ورحلت نفيسة المليك

أمير أحمد السيد

قبل أكثر من عشرين عاماً عملت في صحيفة الأزمنة، والتي كان مقرها بأمدرمان، شارع العرضة، وفي تلك الفترة كنت مهموماً بالتوثيق لتاريخ أمدرمان، حيث بداية نهضة وتطور الدولة السودانية الحديثة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية والاجتماعية، لذا توفر مقر إصدارها في أمدرمان ساعدني كثيراً في أن أتحرك بحماس شديد جداً.

كنت وقتها أحرر صفحة وثقت لرائدات العمل النسوي، فأدرت معهن حوارات احتوت على ذلك التاريخ العظيم، ومن ضمن أولئك النساء كانت السيدة نفيسة المليك، إحدى رائدات العمل النسوي والنضالي، لما لا وهي ابنة أحد رواد تعليم المرأة، السيد أبوبكر المليك، الرجل الذي آمن بفكرة الشيخ بابكر بدري ومشى في طريقه ليسهموا إسهاماً عظيماً في تعليم ورفعة المرأة ودعمها لتصير واحدة من دعائم المجتمع السوداني ولتسهم في نهضة وتطور الوطن.

ذكرت لي الراحلة الأستاذة نفيسة المليك أنها ولدت في العام 1932 بمدينة رفاعة بوسط السودان، ودرست فيها المرحلة الأولية، تلك المدينة التي أطلقت عليها مدينة النور، فهي من أخرجت لنا أعظم الرجال والنساء في مجالات التعليم، وهي المدينة التي أسهمت في تعليم المرأة.

تواصل المليك حول رحلتها مع التعليم وذكرت أنها كانت قد بدأت ذلك في سن مبكرة جداً متأثرة بالجو العام وقتها وبرواد التعليم، وقد شجعها والدها لتصبح معلمة بمدارس محو الأمية وهي في سن الرابعة عشرة قبل أن تلتحق بكلية المعلمات وتصبح معلمة وتعمل في التدريس ثم تدير مدارس المليك بأمدرمان.

وتحدثت أيضاً عن نضال بنات جيلها وكيف كافحن من أجل قضايا المرأة في وقت كان من الصعب جداً كسر قيود المجتمع، إلا وأنهن اجتهدن في ذلك، فكافحن الأمية وتصدين للعادات الضارة وفتحت النقاش حول قضايا كانت تعد وقتها من المحظورات الاجتماعية، كما ذكرت أنها من المؤسسات لاتحاد المعلمات وتولت رئاسته في حقبة الخمسينيات، وأيضاً كانت من المؤسسات للاتحاد النسائي وتولت رئاسته لدورتين متتاليتين.

وذكرت أنها شاركت في تأسيس وتمويل مجلة صوت المرأة مع مجموعة من رائدات العمل النسوي.

الحوارات التي أجريت معها عبر الصحف والفضائيات لم تتضمن كل تجربتها، لذا حرصت على توثيق تجربتها، وتركت للمكتبة السودانية عدداً من المؤلفات، من بينها “ملامح عن الحركة النسائية في السودان” و”الحركة النسائية عبر نصف قرن” و”شموع أضاءت ثم انطفأت” و”أحزان الخريف”، وهي كتب شكلت سجلاً لتجارب أجيال من النساء السودانيات وتحولات المجتمع.

لقد كانت تجربتها في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي واحدة من التجارب العظيمة التي استحقت التوثيق والتي حققت فيها الراحلة كثيراً من النجاحات أضيفت لتاريخ المرأة السودانية العظيم.

كانت الراحلة تعتز كثيراً بوالدها الذي كان داعمها بصورة كبيرة، وفقدت ابنها أكرم الذي تم إعدامه في محاولة اللواء الكدرو الانقلابية، فأصابها حزن كبير جداً لا أعتقد أنها قد خرجت منه حتى تاريخ وفاتها. لها الرحمة والمغفرة وجنات النعيم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى