من حكاوى وقصص أم درمان

الكمدة بالرمدة

أمير احمد السيد

أمير أحمد السيد

أقباط أم درمان:

تاريخ الأقباط في أم درمان تاريخ قديم وعظيم جدًا، وهي شريحة قدمت الكثير جدًا والمفيد للسودان ولشعبه، فكانت لهم أدوار عظيمة ومقدرة.

ومدينة أم درمان بطبيعتها الصوفية نشأت على المحبة واحترام الآخر، لذا لم يجد الأقباط صعوبة في الاندماج في مجتمعها، وكانوا من المنتجين، عملوا في مهن كثيرة جدًا ومختلفة، وهم من أسس السلك المحاسبي في السودان، وعملوا في التجارة والصناعات اليدوية، خصوصًا المنسوجات اليدوية، وأسهموا في ترقية أم درمان وتأسيسها والنهوض بها، بل وتأثروا بالمجتمع، أكلوا من أكله وشربوا من شرابه، وأخذوا من عاداته وتقاليده وأعرافه.

وأذكر أن العم جورج مشرقي كان قد حكى لي كثيرًا من القصص، أذكر منها أنه تزوج بطقوس سودانية خالصة: حنة وجرتك وكامل تفاصيل طقوس الزواج المعروفة، وللتاريخ، الرجل غاص في أعماق المجتمع السوداني، فكان قريبًا من الساسة ورجالات الحركة الوطنية، كما أنه كان قريبًا جدًا، بحكم تكوينه وجماله، من الفنانين والشعراء والملحنين والصحفيين والإعلاميين، وكانت له شبكة علاقات كبيرة جدًا، فأسهم في تعليم بعض شباب الأسر الفقيرة من حر ماله، ودأب على فعل الخيرات.

وأذكر أيضًا القصة الشهيرة لبولس القبطي، الذي أنشأ خلوة لتدريس أصول الفقه وتحفيظ القرآن الكريم في بيت المال، بعد أن استقطع جزءًا من منزله لإنشاء تلك الخلوة، والتي تولى التدريس بها الشيخ الفكي النور أبو حسبو، أحد مشايخة وعلماء الدولة المهدية، وبولس من رجالات الخدمة المدنية، عمل بالمخازن والمهمات، وهو نسيب الأستاذ الصحفي المعروف الفاتح جبره.

وحكاية شهيرة حكاها لي مؤذن جامع أم درمان الكبير، الشيخ أبو القاسم الخضر، عن توقف البناء في مسجد أم درمان الكبير بسبب نقص المال، فوقف الشاعر القبطي صالح بطرس، وارتجل أبياتًا من الشعر يقول مطلعها:

«أَيَّا مسجدًا مطلَتْ بنوه بعهده»

واستفزت تلك الأبيات سكان أم درمان، فقاموا بدفع المال، وخلع النساء مساغهن من أجل إكمال بناء المسجد، بل والتزم أقباط أم درمان بتشطيب المسجد وشراء الأبواب والشبابيك، وكانوا خير داعم.

ولا يفوتني أيضًا أن أذكر إبراهيم والمهندس عياد جرجس، اللذين كانا يرتديان الزي السوداني: جلباب وعمامة، وعُرفا في حي السيد المكي بفاضل الأخلاق، ورغم أنهما مسيحيان، إلا أنهما كانا يرفعان الفاتحة في بيوت العزاءات، أما الباشمهندس عياد جرجس فقد كان حافظًا للقرآن الكريم، وكثيرًا ما يستدل بآيات من كتاب الله، ذاكرًا اسم السورة ورقم الآية.

جورج مشرقي

وللأقباط أيضًا إسهام كبير جدًا ومقدر في دعم بناء وإعادة تأهيل مستشفى أم درمان، فقد أسهموا في إعادة التعمير والبناء، وكانت بصماتهم واضحة جدًا في أعمال البر والخير.

وأذكر أيضًا دكتورة أدلا شاشاتي، القادمة من دارفور، التي أقامت بها في طفولتها وصباها، تحمل عادات وتقاليد أهل دارفور، وما زالت تصنع طعامهم في منزلها كل يوم جمعة من أيام الأسبوع.

ويُعد أقباط أم درمان مواطنين صالحين جدًا، حيث لم تسجل لهم في سجلات الشرطة جرائم نهائيًا، لا جرائم سرقة ولا زنا، بل ظلوا أعضاء صالحين في مجتمعنا، عاشوا بيننا كأفضل البشر، وما زالوا.

لهم كل الحب والتقدير وفائق الاحترام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى