حكاية من بيئتي (40)السُّدانيون

محمد احمد الفيلابي

نظرت في وجهي ملياً، وقالت بين المزاح والقهر الظاهر..

كنا بنعرف نملا الدلو من البير، ونملا الجردل من الكرجاكة، ونملا الزير، ونملا يومنا من تصبح لما تمسى بالمراوحة، وبالخدمة والحكايات. كنا قادرين نملا قلوبنا بالمحبة والمطايبة، ونملا ذاكرات تلاميذنا بالمعرفة، ونشعل مخيلاتهم بالأفكار. وبعد طارت أفكارنا بقينا علينا نملا الاستمارات الما بتكمل بالبيانات، ونملا يومنا بالانتظار في الصفوف.

كان المعبر يعج باللاجئين السودانيين بين ذاهب وآيب. وهذه المعلمة المعاشية تقول إنها ستعود ولو لم تجد شيئاً مما قيل إنها ستجد.

انشغلنا بمساعدة من تحلقوا حولنا في تعبئة الفورمات التي جاء بها الموظف المتجهم. وما أن فرغنا حتى انتحيت جانباً لأكتب.. عنا.

السُّدانيون..

ليست خطأً كتابياً، ولم تسقط الواو سهواً، ولا هي من تلك الحِيَل التي تمارسها علينا الأجهزة الذكية حين تعبث بكلماتنا، فتخرج رسائلنا المكتوبة على عجلٍ مشوّهة ومحرجة في أحايين كثيرة. أعني الكلمة كما هي، وأعني السؤال الذي ظلّ يطاردني مثل ظلٍّ لا يريد أن ينفصل عن صاحبه..

هل يجوز لنا أن نقول إن السودانيين قد صاروا سُدًى؟

السُّدى في اللغة هي الناقة التي تنقطع منافعها، فلا يُرجى منها حليب ولا حبل ولا حمل، ولا يُؤكل لحمها، يقودها العرب إلى الصحراء، ويوثقونها وثاقًا غير مُحكم، ثم يرحلون عنها. وبعد حينٍ تفك وثاقها، وتظلّ تهيم في الفلاة إلى آخر عمرها، لا هي مُلك أحد، ولا هي في حماية أحد، ولا تعرف إلى أين تمضي.

والسُّدى تعني الإهمال والترك بلا فائدة أو هدف. ومنها جاء القول الشهير “ذهب عمله سُدى”، أي بلا جدوى. وورد في القرآن الكريم: “أيحسب الإنسان أن يُترك سُدى” سورة القيامة- الآية (36)، أي مهملاً بلا أمر ولا نهي، بلا حساب ولا غاية. لكنني حين أنظر إلى حال السودانيين في السنوات الأخيرة، أرى أن السُّدى لم يعد مجرّد كلمة في كتب اللغة، بل صار حالةً جماعية. ملايين الناس الذين تُركوا بلا حماية، يهيمون على وجوههم في بلاد الآخرين، تتقاذفهم المطارات والحدود، وتضيع أعمارهم بين الانتظار والنجاة، حتى كأن حياتهم نفسها قد ضاعت سُدى.

أسأل.. أينه ذلك الطفل الذي كان يجري خلف الطيور؟

فأجده قد صار يجري خلف فرصة عبور.

وذلك الشيخ الذي كان يجلس تحت شجرة النيم، أو في ظل حائط ينتظر أبناء السبيل فيدعوهم لتناول لقمة أو جرعة ماء، فأجده متكوماً تحت إطارات سيارة نقل ضخمة، أو تحت الشمس في مكان لا يعرف اسمه، ينتظر من يجود عليه بجرعة يقين أو معرفة، أو حتى أن يلقي عليه السلام.. السلام الذي ضاع، كما ضاعت حياة الملايين سدى.

السدانيون أو السودانيون، وبكل ما عرف عنهم من طيبةٍ وصلابةٍ وابتسامةٍ لا تموت، صاروا مثل تلك الناقة السُّدى مُطلقين في الصحراء الكبرى للعالم، بلا وثاقٍ يحميهم، وبلا يدٍ تُمسك بهم، وبلا طريقٍ واضحٍ يعودون إليه. لكنّ الفرق الوحيد، أن الناقة السُّدى تهيم حتى تموت، أما السودانيون، فمهما طال التيه، يظلّ في قلوبهم خيطٌ من حكاية يشدّهم إلى الأرض الأولى، إلى البيوت التي تهدمت، وإلى القرى التي تنتظرهم، وإلى اليقين الذي لم يتركهم سُدى، مهما بدا الأمر كذلك، وأنهم سيفكون عقالهم ويعودون.

ماذا تكتب؟

فاجأتني بالسؤال.. والعيون المليئة بدفء افتقدته زمناً.

أكتب عنا.

لم تكن تنتظر إجابة عن سؤالها، فقد كانت تدرك أنه ما أحد يجلس جلستي تلك ويكتب، إلا في ذات الشأن الذي يشغلها. ومن كراسة كانت في حجرها نزعت عدة أوراق مدّتها لي..

هاك.

أدهشتني الكلمات التي لا تكاد تلامس الخطوط الأفقية للورقة.. وكأني بها تسبح.. حروف منمّقة.. تذكر بطبشورة المعلمين المبدعين حين ترقد على السطح الأسود في ثقة واعتزاز..

وقرأت..

“ثمة فخٍّ خفيّ لا يُصدر ضجيجاً، فخٌّ لا يبدو قبيحاً من الخارج، بل يتنكّر في زيّ الاستقرار، خمول نفسي يتسلل إلى الروح حين تكفُّ الأيام عن إدهاشنا وتتحول إلى نسخ باهتة. هذا هو اليوم السابع في هذا المعبر اللعين.. وهي تجربتي الثانية. في المرة الأولى كنت خائفة مما أجبرني على أن أترك ورائي كل ما أعرف وأعشق. وفي هذه المرة، وأنا أعي أني لن أجد ما تركته قبل عامين.. لكني سأعود بعد أن أحسست مذلة لم تحدثنا عنها كتب التاريخ والاجتماع، ولم ترد بين سطور الاتفاقيات الدولية الباردة الكلمات.

يقتلك الشعور بأن الحياة فقدت بريقها، وأنك بين جدران الغير، تحس أن الأيام باتت تتشابه، وأن الإنسان لم يعد يملك شيئاً من مقومات الحياة المستقرة، ومع شعوره الدائم بمرارة خفية، يحاول أن يتماسك، وأن يجد حبلاً يعلق عليه أسمال أحلامه، والتي تمحورت في العودة.. فقط العودة. نحن لا نعاني دائماً من مآسٍ كبرى، بل نعاني أحياناً من مرارات صغرى تصنع مآسٍ كبرى”.

من هذه؟

اختلست النظر إليها، فوجدتها قد غفت في جلستها تلك بين متاعها القليل. وعدت لأقرأ..

“هل كان أسلافنا يدركون، وهم يطحنون الأيام في حقولهم وتحت أسقف بيوتهم الطينية، أنهم لا يملكون سوى حياة واحدة؟ فقد عاشوا دون أن يصابوا بشيء من الكدر، وما عرفوا متلازمة الروتين الحاد التي تنهشنا الآن. لم تكن حياتهم باذخة، ولم تحاصرهم خيارات الترفيه، بل كانت أيامهم نسخاً متشابهة من الفصول والمواسم، ولم يكن لديهم ترف التحديق في حيوات الآخرين عبر الشاشات. لكن كانت لديهم دهشتهم التي تقيهم شر الإحساس بـ(الروتينولوجيا)”.

ومجدداً استرقت النظر إليها، كانت قد فارقت غفوتها، وأبقت على عيونها مغلقة، وشفاهها تتمتم بما توقعه أناملها على المسبحة الصغيرة في يدها. فعدت للقراءة..

” كانت دهشتهم تنبع من التفاصيل الصغيرة، قطرة مطر، نضوج ثمرة، ولادة حيوان أليف، أو من حديث دافئ حول موقد نار. لم يطلبوا من الحياة بهرجة وبهجة مستمرة، لقد تصالحوا مع إيقاع الطبيعة الرتيب، فرأوا في التكرار طمأنينة لا قيداً، وفي الرتابة سكينة للروح ومرساة تثبّت وجودهم.

إن كان لهم من الألم نصيب، فقد يكون ألماً خفياً، ألم بقاء وجسد، أما ألمنا فهو عطب في الروح، لكأن البشرية هربت من قسوة الطبيعة لتقع في أسر الفراغ والملل. لقد بتنا لا ندرك المعنى الحقيقي للحياة ونختصرها فقط في الماديات، وهو ما جعل من سنين عمرنا تمر بدون أن نشعر، فالحياة هي محبة واحترام وسلام. وبفقدان أي من هذه المعاني، تفقد الحياة طعمها”.

خلسة قمت بتصوير الأوراق في هاتفي، وقمت لأعيدها لها.. وإذا بها تباغتني..

صورتها؟-

نعم.. إنها كتابة مغايرة.. أعجبتني، وفتحت لي مسالك كتابة جديدة. من أين جئت بمصطلح (الروتينولوجيا)؟

حدثتني عن كتاب قرأته ضمن كتب كثيرة كانت تلتقطها من الأرصفة لتقطع بها ساعات الوحدة والاستيحاش. ورغم أن الكتاب واسمه (حياتك الثانية تبدأ حين تدرك أن لديك حياة واحدة) لم يعجبها، لكنها وجدت فيه -كما قالت – المصطلح الذي يساعد على تفكيك العادي، ويجعلك تنظر بشجاعة في دواخلك، وتحاول أن تجد الإجابة عن سؤال متى كانت آخر مرة فعلت فيها شيئاً جديداً للمرة الأولى؟ الأمر الذي عنى لها كما قالت خلع نظارة المألوف الرمادية وإعادة الألوان إلى الحياة. الحياة التي تستحق أن نعيشها بكامل دهشتها لا بكامل تكرارها.

من الذي سرق منا الأمان؟-

هو من سرق الوطن؟

ألم نفرط في وطننا بالقدر الذي جعل من السهولة أن يسرق منا؟

صمت، وأنا أنظر في هذه المرأة التي وضعها القدر في طريقي.

من المؤكد أنها تخطت الستين، لكنها ليست (سدى)، إذ ما زالت تحبل بالأسئلة، وتحمل هموم الآخر، وها قد أرضعتني (يقيناً)، حتى بات هذا المعبر، ليس عبوراً بين بلدين، بل بيني قبل ساعة من الزمن، وبيني الآن..

.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى