حكاية من بيئتي (45) .. كشمبيرة (سُمعة)

محمد احمد الفيلابي
بدأت صور ذلك الأصيل البعيد قبل أكثر من أربع سنوات تتَّضح في ذاكرة إسماعيل (سُمعة) من جديد.
يجلس اليوم في صف آخر من صفوف الغبش، تلك التي تنبأ بها ثنائي الطرب الشعبي، والشاعر الذي أراد أن يدعو جماهير الشعب للتماسك خلف القائد الرئيس (1)، الذي لم تنسَ ذات الأغنية أن تذكره بأن يكون حريصاً، ويواصل كفاحه في المضي بالوطن (إلى المهالك)، فاتحاً الطريق لمن جاءوا بعده، ليصلوا بنا إلى منتهى التهلكة، حدَّ كان الحريق.
كان الصف في زحفه ذلك الأصيل البعيد نحو نافذة تذاكر الاستاد مملاً، وضجيج الجماهير يثقب طبل أذن إسماعيل الصامت، الذي لا يمارس الصراخ إلا هنا، يأتي بكل أوجاعه ليفرغها هواءً ساخناً وسط الزعيق دون أن يلومه أحد، يسخط ويلعن مضمراً صورة من توجَّه إليه اللعنات. يضحك ويطلق صافرات الاستهجان والفرح والضحكات المغتصبة من بين أرتال الغبن، وكأنه الخارج من حمام نهري يعود إلى عمله إلى حين العودة التي قد لا تطول إلى هنا. كان في وقفته يراقب أحد باعة التسالي يتحرك في همة ونشاط بين الصفوف حاملاً طبق التسالي وتلك الآلة الخشبية ثلاثية القوائم (الكشمبيرة) (2)، ويوزع عبوات مفكِّكات الضجر وقلق الزحف، وعناء الوقوف الطويل. غير بعيد منهم نصب أحد المصورين حامل الكاميرا ثلاثي القوائم (الترايبود) (3)، وأمسك بعصا التوجيه محركاً الكاميرا (بان ليفت.. بان رايت.. تِلت أب.. تِلت داون)، أي أفقياً ذات اليمين وذات اليسار، ورأسياً أعلى وأسفل، ماسحاً الساحة، وراصداً الجموع الهادرة التي تقاطرت من كل فج عميق لمشاهدة لقاء القمة ذاك.
أكثر من أربعين عاماً و(سمعة) يزحف مع الزاحفين دون أن ينتبه للتشابه في هذه الحوامل، وتذكر الثالث سميك العصايات الذي يحمل (سقو) جده تحت تلك السنطة كثيفة الظل، تغشى تيارات الهواء الماعون الجلدي الكبير، فيرطب جلده المبتل ليبترد الماء، وكذا تلك الـ(سيبية) الأصغر يعلق عليها (السعن) (4) المترع باللبن، تحركه جدته لاستخلاص الزبدة التي تتحول إلى سمن بلدي شهي الطعم والنكهة، ويتبقى اللبن منزوع الدسم، ولفرط اندماجه استحلبت الذكرى غدد لعابه حين أحس طعم تلك (الغُباشة) في فمه.
كان زحف الصف بطيئاً، وكان المنظمون يومها قد ابتكروا فكرة تنظيم الجمهور في عدد من الصفوف لكل نافذة، يحرس الصفوف الجنود حملة السياط الجلدية، ويطوف حولهم راكبو الخيل (السواري). وبينما يعلو الضجيج كان (سمعة) في صمته يموضع حبات التسالي بين إبهامه وسبابته على ما تبقى من أسنان في مقدمة فمه. وفجأة قفزت إلى ذهنه صورة تلك الأثافي (5) الثلاث تعلوها مختلف الأواني حاملة ما يراد إنضاجه.
– برضها تلاتة والله.. حاجة عجيبة.
وضاعت كلماته في الضجيج، وكانوا قد اقتربوا كثيراً من النافذة، فتقاربت الصفوف. واشتعلت الفكرة في رأسه أكثر فأكثر.
– لو كانت اتنين كان الماعون انكفا… ولو كانت أكثر من تلاتة ما كان النار لقت الهوا والحطب البكفي، ولو طال واحد من قوائم حامل الكاميرا أو أقصر ظهرت الصورة مائلة. ولو واحد من قوائم الكشمبيرة كان أطول أو أقصر كان الطبق انكفا، وانكشح التسالي… دحين الدولة ما واقفة على تلاتة قوائم برضها (القطاع العام، والقطاع الخاص، والمدني)؟
– انت تبرطم تقول شنو؟ أمش يا زول بلا مدني بلا سنار..
جاءه الاحتجاج مصحوباً بلكزة قوية من خلفه، إذ كان قد توقف فيما خلت المساحة أمامه، وفجأة وجد نفسه ساقطاً على الأرض، وبعض الأقدام تتخطاه، ساعده البعض على النهوض، واقتاده أحدهم نحو الجدار بعيداً عن نافذة التذاكر وهو ممسكاً برأسه يردد في كلامه دون توقف، ويزبد.
– البحصل لينا ده، لانو واحد من القطاعات متغوّل على القطاعين التانيات؟ وأكيد الطبق بقع وينكشح الفيهو؟
الأصوات بدت بعيدة تحثه على العودة إلى مكانه في الصف، وأيدٍ تمتد إليه لاستنهاضه، وفجأة علا صوته.
– ألحقوا طبق البلد بنكشح.. أمسكوا الكشمبيرة.
ثم لم يعِ شيئاً بعدها.
هل كان يعاني فقدان الذاكرة الفصامي؟ (6)
ولكن.. ها هي الصورة تبدأ في الاستيقاظ التلقائي على أثر دعوة المثيرات البيئية حوله. فقد وقع بصره في جلسته تلك على صحافي ينصب كاميراته بالقرب من الصف الزاحف نحو الخيمة التي اتخذها بعض المتطوعين والمتطوعات عيادة نفسية في هذا المعسكر للجوء، ومن بينهم الشابة اللطيفة التي لم يعرف لها اسماً. وكان أن أثرت الجلسات المتتالية على الآلية البيولوجية لدى (سمعة) أو (عمي سمعة) كما تناديه، وقد بدت سعيدة وهي تعيده شيئاً فشيئاً إلى ذاته بعد أن استطاعت بحنكتها أن تنزع الشحنة السالبة من روحه، ليتمكن الدماغ من فتح ملفات الذاكرة التي قبلت عملية التحديث.
سيكتب (إسماعيل) اسمه ضمن قائمة من رأوا في مِحنة الحرب مِنحة.
الحرب التي حررته من قيد حديدي ظل يرسف فيه لأكثر من عام، إذ وجد نفسه بين مجموعة من المساكين ادّعى ذلك الدجّال أنه سيشفيهم. كان أهله قد جاءوا به ظنّاً منهم أنه فارق وعيه حين انهزم فريقه ذلك اليوم كما قيل لهم. ولم يصدق أحد أنه ما كان يعبأ بهزيمة فريقه بقدر ما كان يشغله سؤال: (هل انهزم وطنه حين لم يحسن ساسته ضبط الكشمبيرة؟). بيد أنه أخطأ حين تساءل، وحذر علناً…
– يا ناس، كشمبيرة البلد ماشة واقعة.. والتسالي حا ينكشح ويغلبكم تلقطوهو.. ألحقوا البلد… ألحقوا الكشمبيرة يا ناس.
النداءات التي أدخلته في زمرة المجانين، وأذاقته دق القيد الحديدي في قدميه، لولا اندلاع الحرب، وهروب الشيخ الدجّال بمعية حوارييه المقربين، وقيام بعض الشباب بفك أسر (سمعة) ورفاقه واصطحابهم عبر القرى والمدن والمعابر والغابات حتى وصلوا هذا المعسكر عبر الحدود.
كانت تلك الفتاة اللطيفة من بين الجمع الهارب. اقتربت منه كثيراً ليقينها أنه قد ظُلم، فقررت أن تسبر غور هذا الصامت إلا من بعض العبارات المتباعدة.
– ما سمعوا كلامي.. قلت ليهم ألحقوا الكشمبيرة الما ثابتة قبال تفع والطبق ينكشح، وأهو انكشح.. باقيلك بقدروا يلقطوهو؟
– أنا فاهمة كلامك.. ودي كلام ناس كتار غيرك يا عم (إسماعيل)، وللا أقول ليك (عم سمعة).
– السمعة بجيبها الزول لي روحو براهو.. وسماع الكلام أخير من الطناش.. أها التسالي وانكشح اليخمُّوا ويصرُّوا… في بالك بقدروا يلقطوهو؟
– أنا من رأيك والله، كان سمعوا كلامنا ما كان حصل الحصل.. يبقى علينا أنا وانت والزيَّنا نقنع الناس إنو لما يطول قائم واحد في الكشمبيرة بتقع، ولما القطاع العام المبلوع هو ذاتو يبلع القطاع الخاص، ويهمش القطاع المدني ما في نتيجة غير النحن فيهو.
كانت قد أفلحت حين أقنعت إدارة المعسكر بتخصيص خيمة للعلاج النفسي، وكونت فريقها من المتطوعات والمتطوعين ليقوموا بعمل كان له كبير الأثر. وكانت قد دخلت في تحدِّي العمل على تعافي (سمعه) وأمثاله ممن أصيبوا بانفصال الصورة عن الذاكرة، ودخلوا في حالة التوهان، ومن أصيبوا بالتحفز الزائد ليبقوا في حالة تأهب قصوى دائماً، يشعرون بالخوف من أي صوت أو حركة مفاجئة، ويعانون صعوبة بالغة في النوم، وبينهم عدد كبير من الأطفال والنساء والشباب من الجنسين جراء ما شهدوا وعايشوا. وكانت حالة (إسماعيل) الأولى في دفتر التعافي، بيد أنها أضافت لها عبئاً زايداً تمثل في العزم على فضح ممارسات الدجل والشعوذة تجاه حالات كان يمكن تعافيها بكل سهولة.
ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي.
هوامش:
- الأغنية للشاعر موسى حسن الذي كتب كذلك (جدودنا زمان وصونا على الوطن) لذات الثنائي (ميرغني المامون وأحمد حسن جمعة).
- الكشمبيرة هي الحامل البسيط المكون من ثلاث عصايات خشبية تتساوى في طولها، تُربط من الأعلى، وتُفرد من السفل لوضع الأشياء فوقها، أو تعليقها من مكان الرابط (التيلة).
- هو (Tri-Pod) حامل الكاميرا أو الهاتف أو أجهزة المساحة، وحامل التسخين في المختبرات العلمية، موفّر الثبات المطلق لمنع الانزلاق.
- تتدرج مواعين الماء الجلدية والسوائل الأخرى حسب الحجم من السعن من أصغرها المصنوع من جلد صغار الأغنام، إلى القِربة، ثم السقو الذي يصنع من جلد الأبقار.
- مفردها أثفيَّة، وهي الحجارة التي يوضع عليها القدر للطبخ، وهي من وجهة نظر هندسية يرتبط بتوازن الأجسام وشروط الاستقرار الميكانيكي.
- فقدان الذاكرة الفصامي (أو التفارقي) هو حالة نفسية نادرة يفقد خلالها الشخص قدرته على تذكر معلوماته الشخصية الهامة أو أحداث حياته، وغالباً ما يحدث نتيجة صدمة نفسية شديدة أو توتر عاطفي حاد بدون وجود أي تلف عضوي في الدماغ.
كنوز وفديكا ومس
الهوس بالأرواح الشريرة.. التمساح لقتل الأرواح الشريرة
مزارع شاطر.. أرض خصبة.. النجاح في زراعة شريط ضيق من النيل
في العمارة النوبية.. الدكة منصة تواصل… الأسر تتلم بالداخل.. غالباً الرجل غياب.. أغلب ساعات اليوم هناك ظل
لا محاولة لمغازلة النظام القديم
النوبي والحديث مع الحيطة التي تحتوي الرموز… يرسمون كل شيء.. يحادثونه خروجاً من البيت الذي يشبه السجن في التهجير
مواد بناء غريبة.. الأسبستوس القاتل… مكعبات أسمنتية لا تحتمل أن يدق فيها مسمار..
اختلاف العمارة بين الرشايدة والهدندوة رغم وحدة المناخ والاقتصاد





