الشهادة السودانية.. خلف النتيجة أسئلة أخرى

أفق جديد

في أجواء غلب عليها الفرح، أعلنت الخرطوم نتيجة امتحانات الشهادة السودانية للعام 2026، في مشهد لم يكن خالياً من الدلالات التي تتجاوز فرحة النجاح وأسماء المتفوقين. وعلى لوحة خلفية اصطفت أمامها قيادات التعليم، برز شعار «بنك الخرطوم» بوصفه راعياً لإعلان النتيجة، وكأن الشعار في حضوره اللافت يفسر، في الوقت ذاته، أحد معايير التفوق والنجاح في واقع التعليم اليوم: فمن يملك المال يستطيع العبور والانتصار، ومن لا يملكه، ليس أمامه سوى أن يعيد التجربة مرة أخرى.

وفي مؤتمر إعلان النتيجة، جاءت الإجابة الأولى باسم «تقى النور محمد النور»، التي أُعلن اسمها متصدراً للشهادة السودانية بنسبة بلغت 97.7%. غير أن الإجابة لم تكن مكتملة؛ إذ سرعان ما فتحت نتيجة الأولى على الشهادة السودانية الباب أمام أسئلة أخرى. ففارسة الشهادة والمتوجة بتاج التفوق لم تتمكن من اقتسام فرحة نجاحها مع والدها، بعدما حالت الحرب بينها وبين واحدة من أبسط حقوق الفرح: أن يكون الأب حاضراً حين تنجح ابنته.

والحرب التي حالت بين الأولى على الشهادة وفرحة نجاحها، كانت أيضاً العائق الأبرز أمام آلاف الراغبين في الجلوس للامتحان، حتى إن الوصول إلى قاعة الامتحان نفسها صار امتحاناً سابقاً على ورقة الأسئلة. وبحسب الأرقام الرسمية، تجاوز عدد الجالسين لامتحانات الشهادة السودانية نصف مليون طالب وطالبة، بينما غاب ضعف هذا العدد بعدما أعجزتهم ظروف الحرب عن الوصول إلى مراكز الامتحان.

ولعل النتيجة المعلنة هي التي دفعت أحدهم، على سبيل السخرية، إلى اقتراح أن نطلق عليها «امتحانات مؤسسة أبوذر الكودة». فمن بين المائة الذين أُعلن عن تفوقهم في امتحانات الشهادة السودانية، كان هناك 51 طالباً وطالبة من مؤسسة الكودة للتعليم الخاص؛ وهو رقم كبير بما يكفي لأن يتجاوز حدود الإحصائية في كشف النتائج، ويتحول إلى سؤال عام عن طبيعة التعليم نفسه: عن تسليعه وتخصيصه، وعن مدى التكافؤ في الفرص بين الممتحنين.

وفي الطريق إلى قاعات الامتحان، كانت لغة الدولة الرسمية ترى في امتحان الشهادة السودانية مرادفاً للسيادة الوطنية، وهي الدولة نفسها التي لم تجد، في مواجهة دلالة حضور مدارس بعينها في قائمة المتفوقين، سوى أن تسحب أسماء المدارس حين تعلن عن الأوائل.

ولعل الوزارة، وهي تتجنب الإشارة إلى المدارس التي ينتمي إليها المتفوقون، كانت تحاول تفادي إظهار سيطرة مدرسة بعينها على قائمة الأوائل، لكنها، في المقابل، تركت سؤالاً أكبر بلا إجابة: أين مدارس الحكومة؟

أين الخرطوم النموذجية وأسماء عبد الرحيم؟ أين مدارس مصطفى الشيخ الأمين؟ أين مدني وعطبرة وبورتسودان؟ أين الأبيض؟ وأين مدارس نيالا والفاشر وزالنجي والجنينة؟

مديرة مدرسة ثانوية ظلت لأكثر من ربع قرن تتابع لحظة إعلان النتيجة باعتبارها «يوم العيد والحصاد»، بدت هذه المرة غير مبالية بالنتيجة الأخيرة. وقالت في حديثها لـ«أفق جديد»: «هذا شهر لا نفقة للمدارس الحكومية فيه». وأضافت: «نحن نعيش سطوة “الخاص”. في وقت سابق كنا نتابع المؤتمر سابقاً وفي البال أنه سيتم إذاعة طالب من مدرستنا، وهو الأمر الغائب في ظل الأوضاع السائدة الآن، وما يحدث الآن هو تتويج لمبالاة الحكومة في التعاطي مع المدارس الحكومية».

وبالنسبة إليها، عبّرت النتيجة المعلنة عن ظاهرة تكديس المتفوقين في مدارس محددة، وهي فكرة تظل موضع انتقاد، لأنها تمنح المدرسة ميزة يصعب قياسها بمعزل عن البيئة التي جُمعت فيها هذه النخبة من الطلاب، بما يؤثر، بالتالي، على تكافؤ الفرص، ويفتح الباب أمام تحويل التعليم من حق عام إلى سلعة.

وفي النسخة الأخيرة من الشهادة السودانية، لم يكن الامتحان الحقيقي هو ما جاء في ورقة الأسئلة وحدها، وإنما كان الامتحان الأصعب هو الوصول إلى الورقة نفسها. فقد تجاوز عدد الجالسين للامتحانات نصف مليون طالب وطالبة، بحسب الإحصاءات الرسمية، بينما ظل أضعاف هذا العدد خارج قاعات الامتحان، بعدما حرمتهم الحرب من مجرد فرصة الجلوس للشهادة. وفي بلد أصبح فيه التعليم نفسه ساحة للصراع والاستخدام السياسي، لم يكن غريباً أن تحضر في المؤتمر الصحفي سيرة أبناء قيادات الدعم السريع الذين جلسوا للامتحانات، في سياق توظيف المواقف السياسية في امتحانات الشهادة السودانية، باعتبارها حقاً لكل السودانيين.

غير أن التفاوت هنا لا يبدو متعلقاً فقط بالمدارس الخاصة في مقابل المدارس الحكومية التي حولتها الحرب إلى أطلال مبانٍ، بل يتخذ التفاوت شكلاً جغرافياً أيضاً؛ فثمة فارق لا يمكن تجاهله بين نتائج من جلسوا لامتحانات الشهادة السودانية داخل السودان، وأولئك الذين جلسوا للامتحان ذاته في المراكز الخارجية، حيث يتوفر الأمان، وبالطبع الكهرباء والظروف المواتية للتحصيل.

وهي أوضاع تجعل الآباء في كامل الرضا عن تحصيل أبنائهم الممتحنين داخل السودان، حيث تمثل نسبة 60% عبوراً وكامل الانتصار على الأوضاع التي عاشوها، وإن لم تكن كافية للعبور نحو الجامعة.

لذلك، فإن الزغاريد والسجود ودموع الأمهات التي صاحبت إعلان أسماء الناجحين ليست هي القصة كلها. خلف لحظة الفرح تقف قصة أخرى عن بلد أصبح النجاح فيه امتيازاً، والوصول إلى الامتحان نفسه إنجازاً، بينما يتراجع التعليم الحكومي خطوة بعد أخرى، وتتقدم مؤسسات التعليم الخاص لاحتلال المساحة التي تركتها الدولة.

وهكذا يصبح المشهد أكثر وضوحاً: تسليع التعليم وتخصيصه لم يحدثا من فراغ، وإنما في مساحة تركتها الدولة بانهيار مدارسها الحكومية، وتراجع مؤسساتها التعليمية، وتدمير مدارسها النموذجية، ثم جاء التعليم الخاص ليملأ ذلك الفراغ.

وبينما يحتفل السودان بنجاح أبنائه في الشهادة السودانية، يظل الامتحان الأكبر بلا نتيجة معلنة: من الذي نجح فعلاً في امتحان التعليم؟

الطلاب الذين جلسوا للامتحان؟ أم المؤسسات التي تكدّس المتفوقين ثم تعلنهم على الملأ؟ أم دولة تركت مدارسها تنهار، ثم اكتفت بإعلان النتيجة؟

ربما لهذا لم يعد السؤال الساخر عن «امتحانات التفاوت الطبقي والجغرافي» مجرد نكتة عابرة. فحين يقفز عدد المتفوقين من طالب واحد في مدرسة خاصة إلى 51 في سنوات قليلة، وحين تغيب مدارس الدولة عن المشهد، يصبح السؤال مشروعاً، ويصبح الصمت عن الإجابة جزءاً من الإجابة نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى