السودان إلى أين؟..دولة تقف على حافة المجهول

الهادي الشواف
ليس السؤال الذي يواجه السودان اليوم هو متى تنتهي الحرب، بل أي سودان سيبقى بعدها، وبأي قدر من التماسك وإمكان استعادة الدولة، فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 تحولت إلى أزمة تاريخية تتداخل فيها حسابات الداخل مع مصالح الخارج، فيما يدفع المجتمع الكلفة الأكبر من القتل والجوع والنزوح وانهيار الخدمات.
ورغم اتساع القتال وتطور أدواته، لم يحقق أي طرف حسمًا يفتح طريقًا واضحًا للخروج، وكلما طال أمد الحرب ازدادت المصالح المرتبطة باستمرارها، وتراجعت فرص التسوية، وأصبح إنهاؤها أكثر تعقيدًا من إشعالها.
الحرب التي تأكل أهداف أصحابها:
لا يمكن فهم إصرار بعض دوائر الحركة الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق على استمرار الحرب بمعزل عن خشيتها من عواقب وآثار الحرب على بنية المجتمع، فشهوة السلطة جعلت البصيرة عندهم، إن وجدت، فإنها في حال انسداد أعمى، وأي تفكير لإيقاف الحرب ينظر إليه من قبلهم بأنه مهدد لشبكات المصالح التي تشكلت خلال عقود.
لذلك قد تتحول الحرب إلى وسيلة لتأجيل الحساب السياسي، لكن هذا الرهان يتجاهل أن الحروب لا تحمي بالضرورة الأنظمة التي تشعلها؛ فقد تقوض الاقتصاد والمؤسسات، وتوسع الفجوة بين المجتمع والسلطة، فتجعل كلفة النصر العسكري البعيد المنال أعلى من قدرة أي طرف على استثماره سياسيًا، وهكذا يستنزف الطرفان قدرتهما على الحسم من دون أن يتحول الاستنزاف تلقائيًا إلى استعداد للتفاوض.
من الرصاص إلى المسيرات:
يشير اتساع استخدام الطائرات المسيّرة إلى تحول نوعي في الصراع، فلم تعد المواجهة محصورة في الجبهات التقليدية، بل أصبحت المنشآت الحيوية والبنية التحتية والمناطق البعيدة عن خطوط القتال معرضة للخطر.
وتخفض المسيرات كلفة الضربات على منفذيها، لكنها ترفع كلفتها الإنسانية والاقتصادية على المجتمع، وتفتح المجال أمام شبكات إمداد وتسليح أكثر تعقيدًا، كما أنها تزيد احتمال تحول الحرب إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وتزداد الحاجة إلى التمويل والخبرة الفنية والدعم الخارجي، لذلك لم يعد وقف الحرب مرتبطًا بإرادة طرفيها وحدهما.
مصالح متقاطعة وسيادة تتآكل:
أصبح التدخل الخارجي أحد محددات الأزمة بحكم موقع السودان وحدوده وارتباطه بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي وحوض النيل، وأي تدخل عسكري، بما في ذلك الضربات التي تستهدف مناطق التعدين التقليدي إذا ثبتت مسؤولية جهات خارجية عنها، يثير أسئلة حول السيادة وحماية المدنيين وإدارة الموارد، فالموارد التي يفترض أن تمول التنمية في البلاد تتحول إلى مصدر لتمويل الحرب وشبكات الاقتصاد غير المشروع.
وتستطيع القوى الخارجية، رغم اختلافها حول مستقبل السودان، إطالة الحرب حين تتعارض مصالحها مع التسوية، لذلك لا يكفي المطالبة بوقف القتال فقط، بل يجب تحويلها إلى ضغط سياسي ودبلوماسي يربط وقف الدعم العسكري بفتح الممرات الإنسانية وفرض تفاوض ذي ضمانات واضحة.
الجوع: الوجه الآخر للهزيمة:
تكشف الكارثة الاجتماعية حدود الحرب أكثر مما تكشفه الجبهات، فارتفاع الأسعار وتعطل الأسواق والنزوح وتدهور الصحة والتعليم كلها مؤشرات على أن الحرب تقوض قدرة المجتمع على استعادة حياته مستقبلًا.
وتزداد المخاطر مع تعثر الموسم الزراعي واضطراب سلاسل الإمداد وصعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم، وإذا استمر القتال وتراجعت المساعدات الإنسانية، فإن خطر المجاعة واتساع انعدام الأمن الغذائي سيصبح أكثر إلحاحًا.
ولا يمثل الجوع نتيجة جانبية فقط؛ فقد يتحول إلى أداة ضغط وإلى عامل يعيد هندسة المجتمع، فحين ينشغل الناس بتأمين احتياجاتهم الأساسية تتراجع قدرتهم على التنظيم والمطالبة بحقوقهم، بينما تنمو شبكات اقتصاد الحرب والمتكسبين منها مستفيدين من الندرة وانهيار الرقابة.
وقد تكون أخطر الخسائر ما لا يظهر في إحصاءات القتال.. تفكك النسيج الاجتماعي، وفقدان الأطفال للتعليم، وضيق فرص العمل، وتراكم الخوف، وانتشار خطاب الكراهية والرغبة في الانتقام.
لماذا تتعثر المبادرات؟:
يكشف فشل المبادرات المتعاقبة أن المشكلة ليست في نقص الوساطات، لكنه يكمن في غياب الشروط التي تجعل التسوية أكثر جاذبية من استمرار الحرب مع غياب الضغط الفعال، فعندما يعتقد كل طرف أن الوقت سيمنحه مكاسب إضافية يصبح التفاوض مناورة لا قرارًا سياسيًا.
لكن أي جهة ترفض التفاوض الجاد من دون تقديم بديل قابل للتحقق تراهن بمصير البلاد على احتمالات عسكرية غير مضمونة، فالتفاوض ليس مكافأة لطرف ولا اعترافًا بشرعية مطلقة لآخر، ولكنه ضرورة لوقف الكارثة الإنسانية وضمان حماية المدنيين وضرورة وصول الإغاثة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ومنع إعادة إنتاج الاستبداد.
السودان إلى أين؟ ثلاثة مسارات محتملة:
المسار الأول: استمرار الاستنزاف. قد يستمر إذا واصلت الأطراف الاعتقاد بأن الزمن يعمل لمصلحتها، وسيؤدي ذلك إلى تفكك المؤسسات واتساع اقتصاد الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية وتكريس مناطق نفوذ يصعب جمعها لاحقًا تحت سلطة وطنية واحدة.
المسار الثاني: تسوية اضطرارية. قد تنشأ عندما تصبح كلفة الحرب العسكرية والاقتصادية أعلى من كلفة التنازلات المتبادلة، لكن وقف إطلاق النار وحده لن يصنع سلامًا؛ إذ قد يتحول إلى هدنة هشة ما لم يرتبط بترتيبات أمنية قابلة للمراقبة ومسار سياسي مدني وضمانات تمنع العودة إلى القتال.
المسار الثالث: إعادة بناء جبهة وطنية. وهو الأصعب في الانقسامات والأكثر ضرورة، ويبدأ بتحويل القوى المدنية والمجتمعية والنقابية والمهنية إلى كتلة مستقلة عن طرفي الحرب، وتكون قادرة على صياغة مشروع لإنهائها واستعادة الدولة وبناء مؤسسات مهنية ودستورية ومعالجة جذور الحرب والصراع على السلطة والموارد.
ولا يكفي إعلان موقف أخلاقي لتجاوز موازين القوة؛ فهذا المسار يحتاج إلى تحالف واسع وتوحيد على أساس الحد الأدنى من المطالب وآليات ضغط داخلية وخارجية ورؤية واقعية للانتقال السياسي والعدالة وإعادة الإعمار.
الخروج من المجهول:
يجب التأكيد على أن مستقبل السودان لا يحدده السلاح، ويظل الرهان على قدرة السودانيين على التوحد لاستعادة السياسة من قبضة العسكر، والدولة من شبكات المصالح، وتحرير البلاد من خطاب الكراهية والانقسام.
في هذا السياق يفرض السؤال «السودان إلى أين؟» اختيارًا تاريخيًا.. إما استمرار الحرب حتى تصبح التسوية مستحيلة أو باهظة الكلفة، وإما تحويل الكارثة إلى مراجعة وطنية تضع حياة السودانيين وحقهم في دولة مدنية آمنة فوق حسابات الجنرالات وشبكات المصالح.
إن الخطر الأكبر ليس أن يخرج السودان من الحرب ضعيفًا ومنهكًا، إنما كل الخوف أن يخرج منها بلا دولة، وبلا مشروع وطني، وبلا قدرة على تخيل مستقبل مشترك بين أبنائه.. فحلم السودانيين في دولة مدنية ديمقراطية تستعيد ثقة الناس وحقهم في الحياة والحرية والسلام والعدالة والمساواة والمواطنة دون تمييز.





