حوار حول وطن.. الإطار العام والمحاور

بقلم: أ. د. أبوبكر حمد

sudalegacorp@gmail.com

عند التأريخ لمسيرة الحوار الوطني في السودان منذ استقلاله وعلى مدى العقود السبعة الماضية، نجد أنه قد شهد محطات متعددة تمثلت في حوارات، ومفاوضات، وتشاورات، وجلسات مطولة لمناقشة أوجه الاختلاف، والتي أسفرت في كثير من الأحيان عن مخرجات وحصاد ملموس. ولعل أبرز هذه المحطات تمثلت في الحوارات التي أُجريت مع حاملي السلاح، والتي أفضت إلى تفاهمات أسفرت عن جمع السلاح ودمجه، فضلًا عن إيقاف إطلاق النار.

كما تم عقد مسارات حوارية أخرى مع الأحزاب السياسية عبر مراحل مختلفة، تضمنت اجتماعات تشاورية معها في الداخل والخارج، بهدف التوصل إلى تسويات وتفاهمات مشتركة تتيح لها الاندماج في العملية السياسية وإدارة الدولة عبر المشاركة في الحكومة القائمة وفق اشتراطات وضوابط متفق عليها مسبقًا. وإلى جانب ذلك، انعقد الحوار المجتمعي الشامل الذي ضم قطاعات واسعة شملت الشباب، والمرأة، والإدارات الأهلية للقبائل، وممثلي حقوق الأطفال وكبار السن، والطرق الصوفية، والأندية الرياضية، والثقافية، والاجتماعية. وقد أتى هذا الحوار المجتمعي أُكله، وأسفر عن صياغة رؤى، وطموحات، وأحلام، وتوقعات تم توثيقها في مسودات تفصيلية لترفع إلى الجهات المختصة.

لجنة الحوار.. طبيعتها ومهامها الرئيسية

في المرحلة الراهنة، يبرز أمامنا استحقاق تشكيل لجنة جديدة معنية بإدارة الحوار المنشود. وتتجسد الطبيعة الوظيفية لهذه اللجنة في كونها أمانة عامة أو سكرتارية مركزية، تكمن مهامها الأساسية والجوهرية في إدارة جلسات الحوار، وصياغة التوصيات، واستخلاص مخرجات ذات صفة إلزامية وقابلة للتنفيذ.

أما بالنسبة لمهام اللجنة، فعلى الرغم من وجود مهام كثيرة إضافية، يمكن حصر المهام الرئيسية في سبع نقاط -حسب رؤية كاتب المقال- وهي كالتالي:

  1. إعداد اللوائح.
  2. تحديد المحاور.
  3. تحديد أماكن وأزمنة انعقاد الجلسات.
  4. تهيئة المناخ للمشاركين.
  5. الإعلام المصاحب لعملية الحوار.
  6. الكادر البشري المساهم في إدارة الحوار.
  7. الميزانية التقديرية الأولية الخاصة بعملية الحوار.

 

ولضمان فعالية مهام هذه اللجنة، يتعين عليها -قبل الشروع الفعلي في جلسات الحوار- وضع وتنفيذ حزمة من الترتيبات الواقعية لهذه المهام وطرحها على كافة الأطراف المعنية بهدف التوافق عليها مسبقًا قبل الجلوس على طاولة الحوار. وذلك على النحو التالي:

اللوائح المنظمة لعملية الحوار: تطوير القواعد والأطر اللائحية لعملية الحوار، بوضع لائحة تنظيمية أو خارطة طريق دقيقة تحدد آليات إدارة الجلسات، وطبيعة التوصيات، ومدى إلزاميتها (سواء تطلبت توافقًا، أو إجماعًا، أو غير ذلك من التفاصيل الإجرائية).

تحديد المحاور الأساسية: ضبط نطاق الموضوعات المطروحة للحوار، حيث حصر المحاور التي تشكل جدول أعمال الحوار، لأن ترك تحديدها للشعب بصورة مطلقة يخلق تعقيدات واسعة، مما يستدعي قيام اللجنة بوضع إطار استراتيجي يتم ترك تفاصيله لاحقًا للمجالس التشريعية المنتخبة لتحقيق استدامة الديمقراطية. لكن في الوقت نفسه هناك محاور مصيرية لا بد أن تضعها اللجنة والاتفاق والإجماع عليها في الحوار عبر الإجراءات المتبعة، لأنها تشكل المخرجات التي سيتم البناء عليها في المرحلة التالية للحوار.

تهيئة المناخ للمشاركين والمحاورين: بتوفير بيئة آمنة وملائمة وتوفير الأمن والأمان لهم.

الخطاب الإعلامي: إدارة الحملات والتغطية الإعلامية المرافقة، بوضع استراتيجية إعلامية واضحة لتوعية المجتمع بمسارات الحوار وتفاصيله، فضلًا عن تهيئة المناخ العام الملائم.

الإطار الزمني والمكاني: تحديد الأماكن والأزمنة الدقيقة لافتتاح واختتام جلسات الحوار.

تحديد الكوادر البشرية اللازمة: تنظيم أدوار الطواقم البشرية في الإدارة لدعم السكرتارية وتسيير أعمالها بكفاءة في العمليات المساندة.

رصد ميزانية تقديرية أولية: رصد ميزانية أولية تقريبية تغطي كافة المتطلبات اللوجستية والمالية المرتبطة بهذه الفعاليات.

المحاور الجوهرية للحوار

تمثل المحاور بشكل عام المخرجات المتوقع الوصول إليها بعد اكتمال الحوار، وانعكاسها على أرض الواقع في تحقيق الاستقرار المستدام. ومن أبرز هذه المحاور:

المحور الأول: الحفاظ على الدستور والنظام الديمقراطي الاتحادي:

يتطلب الأمر تأسيس مجلس يختص بحماية الدستور الاتحادي الفيدرالي الديمقراطي، وكيفية حمايته وآلية تأمينه ضد الانتهاكات، مع بيان آليات تشكيله وعضويته، وتحديد الآليات القانونية الفاعلة للتدخل بغية حماية النظام من أي اعتداءات محتملة، سواء صدرت عن المؤسسة العسكرية أو المكونات المدنية، استنادًا إلى الدروس المستفادة من التجارب السابقة في تقويض النظام الديمقراطي.

المحور الثاني: حرية التنظيم:

يرتكز مفهوم الحرية في هذا السياق على «حرية التنظيم» -تنظيم العمل العام في شكل أحزاب، ونقابات، ومنظمات- حيث إن هذا المحور تحديدًا كان سببًا في إحداث مشكلات كثيرة. ويتفرع هذا المحور إلى ثلاثة مسارات رئيسية:

أ- التنظيمات السياسية أو الأحزاب: بما أن الدستور والحريات ووثيقة الحقوق تعطيك الحق في أن تقوم بتأسيس التنظيمات والأحزاب وفقًا لـ«قانون تنظيم الأحزاب»، هنا تبرز الحاجة الملحة لمراجعة وتطوير «قانون تنظيم الأحزاب» القائم، لتقويته وتجويده، لمعرفة كيف يتم تأسيس الأحزاب والأسس والبرامج التي يُبنى عليها التنظيم أو الحزب، ومعرفة معايير تقييم مدة رؤساء الأحزاب ومجالسها للحد من التمسك المطلق بالسلطة الحزبية.

ب- النقابات والاتحادات العمالية: تنظيم العمل النقابي والاتحادي، وهنا لا بد أولًا من تحديد طبيعة هذه الاتحادات والنقابات: هل هي نقابة عامة، أم نقابة منشأة، أم نقابة مهنية تهتم بأمور المنتسبين إليها في رعاية مصالحهم مهنيًا واجتماعيًا، أم تتعدى ذلك وتوسع نطاقها لتبني قضايا السياسات العامة؟ هل هي نقابة تهتم بظروف بيئة العمل أم لها مطالبات سياسية كالحد الأدنى للأجور وخلافه؟ كل هذه الجوانب يجب تحديدها ليتم حسمها في النقابة أو في الاتحاد.

ج- منظمات المجتمع المدني: تنظيم عمل منظمات المجتمع المدني، وهي منظمات معنية بالضغط للوصول إلى حقوق ومطالبات معينة. وهذه المنظمات يتم إنشاؤها أيضًا وفقًا لقانون التنظيمات (قوانين قائمة تتطلب المعالجة والمراعاة). وهنا يجب إعادة النظر في طبيعة عملها، لأنها أصبحت تتدخل في جوانب تتعدى الضغط على الحكومة أو على السلطة التشريعية، لتدخل في مرحلة أعلى من المنوط بها.

هذه النقاط الثلاث توضح ضرورة الفصل المؤسسي فيما بينها وعدم الخلط أو تداخل الصلاحيات والاختصاصات، فلا يتداخل الحزب السياسي مع أعمال النقابة أو أعمال المنظمة، حتى تؤدي أدوارها بفاعلية، وكل هذا يتم مناقشته في محور الحرية.

المحور الثالث: السلام (التعايش السلمي):

يُعنى هذا المحور بتحقيق التعايش السلمي المستدام على مختلف المستويات؛ بدءًا من المستوى المحلي (أدنى درجات السلطة والحكم في السودان)، مرورًا بالولايات، والدولة ككل، وصولًا إلى دول الجوار، والإقليم، والمجتمع الدولي (من المحلية إلى العالمية): كيف نتعايش سلميًا مع بعضنا البعض ومع الآخرين؟ وهو ما يتطلب الجلوس لتحديد أسس التعايش السلمي، وتحديد مهدداته، ونقوم بعدها بتوضيحها وصياغتها، ونقوم بوضع اللوائح والعقوبات الصارمة ونصوص الدستور، بهدف منع هذه المهددات، بغية أن يصبح التعايش السلمي جزءًا من النسيج الاجتماعي ومكونات الدولة، فضلًا عن تعزيز الممسكات والممارسات الإيجابية للتعايش السلمي، والبناء عليها وتقويتها لتكون جسرًا متينًا للعبور إلى التعايش السلمي المنشود.

المحور الرابع: العدالة:

تكتسي العدالة أهمية بالغة وتتطلب تعزيز وترتيب المنظومة العدلية بالكامل، وطريقة تأسيسها ومعايير اختيار كوادرها لضمان استقلاليتها المالية وقدرتها على اتخاذ القرارات، لتصبح قادرة وراغبة في الفصل بالنزاعات والقضايا الناشئة، وتقييم ومراجعة المنظومة العدلية برمتها، والعلاقة فيما بين أجهزتها، والمحاكمة العادلة، والعلاقة بين السلطة القضائية وبقية أجهزة الدولة، حيث إن الإشكالات السابقة تمثلت في عدم الاستقلالية وغياب الالتزام بقراراتها، مما أدى إلى تقويض الاستقرار الديمقراطي، حيث سلطة قضائية تصدر عنها أحكام، وسلطة تنفيذية ترفض التنفيذ، وهو ما انعكس في شكل انقلابات وتغول السلطات بعضها على بعض. ويتطلب هذا المحور الخاص بالعدالة إجراء مراجعة شاملة لآليات المحاسبة والتقييم والتقويم العدلي.

المحور الخامس: الخطة الاقتصادية والنظرة التنموية:

تنقسم الرؤية الاقتصادية إلى ثلاثة أبعاد أساسية متكاملة:

أ- خطة إسعافية: تدابير عاجلة ومقترحات جاهزة للتعامل مع الأزمات الملحة.

ب- خطة إعادة الإعمار: وضع استراتيجية لمعالجة وتضميد آثار ما دمرته الحروب والنزاعات برؤية ومعايير حديثة.

 

ج- الخطة الخمسية القادمة: وترتكز بالدرجة الأولى على طبيعة النظرة إلى السودان كدولة زراعية، عبر تشجيع القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، وعدم الاكتفاء بمجرد ترميم ما هدمته الحرب، بل بناء اقتصاد زراعي متكامل يعوض خسائر الماضي.

المحور السادس: الدستور:

يتم تخصيص هذا المحور لصياغة ومناقشة الدستور وآليات إجازته، وضرورة وجود تصور لدستور السودان بدون تحديد تاريخ زمني (فلا نقول دستور 1956، أو 1973، أو 2005)، بل يكون دستور السودان مجردًا من الزمن، بحيث لا يتكرر الاشتباك والنقاش العقيم حوله من جديد، بل يتم الاعتماد على مقترح دستوري جاهز ومدروس يتم عرضه وفق آليات إجازة محددة واضحة المعالم. غياب الدستور يعد السبب الجذري والأساسي لمشاكل السودان، وحين يوجد دستور جامع يضم كافة هذه المحاور، سيتمكن الناس من التعايش والعمل من خلاله.

بعد الحوار والنقاش حول هذه المحاور الستة السابقة نصل إلى «المخرجات»، ويبدأ بعدها البحث عن آليات تنفيذ وإجازة هذه المخرجات.

في الختام، والخلاصة نقول: هنا في تلك الحالة توجد قوة صديقة وحميدة ومواكبة وموائمة لك في الحوار.. لكن طبيعة البشر في السودان أنهم يريدون السلطة والثروة، الآن من يملك السلطة والثروة لا يريد التخلي عنها وإفساح مساحة للآخرين، وهذا من حقه. في نفس اللحظة نجد القادم يبحث عن نفس السلطة والثروة، بأن يأخذ جزءًا منها بأي طريقة.. والسبيل الأمثل لضمان نجاح هذه العملية يكمن في إرساء مبادئ الشفافية، والممارسة الديمقراطية، والاستحقاق المؤسسي لها.

الأهم من ذلك كله هو القدرة على الفرز الاستراتيجي بين «الصديق» و«العدو»؛ فالعدو غالبًا ما يتخفى في بنية مجتمعية مأزومة كـ«خميرة عكننة» تعمل على استمرار حالة الفشل وعدم الاستقرار ومواصلة الإخفاق. ومن ثم، يتطلب الأمر أن تعرف صديقك الذي يساعدك في إنفاذ المخرجات وهو من المانحين والداعمين الحقيقيين للعملية الديمقراطية، وأيضًا تعرف عدوك، وتقوم بتحصين المجتمع في مواجهة تلك القوى العدائية التي تعيق المرحلة ومسيرة التوافق، لضمان الانتقال السلس والمستدام.

– في المقال المقبل: النقاش حول خارطة ولوائح اللجنة، وتحديد الأماكن والأزمنة الخاصة بانعقاد الحوار، ودور الإعلام كأداة بالغة الأهمية في إنجاح الحوار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى