت إن غرينسبان ورودريغز بيركيت «تستوفيان المعايير».

«عندما تقود النساء، تدوم اتفاقيات السلام لفترة أطول»

وقالت هندريكس، مديرة السياسات والبرامج والشعبة الحكومية الدولية في هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إن القضية بالنسبة إليها تتعلق بطبيعة التعددية التي تريد الأمم المتحدة أن تتبناها خلال العقود الثمانية المقبلة.

وخلال الاجتماع رفيع المستوى، أشارت إلى تراجع حضور قضية المساواة بين الجنسين في خطابات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، البالغ عددها 193 دولة.

فقد ركز القادة بصورة واسعة على النزاعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا وغيرها، إضافة إلى السلام والأمن وإصلاح الأمم المتحدة، وتغير المناخ والتنمية والتمويل والذكاء الاصطناعي، بينما لم تحظَ المساواة بين الجنسين بالمستوى نفسه من الاهتمام باعتبارها أولوية سياسية.

وقالت هندريكس إن البعد المرتبط بالنوع الاجتماعي في التحول التكنولوجي الجاري، بما في ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي، لم يحظَ بالاهتمام الكافي.

ووصفت ذلك بأنه مصدر قلق بالغ، محذرة من أنه «إذا بنينا مستقبلاً تكنولوجياً من دون النساء، فسيتجذر عدم المساواة».

وأضافت أن النساء يشغلن حالياً 22 في المائة فقط من المناصب المهنية في مجال الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، و14 في المائة فقط من المناصب القيادية، مشيرة إلى أن هذه القضية لم تحظَ بالنقاش الكافي خلال الاجتماعات.

ومع ذلك، برزت أصوات داعمة لتعزيز دور المرأة. وقال رئيس ليبيريا جوزيف بواكاي أمام الجمعية العامة إن «المساواة بين الجنسين أمر أساسي»، مضيفاً أن قيادة النساء ترتبط، وفق ما قال، باستمرار اتفاقيات السلام لفترات أطول، ونمو الاقتصادات بصورة أسرع، وزيادة مساءلة الحكومات.

وفي خطابه الوداعي حول «حالة العالم»، الذي افتتح به الاجتماع، وصف غوتيريش عدم المساواة بين الجنسين بأنه «الشكل الأكثر عالمية لعدم المساواة».

وقال: «في كل مكان، لا تزال النساء والفتيات يواجهن التمييز والعنف والإقصاء والإساءة. في جميع أنحاء العالم، تُنتزع حقوقهن، وتُكمم أفواههن، وتُحوَّل أجسادهن إلى ساحات معارك، وتُعامل حرياتهن كورقة مساومة».

ووصف غوتيريش ذلك بأنه «إهدار كبير للبشرية»، مشيراً إلى أن النساء يجعلن السلام أكثر استدامة، والاقتصادات أكثر ديناميكية، والمؤسسات أكثر فاعلية.

وقال إنه خلال فترة توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة، والتي امتدت عشر سنوات، حققت المنظمة للمرة الأولى في تاريخها المساواة بين الجنسين في قيادتها العليا وفي مقارها الرئيسية وبين موظفيها المهنيين.

وأضاف: «المساواة ليست حلماً، بل هي قرار. إذا كان بإمكان الأمم المتحدة أن تتغير، فيمكن للحكومات والبرلمانات والشركات وعمليات السلام وهذه الجمعية العامة أن تتغير أيضاً».

—–

إديث م. ليدرير صحفية تغطي الشؤون الدولية لدى وكالة «أسوشيتد برس» منذ أكثر من نصف قرن.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى