جيل الصمود

يوسف الغوث

حين اشتدّت العاصفة، وامتطت الحرب صهوة الأيام، وقفَ صغار السودان كالجبال، لم تلنهم ريح ولم تطفئهم دماء، ثم قالوا الشهادة يا وطنُ… وما الشهادةُ إلا باب للنجاة، فمضوا على درب العلم، ولو كان الدرب مفروشاً بالرمادِ والموت.

جلسوا إلى مقاعد الامتحان وقلوبُهم على نار، وأعينهم على الأفق الحزين.

بيوت هُدّت، ومدارس صارت ثكناتٍ ومراكزَ إيواء، شموعٌ ذابت وهي تحرس صفحة في كتاب مع غياب الكهرباء، وموت الضوءُ…

لقد حاصرتهم المدافعُ فما ركعوا، ونزفوا الألمَ صبراً فما جزعوا.

كتبوا بأقلامِهم أن الحربَ تغتالُ الحجر، لكنها لن تغتالَ الفكر. وأن العاصفةَ تقتلعُ الشجر، لكنها لن تقتلعَ الجذور.

تحية للمعلمِ الذي حملَ الرسالةَ في يده، ومشى بين الركامِ يزرعُ النورَ في كلِّ واد. رواتبُه انقطعت، ومواردُه جفّت، فتبرّع من كسرةِ خبزِه، وسقى طلابَه من روحِه، فالعلمُ أمانة، والعطاءُ في المحنِ شهادةٌ أخرى…

وفي الظلِّ الذي لا يراه التاريخُ كثيراً، وقفت الأمُّ… تلك الشمعةُ التي لا تنطفئ. وهي التي أيقظت ابنَها قبل الفجر، وناولته الكتابَ بيدٍ ترتجفُ من الجوعِ لا من الخوف. وهي التي سهرت تحرسُ نومَه، وتدعو في السرِّ أن يحفظَه اللهُ من رصاصةٍ طائشةٍ أو حزنٍ قادم.

لقد كانت تصنعُ من العدمِ وطناً صغيراً، ومن صوتِها الحنونِ درعاً واقياً.

إن الأمُّ في هذه الحربِ لم تكن حاضنة فقط، بل كانت مدرسة ومستشفىً ونبعاً من الحبِّ في جسدِ امرأة.

وإلى جانبها أبٌ جاد بكل ما يملك، فصنعا من العدمِ ملاذاً آمناً، فالفجرُ قادم لا محال وإن طالَ الطريق.

مباركٌ لكم يا جيلَ الصمود، يا من اخترتم أن تكونوا فجراً وسطَ هذا الليل الأسود. شهاداتُكم ليست أوراقاً… بل أوسمةُ شرفٍ من نور. فسودانُ الغدِ يُبنى على سواعدِكم، ويقفُ على أكتافِكم.

يا شموعاً أبت أن تنطفئَ في وجه العاصفة، فالريحُ مهما عتت، سيبقى الضوءُ ثابتاً ما دام فيكم نفسٌ يتنفسُ الوطن……..

دمتم ذخراً للوطن…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى