موسوعة الأعمال المسرحية السودانية الشاملة..

قراءة أولى
السر السيد
جاء مقتل موسوعة صديقنا الأستاذ عبد الله الميري، ومن ثم مقتله شخصياً، وفي الصميم من اختياره لهذه الفترة الطويلة في مسيرة المسرحيات السودانية (1881–2015م)، ومن أنه تصدى، وبمفرده، لهذه المهمة الجليلة الصعبة.
الموسوعة من إصدارات وزارة الثقافة عام 2015م، وتمت إجازتها من أسماء لامعة في حركة المسرح السوداني، هم الأساتذة: إبراهيم حجازي، وعبد اللطيف الرشيد، وحسبو محمد عبد الله، ود. عبد الحفيظ محمد أحمد، وعمر الخضر، وعبد العظيم أحمد عبد القادر، وحاتم محمد علي. وقدم العون لمعدها، كما أشار هو، الأساتذة: مكي سنادة، وقاسم أبو زيد، ود. صالح عبد القادر، وكتب مقدمتها د. أبو القاسم قور.
كتب عبد الله الميري في الصفحة 13، وهو يمهد لموسوعته:
باطلاعي على كتاب د. علي الراعي الذي يؤرخ للمسرح في الوطن العربي لاحظت العديد من الأخطاء في أسماء رواد الحركة المسرحية وعلى مستوى أسماء بعض المسرحيات، وعلى سبيل المثال يرد اسم “الفكي عبد الحميد” والصحيح هو “الفكي عبد الرحمن”، ويذكر “محمد السراج أبو قبورة”، حتى اسم كاتب المقال الذي اعتمد عليه كمرجع يورده خطأ، حيث يذكر “بدر الدين حسين” ومرة أخرى “بدر الدين حسن”، وعلى مستوى المسرحيات يذكر مسرحية “أبو فراس” للفاضل سعيد والصحيح هو “أبو فانوس”، ويذكر مسرحية “الملك نمر” والصحيح “المك نمر”… إلخ».
وجاء في كلمة الناشر، التي كتبها وزير الثقافة شخصياً الأستاذ الطيب حسن بدوي:
«.. ويأتي هذا العمل الكبير كتتويج لهذا الجهد المستنير والذي يوثق للأعمال المسرحية، نقف بجانبه اهتماماً من وزارة الثقافة برعاية وحفظ ذاكرة المسرح في السودان .. نأمل أن يفيد الباحثين والمهتمين والدارسين للمسرح في السودان، بخاصة وقد حرصنا أن يراجعه ويصححه شهود العصر من رواد المسرح وأساتذته والمبدعين والأكاديميين».
بهذه الأسماء، وبإفادات الذين أجازوها تحديداً، مهدت الموسوعة لمشروعيتها، فحظيت بما لا تستحق، ونعني هنا حق النشر. فبهذه الإجازة، كما أرى، تم تضليل وزارة الثقافة والجهة المختصة في منح رخصة النشر.
أما من ذكرهم معد الموسوعة بأنهم أعانوه على هذا الجهد، فأمر فيه نظر، خاصة إذا علمنا أنهم من ضمن كثيرين أصابهم الضرر المعنوي من هذه الموسوعة.
فمكي سنادة لم تُذكر بعض أعماله، لا التي شارك فيها ممثلاً ومخرجاً، ولا التي أُنتجت تحت إدارته وإشرافه، بل حتى الذي تم ذكره لم يسلم من أخطاء التاريخ أو مكان العرض؛ وقاسم أبو زيد نسبت الموسوعة بعض الأعمال التي أخرجها إلى آخرين، كمسرحيتي «السديم» و«حب على الطريقة السودانية»، فقد نسبتهما الموسوعة للمخرج جلال بلال. هذا غير الأخطاء في أسماء مؤلفي وعناوين وتواريخ وأماكن الكثير من المسرحيات التي أخرجها.
فمثلاً نسبت الموسوعة مسرحية «مسافر ليل» للشاعر محمد محيي الدين، بدلاً عن مؤلفها صلاح عبد الصبور.
أما د. صالح عبد القادر، فقد غضت الموسوعة النظر عن الكثير من أعماله ممثلاً ومخرجاً، ويكفي أن نشير إلى مسرحيتي «الجرح والغرنوق» و«بيان هام من عجائز السودان». وحتى مسرحية «أنتجونا» التي أخرجها وذكرتها الموسوعة، جاء اسم مؤلفها خطأ؛ فبدلاً عن سوفوكليس، نسبت إلى إسخيلوس، كما أوردت تاريخاً خاطئاً لعرضها؛ فقد عُرضت المسرحية في 2005م، بينما ذكرت الموسوعة أنها عُرضت في 1996م.
لعل أكثر ما يضعف هذه الموسوعة أنها جاءت مفارقة لأيٍّ من المناهج المتعارف عليها في كتابة الموسوعات، الأمر الذي يجعلك، إذا أردت أن تبحث عن أي مسرحية، تقرأ الموسوعة كلها.
كما أنها، أي الموسوعة، لم تلتزم بالعناصر التي حددتها للتعريف بالمسرحية؛ ففي حالات تذكر مكان العرض، وفي حالات لا تذكره، كما في حالتي مسرحية «الناس الركبو الطرورة» ومسرحية «الكنداكة». وفي حالات تذكر اسم المعد، وفي حالات لا تذكره، كما في حالتي مسرحية «دومة ود حامد»، فهي تقول: تأليف الطيب صالح، وتنسى المعد، ومسرحية «الرجل النملة»، فهي تقول: تأليف يوسف إدريس، وتنسى المعد.
أيضاً، الموسوعة، في أحيان كثيرة، تورد أسماء بعض المسرحيات خطأ؛ فتسمي مسرحية «حكاية تحت الشمس السخنة»: «حكايات تحت الشمس السخنة»، وتسمي مسرحية «المهدي في ضواحي الخرطوم»: «المهدي في ضواحي المدينة»، وتسمي مسرحية «أصل الأزمة»: «أصل الأزمنة».
ومما نلاحظه أيضاً أن الموسوعة تصادر حقوق البعض في التأليف والإخراج والتمثيل والديكور، وفي الوقت نفسه تمنح آخرين حقوقاً ليست لهم؛ فقد نسبت لعلي البدوي المبارك إخراج مسرحية «تيراب أهلنا»، وهي من إخراج عبد الحليم محمد إبراهيم، ونسبت التأليف في مسرحية «ود ضيف الله يأسف لما حدث» للمخرجة نجوى خيري، والصحيح أن مؤلفها هو إبراهيم سلوم، ونسبت التأليف في مسرحية «ديك الحاجة بهانا» لصلاح حسن أحمد، وهو لعادل محمد خير.
ونسبت لمجذوب عيدروس إخراج مسرحية «هذا يحدث في الخمس الخامس من القرن العشرين»، ومخرجها، كما هو معلوم، يحيى فضل الله؛ وعيدروس هو من أعدها. بل إن هذه الموسوعة جعلت من المخرج التلفزيوني الفاتح البدوي مصمماً للديكور، عندما نسبت له تصميم ديكور مسرحية «يا عبدو روق». والأدهى والأمر في هذا السياق أنها جعلت من منفذ الديكور الفاتح الطيب مصمماً للديكور وصاحب أكبر عدد من المسرحيات، متفوقاً حتى على صالح الأمين وصلاح العبيد.

أما فيما يخص تواريخ العروض، فحدث ولا حرج. فعلى سبيل المثال، تورد الموسوعة مسرحية «أبيض وأسود» دون ذكر تاريخ العرض ودون ذكر مكانه، وتورد أن تاريخ عرض مسرحية «بيت بت المنى بت مساعد» عام 1994، والصحيح أنها عُرضت عام 1987م.
إلا أن الأسوأ في هذه الموسوعة هو أنها نهضت، في معظمها، على النقل المباشر من بعض المصادر، ككتاب «الحركة المسرحية في السودان 1967–1987» للبروفيسور سعد يوسف وعثمان علي الفكي، وكتاب «ذاكرة لا تخبو – مهرجان البقعة المسرحية 2000–2012م» للسر السيد، وكتاب «حصاد العام 2005م» الذي أصدرته الأمانة العامة، ومراجع أخرى لا يسع المجال لذكرها؛ ومما يؤسف له هنا أنها لم تشر إلى هذا النقل، واكتفت فقط بذكر هذه المصادر في نهاية الموسوعة، وهو ما يعد تمويهاً أكثر منه تثبيتاً للمصادر، خاصة أنها أغفلت ذكر كتاب «حصاد العام 2005م» ضمن مصادرها، مع أنها نقلت منه، وبنقصانه في بعض العناصر، وبالتعليقات المصاحبة لكل عرض، حوالي خمسين مسرحية.
إن «موسوعة الأعمال المسرحية السودانية الشاملة» لم تكن موسوعة؛ فهي مفارقة لكل الطرائق المعروفة في كتابة الموسوعات، ولم تكن شاملة؛ لأنها عجزت حتى عن تغطية المسرحيات التي عُرضت في ولاية الخرطوم، فقد أسقطت عشرات المسرحيات، حتى تلك التي عُرضت في المسرح القومي وفي المهرجانات المسرحية. كما عجزت عن تغطية المسرح في ولايات السودان المختلفة، وما أتت به في هذا المجال فقير ومحدود ولا يمثل تجارب تلك الولايات.
هذا إضافة إلى أنها تحتشد بمئات الأخطاء في أسماء المسرحيات، وأسماء المؤلفين، وأسماء المخرجين، وأسماء الممثلين والفنيين، وتواريخ وأماكن العروض.
وتحتشد كذلك بتكرار اسم المسرحية أكثر من مرة؛ فقد وصل بالموسوعة أن تذكر مسرحية «انتصار الأبيض» وحدها في أربعة مواضع، وهذا دليل دامغ على غياب المنهجية، والذي من بعض نتائجه أنه قدم زيادة مزورة في عدد الأعمال المسرحية التي حوتها الموسوعة، وهو فعل لا يليق.
خلاصة القول، إن ما أوردته في هذه القراءة الأولى من ملاحظات يأتي على سبيل المثال لا الحصر، إذ إنني وقفت على عشرات الأخطاء في كل عنصر من العناصر التي حددتها الموسوعة للتعريف بالمسرحية.
وتبقى تساؤلاتي المشروعة: هل قرأها بالفعل الذين أجازوها؟ أولئك الذين وصفهم الأخ الوزير في كلمته بشهود العصر والأساتذة والمبدعين والأكاديميين؟
أنا أشك في ذلك، ودليلي أن بعض مسرحياتهم الواردة في الموسوعة، دعك من مسرحيات الآخرين، لم تسلم من خطأ هنا وهناك.
وهنا أتساءل: من هو المسؤول؟ هل هو الذي أعدها؟ أم الذي أجازها؟ أم الذي نشرها؟ أم الذي منحها رخصة النشر؟ ثم ما هو القرار المناسب حيالها؟؟؟.





