إضراب المعلمين.. صورة لتخلي الدولة عن واجباتها

أفق جديد
أعلنت لجنة المعلمين السودانيين الدخول في إضراب شامل عن العمل يومي الأربعاء والخميس، الموافقين 21 و22 أكتوبر 2026، احتجاجًا على ما وصفته باستمرار تجاهل السلطات لمطالب المعلمين وتخلي الدولة عن واجباتها تجاه التعليم والعاملين فيه، داعية المعلمين والمعلمات في الولايات والمحليات إلى الالتزام بجدول الإضراب والتماسك من أجل انتزاع حقوقهم.
وقالت اللجنة، في بيان بشأن الإضراب، إن وحدة صفوف المعلمين تمثل «الخيار الأقوى لنيل الحقوق وضمان كرامة المعلم واستقرار العملية التعليمية»، مؤكدة أن التنصل الحكومي من الالتزامات المالية والخدمية لن يثنيها عن مواصلة تحركها النقابي.
وفي الواقع، ومع تفاقم تداعيات الحرب، لم تعد معاناة المعلمين تقتصر على مشقة الوقوف أمام السبورة ومحاولة مواصلة رسالة التعليم في بلد أنهكته الحرب، بل امتدت إلى معركة يومية لتأمين لقمة العيش ومواجهة تكاليف الحياة المتصاعدة، في وقت تتعثر فيه المرتبات والاستحقاقات المالية وتتراجع قدرة كثير من المعلمين على الوفاء باحتياجات أسرهم الأساسية.
بين مدارس تحاول استعادة دورها وسط تداعيات الحرب، وأسر تنتظر راتبًا لا يكاد يكفي لتغطية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، يجد المعلم نفسه محاصرًا بين واجبه المهني واحتياجاته المعيشية المتفاقمة.
رواتب لا تواكب تكاليف الحياة
وتكشف الأرقام المتداولة بشأن رواتب المعلمين حجم التحديات التي تواجه العاملين في قطاع التعليم، إذ تتراوح الرواتب الأساسية، وفق البيانات المقدمة، بين 110 جنيهات للدرجة التاسعة و205 جنيهات للدرجة الأولى، بينما يبلغ راتب الدرجة الثانية 196 جنيهًا، والثالثة 182 جنيهًا، والرابعة 173 جنيهًا، والخامسة 150 جنيهًا، والسابعة 130 جنيهًا، والثامنة 120 جنيهًا.
وتشير هذه الأرقام إلى فجوة كبيرة بين الدخول المحدودة والاحتياجات المعيشية المتزايدة، في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والمواصلات والخدمات الأساسية، فضلًا عن تداعيات الحرب التي أضعفت مصادر الدخل ووسّعت دائرة الفقر، وجعلت تأمين الاحتياجات اليومية تحديًا يواجه شرائح واسعة من السودانيين. وتزيد الاستقطاعات المالية من الأعباء التي يتحملها المعلمون؛ إذ تشير البيانات المقدمة إلى خصومات للنقابة والاتحاد وصندوق دعم الطلاب تبلغ نحو 6,800 جنيه.
ولا تقف الأزمة عند حدود ضعف الأجور، بل تتصل كذلك بتأخر صرف المرتبات والاستحقاقات، وما يترتب على ذلك من صعوبات في تدبير نفقات المعيشة والوفاء بالتزامات الأسر، في وقت تفرض فيه الحرب واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا بالغ القسوة على المعلمين، شأنهم شأن قطاعات واسعة من العاملين في السودان.
الإضراب بين انتزاع الحقوق ومخاوف الانقسام

ويرى المعلم بالمرحلة الابتدائية مصعب عبد الله أن الإضراب يمثل وسيلة ضغط معروفة ومجربة في المطالبة بالحقوق، لكنه يحذر من أن تسييس العمل النقابي قد يؤدي إلى انقسام المعلمين وإضعاف قدرتهم على التحرك الجماعي.
وقال عبد الله لـ«أفق جديد» إن بعض المعلمين ينظرون إلى لجنة المعلمين باعتبارها جهة ذات ارتباط سياسي بقوى «الحرية والتغيير»، بينما يتبنى آخرون تصورات مماثلة تجاه النقابة، وهو ما قد ينعكس على مستوى المشاركة في الإضراب ومدى استمراره.
وأضاف أن المعلمين قد يشاركون في الإضراب لأيام معدودة، قبل أن تواجههم ضغوط من السلطات تدفع بعضهم إلى التراجع، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب تقديره، إلى تراجع فعالية الإضراب وتحوله إلى خطوة محدودة الأثر، بدلًا من أن يشكل وسيلة ضغط مستمرة لتحقيق المطالب.
وتسلط هذه المخاوف الضوء على التحديات التي تواجه التحركات النقابية في ظل الحرب، حيث تتداخل المطالب المهنية والمعيشية مع الانقسامات السياسية، بينما تتزايد الحاجة إلى توحيد الجهود حول قضايا الأجور والاستحقاقات وتحسين أوضاع المدارس والمعلمين.
اللجنة تتمسك بمطالبها
في المقابل، أكد المتحدث الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، تمسك اللجنة بمطالبها، مشيرًا إلى أنها رفعتها إلى الجهات المعنية وتنتظر رد الحكومة بشأنها.
وقال الباقر لـ«أفق جديد» إن مطالب المعلمين واضحة، وإنهم متمسكون بها إلى حين تحقيقها، في إشارة إلى استمرار التحرك النقابي للمطالبة بالحقوق المالية والخدمية التي تقول اللجنة إن العاملين في القطاع ينتظرون الوفاء بها.
ويأتي الإضراب في وقت يواجه فيه قطاع التعليم تحديات واسعة بفعل الحرب التي ألقت بظلالها على استقرار العملية التعليمية وأوضاع العاملين فيها، لتتجاوز الأزمة مجرد الخلاف بشأن المرتبات إلى أسئلة أكبر تتعلق بقدرة الدولة على حماية التعليم وضمان الحد الأدنى من الاستقرار المهني والمعيشي للمعلمين.
وتتمحور مطالب لجنة المعلمين السودانيين حول إصلاح الأوضاع المالية والمهنية للعاملين في قطاع التعليم، بما يضمن لهم الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي والوظيفي في ظل تداعيات الحرب وارتفاع تكاليف الحياة.
وتطالب اللجنة بإصلاح الهيكل الراتبي بما يتناسب مع تكاليف المعيشة وصرف جميع المتأخرات والمستحقات المالية، مع الالتزام بانتظام صرف المرتبات في موعد أقصاه اليوم الخامس من كل شهر، إلى جانب تحقيق العدالة في الأجور والاستحقاقات بين الولايات، ومعالجة أوضاع المعلمين في إقليمي دارفور وكردفان، اللذين تأثرا بشدة جراء استمرار الحرب وتداعياتها.
ولا تقتصر المطالب على الجوانب المالية، بل تمتد إلى مستقبل التعليم الحكومي، إذ تدعو اللجنة إلى حمايته من الانهيار لصالح التعليم الخاص، وصون حق المواطنين في الحصول على التعليم العام باعتباره حقًا أساسيًا لا ينبغي أن تحدد القدرة المالية للأسر فرص الحصول عليه.
وتعكس هذه المطالب، في مجملها، اتساع الأزمة التي تواجه المعلم السوداني، بين تدني الأجور وتأخر الاستحقاقات والتفاوت في الأوضاع بين الولايات، فضلًا عن المخاوف من تراجع قدرة التعليم الحكومي على الاستمرار في أداء دوره، في وقت تزداد فيه حاجة الأطفال والأسر إلى خدمات تعليمية مستقرة رغم ظروف الحرب.
معركة المعلم من أجل البقاء
وبين مطالب لجنة المعلمين بتحسين الأوضاع المالية والخدمية، ومخاوف بعض المعلمين من انقسام الصف النقابي وتراجع تأثير الإضراب، تبقى الأزمة المعيشية القاسم المشترك الذي يثقل كاهل العاملين في القطاع. فالمعلم الذي يُنتظر منه أن يحافظ على استمرارية التعليم ويمنح الأطفال فرصة للتعلم وسط الحرب يواجه بدوره صعوبة في تأمين احتياجات أسرته، في مفارقة تختصر جانبًا من الخسائر الاجتماعية التي خلفتها الحرب.





