أوراق تنافسية بين الحزبين يتم توظيفها لجذب الناخبين
الذكاء الاصطناعي والجمارك في السياق الانتخابي

البروف: أبو بكر حمد
sudalegacorp@gmail.com
تشهد الساحة السياسية والانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية تصاعدًا ملحوظًا في النقاش حول تقنيات الذكاء الاصطناعي كأحد المحددات الحاكمة للمسار الانتخابي قبل الاقتراع، حيث يتم توظيفه في الخطاب الانتخابي كورقة تنافسية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، سواء عبر التخويف من مخاطره أو عبر الترويج لمكاسبه.
وعلى الرغم من وجود إقرار تام واتفاق مشترك بين الحزبين على اعتماد استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة للذكاء الاصطناعي في مختلف الصناعات العسكرية والمدنية، إلا أن التوظيف الانتخابي لهذه القضية يتفرع إلى أربعة محاور رئيسية، يتم توظيفها بهدف تنوير الناخبين واستمالة أصواتهم لصالح أحد الطرفين.
المحور الأول: التداعيات على سوق العمل ومعدلات التوظيف
يركز الطرح الديمقراطي على التحذير من أن ثورة الذكاء الاصطناعي تؤدي إلى تقليص فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة، مع الإشارة إلى احتمالية انضمام أعداد كبيرة من المواطنين إلى قوائم الباحثين عن عمل دون توافر وظائف شاغرة.
في المقابل، يقدم الطرح الجمهوري معالجة مغايرة، مفادها أن الإجراءات التي تم اتخاذها لإغلاق باب الهجرة غير الشرعية أسفرت عن إخلاء سوق العمل خلال العامين الماضيين من أكثر من مليون ونصف المليون مهاجر غير شرعي كانوا يشغلون وظائف داخل البلاد.
كما يرى الجمهوريون أن تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي يتطلب قدرات كهربائية هائلة، وهو ما استدعى إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء ومفاعلات الطاقة النووية التي كانت متوقفة، بالإضافة إلى التوسع في إنشاء وتشغيل مراكز البيانات ومحطات طاقة جديدة، وهو ما أنعش قطاع التشييد والبناء المرتبط بهذه البنية التحتية، ووفر أكثر من 109 آلاف وظيفة ذات رواتب مرتفعة خلال العامين الماضيين. إضافة إلى ذلك، هناك التزامات وتعاقدات لتوفير نحو 70 ألف وظيفة ثابتة وجديدة في مجالات توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها، وتطبيقات الحاسب الآلي والذكاء الاصطناعي بدخول مرتفعة.
المحور الثاني: استهلاك المياه وأعباء البنية التحتية البيئية
يتركز الجدل في هذا المحور على حقيقة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات تتطلب نظم تبريد تستهلك كميات ضخمة من المياه، نظرًا لارتفاع درجات الحرارة الناتجة عن التشغيل، وهو ما يمثل تحديًا في المناطق التي تعاني شحًا مائيًا. ويذهب المدافعون عن التوسع في هذه التقنيات إلى أن المياه المستخدمة في التبريد تتم إعادة تدويرها واستخدامها بشكل دوري ومستمر، كما تشير المقارنات إلى أن حجم استهلاك مراكز البيانات للمياه يظل أقل بكثير مقارنة بالأنشطة الترفيهية الأخرى مثل ملاعب ونوادي الجولف.

المحور الثالث: التركز المالي لشركات الذكاء الاصطناعي والعدالة الضريبية والدعم الحكومي
باتت شركات الذكاء الاصطناعي تحقق دخولًا عالية جدًا وتمتلك تمويلات ضخمة وأرصدة مالية كبيرة جدًا تتركز بيد أشخاص بعينهم، مما قد يترتب عليه عدم قدرة المواطن العادي مستقبلًا على امتلاك موارد وأموال ضخمة. ومن هنا تبرز الدعوة إلى ضرورة فرض ضرائب عالية جدًا على هذه الشركات، أو أن تجني الحكومة مبالغ من هذه الشركات وعدم تركها دون تنظيم.
في المقابل، يوضح الجمهوريون أنه تم السماح أخيرًا، اعتبارًا من عام 2025، لوزارة الدفاع الأمريكية بأن تكون مستثمرًا وأن تحوز على أسهم في هذه الشركات، وأصبحت أسعار أسهم هذه الشركات في متناول شريحة كبيرة جدًا من المواطنين، بما يتيح لهم إمكانية الاستحواذ عليها. وعلى الرغم من الإقرار بفرض ضرائب على هذه الشركات، فإن المواطن نفسه قد تم إعفاؤه من العديد من الضرائب، ولا سيما ضرائب الدخل. كما تم توفير آلية دعم للمواطن تتمثل في إتاحة محافظ ادخارية في البنوك للمواطنين من عمر يوم واحد وحتى 21 عامًا، وكذلك لمن تزيد أعمارهم عن 21 عامًا وتُعتبر دخولهم أقل من المتوسط، حيث يحق لهذه الفئات أن يكون لديها محافظ ادخارية يساهمون فيها بأي مبلغ، فإذا بلغ رصيد المحفظة 2,000 دولار، تساهم الحكومة بمبلغ 1,000 دولار لكل طفل ولكل شخص من ذوي الدخل الضعيف، ويستمر هذا الدعم لفترة طويلة. وعند وصول الطفل إلى عمر 21 عامًا، سيصبح في رصيده مبلغًا ضخمًا يستخدمه. كذلك، إذا كان عمر المواطن ما بين 30 إلى 35 عامًا وبدأ المساهمة في محفظته الخاصة، فعند بلوغه سن 65 عامًا يمكنه سحب المبلغ كاملًا والاستفادة منه. وتعد هذه الآليات أموالًا وفرتها الحكومة وتم وضع قوانين منظمة لها ليتم ضخها في شرايين الاقتصاد.
المحور الرابع: السيطرة على الذكاء الاصطناعي
أصبحت مسألة السيطرة على الذكاء الاصطناعي قضية عالمية ذات تأثير مباشر على الانتخابات الأمريكية في الداخل. وفي هذا الإطار، يرى الديمقراطيون ضرورة فرض سيطرة دولية على الذكاء الاصطناعي، تقوم على توافق جماعي بين دول العالم على آليات ضبطه، بما يضمن وجود منظومة تأمين داخلية في بنية الذكاء الاصطناعي نفسه تحول دون إلحاقه الضرر بالبشرية. وقد بدأ هذا المسار في لندن عبر اجتماع ضم شركات صناعة الذكاء الاصطناعي الخارجية.
وقدم الجمهوريون ردًا على ذلك مفاده أن الرئيس دونالد ترامب عقد اجتماعًا مع كبرى شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية، والتي تعهدت بتنظيم ذاتها وتأمين أنظمتها في هذا المجال. وقد تعزز هذا التوجه بعقد اجتماع في 22 سبتمبر الماضي، جمع الرئيس الأمريكي ونظيره الصيني، بحضور كبرى شركات الذكاء الاصطناعي الصينية والأمريكية، حيث اتفقت جميع الأطراف على وضع نظم تأمينية في صناعات واستخدامات الذكاء الاصطناعي بما يكفل السيطرة عليه.
وفي السياق ذاته، بادر الجمهوريون بطرح مسألة وضع آليات تحكم في الذكاء الاصطناعي بحيث يظل تحت سيطرة الإنسان، بما يضمن قدرة الذكاء البشري الطبيعي على السيطرة على الذكاء الاصطناعي وعدم تفوق الأخير عليه. وتم تعزيز هذا التوجه عبر اتفاقات مشتركة بين الأطراف المعنية.
على الرغم من ذلك، يمتلك الديمقراطيون مشروع قانون يهدف إلى فرض سيطرة خارجية على الذكاء الاصطناعي. وانطلاقًا من كون هذه المسألة قابلة للنقاش بينهما، فقد خلص النقاش إلى ضرورة عدم عولمة هذه القضية، فما دامت الشركات الأمريكية هي المنتجة للذكاء الاصطناعي وهي القادرة على الوصول إلى الفضاء، فمن الأجدر أن تكون هي من يضع القوانين واللوائح ويلتزم بها الآخرون. وعبر هذا التباين في الطرح، يثير الديمقراطيون مخاوف الناخبين من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تدمير للبشرية. في المقابل، يسعى الجمهوريون إلى طمأنة الناخب بأن خطورة الذكاء الاصطناعي أقل بكثير مما يتم تصويره.
وبشكل عام، يتمحور الجدل حول استخدام الديمقراطيين وبـ”عنف” لمخاطر الذكاء الاصطناعي كأداة “تخويف” انتخابية؛ مستندين في ذلك إلى إعلان نائب الرئيس التنفيذي لإحدى شركات الذكاء الاصطناعي استقالته وتحذيره من مخاطر الذكاء الاصطناعي. بينما يسعى الجمهوريون إلى طمأنة الناخب، استنادًا إلى اجتماع الشركات الكبرى وتوضيحها في اجتماعات علنية أن الأمر تحت السيطرة.
في النهاية، الجدل حول الذكاء الاصطناعي يضع الناخب أمام خيارين: يقتنع بالتخويف من الذكاء الاصطناعي فيصوت لصالح الديمقراطيين، أو أن يطمئن بأن الأمور تحت السيطرة وأن له فوائد وعوائد كبيرة تعود بالنفع على مصلحة البلاد ومصلحته الشخصية، فيصوت لصالح الجمهوريين.
وعلى كل الأحوال، فإن الذكاء الاصطناعي كركيزة أساسية في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة يظل محل اتفاق بين الحزبين وسيستمر، أما مسألة السيطرة عليه فهي خلاف – أراه من وجهة نظري بسيط – يتم توظيفه في الخطاب الانتخابي كورقة تنافسية لكسب الأصوات.
السياسة الجمركية والرسوم على الواردات
تتبنى الإدارة الأمريكية الحالية سياسة جمركية صارمة وفرض رسوم على الواردات – لا سيما الواردات القادمة من الصين – بوصفها ركيزة أساسية لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، وهو توجه يحظى أيضًا بتوافق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ويهدف إلى إعادة توطين قطاع التصنيع داخل الأراضي الأمريكية. وقد تجلت هذه القضية ضمن محاور النقاش الانتخابي لاستقطاب أصوات الناخبين عبر أربع جزئيات رئيسية متباينة الطرح بين الجمهوريين والديمقراطيين.
أولًا: البطالة والقطاع الصناعي
يرى الديمقراطيون أن سياسة فرض الرسوم الجمركية لم تحقق أهدافها المرجوة في معالجة أزمة البطالة، حيث تظل معدلات البطالة مرتفعة، وأنه لم يحدث استيعاب كافٍ للعمال والمكون البشري المهني داخل المصانع الأمريكية. بينما يؤكد الجمهوريون أن العامين الماضيين شهدا إنشاء أكثر من 1150 مصنعًا جديدًا بمختلف أحجامها، صغيرة ومتوسطة وكبيرة. وهذه المصانع تتطلب بطبيعة الحال مدى زمنيًا لاكتمال جاهزيتها التشغيلية واستيعاب العمالة والمهنيين، مشيرين إلى أن المصانع المكتملة حديثًا تغطي قطاعات عدة تشمل مواد البناء، وصناعة الحديد والصلب، وقطاع السيارات، والصناعات الإلكترونية، ومجالات الذكاء الاصطناعي، وقد استوعبت حتى الآن نحو 72 ألف موظف وفقًا للإحصاءات. ولتعويض النقص الحاد في الكوادر الفنية والحرفية والمهنية، أُطلق برنامج تدريب مهني مجاني للمواطنين لتأهيلهم للمشاركة في هذه المصانع، مع توقعات بارتفاع إجمالي المستفيدين ليتجاوز مليون شخص خلال السنتين القادمتين.
ثانيًا: السياسات الزراعية والمزارعين
يجادل الديمقراطيون بأن فرض الرسوم الجمركية على الواردات الصينية أدى إلى تقليص استيراد الصين للمواد الزراعية الأمريكية، مما ألحق أضرارًا بالغة بقطاع المزارعين الذي يعد حاضنة انتخابية رئيسية للجمهوريين، معتبرين أن الإدارة الجمهورية تسببت في حرمان المزارعين من السوق الصينية. ويدفع الجمهوريون بأن الإدارة قدمت حزم دعم، من بينها 20 مليار دولار لدعم الاقتصاد الأرجنتيني، مؤكدين أن الغاية الأساسية من هذا الدعم تمثلت في حماية العملة المحلية من الانهيار، والمساعدة في تأمين شراء الموارد المعدنية النادرة من الأرجنتين، وتوطيد التحالف الاستراتيجي في الحديقة الخلفية مع الولايات المتحدة.
كما توج هذا المسار بلقاء عقد بحضور الرئيس الصيني في واشنطن بتاريخ 22 سبتمبر 2026، حيث جرى توقيع اتفاقية تلتزم بموجبها الصين بشراء منتجات زراعية أمريكية بقيمة 25 مليار دولار على أن يبدأ السحب الفوري، إلى جانب التزام رئاسي بشراء كامل الإنتاج الزراعي المحلي ووضعه في مخزون استراتيجي للولايات المتحدة تمهيدًا لتصديره لاحقًا، مما يضمن تصريف الإنتاج بأكمله.
ثالثًا: موسم الأعياد وأسعار الواردات
يرى الديمقراطيون أن فرض الرسوم الجمركية على الواردات الصينية خلال فترة الأعياد الممتدة في الولايات المتحدة في الفترة من الأول من أكتوبر وحتى 15 يناير، والتي تشهد إقبالًا ضخمًا على شراء المستلزمات المنزلية والألعاب والهدايا، يؤدي إلى رفع الأسعار بشكل يضر بالمواطن الأمريكي، مستغلين ذلك لدعوة الناخبين للتصويت لصالحهم. في المقابل، رد الجمهوريون بأن الاجتماع الذي حضره الرئيس الصيني تضمن التوقيع على اتفاق يقضي بإعفاء الواردات الخاصة بفترة الأعياد من الرسوم الجمركية مؤقتًا لضمان استقرار أسعارها في الأسواق وحماية المستهلك، وهو ما اعتبره الجمهوريون ردًا عمليًا على انتقادات الديمقراطيين.
رابعًا: عائدات الجمارك وحجم التبادل التجاري
ينتقد الديمقراطيون الجدوى الاقتصادية للرسوم المفروضة على دول العالم، معتبرين أنها أدت إلى إحجام بعض الدول عن التوريد لأمريكا بسبب الجمارك، وخلقت أعباء واسعة النطاق لا يستفيد منها الاقتصاد بشكل كافٍ وملموس للمواطن. ويرفض الجمهوريون هذا الطرح بالإشارة إلى أن الفائض التجاري الصيني السنوي في تجارتها العالمية يبلغ نحو تريليون و200 مليار دولار، بينما تتوقع الإدارة أن تبلغ عائدات الجمارك الأمريكية المفروضة عالميًا خلال 3 سنوات نحو تريليون و500 مليار دولار، بناءً على حصيلة العامين الحاليين والعام القادم.
ولتوجيه هذا الفائض الاقتصادي للمواطنين، طرح الجمهوريون مقترحًا يقضي بتوزيع مبالغ نقدية بواقع 5000 دولار لكل مواطن فوق 18 عامًا، بهدف تعزيز القوة الشرائية ودعم معيشة المواطنين الأمريكيين. ويشترط لتنفيذ هذا المقترح إقرار التشريع من الكونجرس، مما يدفع الجمهوريين لمطالبة الناخبين بمنحهم الأغلبية التشريعية لضمان تمرير هذا المخصص المالي المباشر للمواطنين، في مواجهة توجهات الديمقراطيين الرامية لتوجيه تلك الاعتمادات لمجالات إنفاق بديلة.





