رسالة السودانيين إلى العالم.. إرادتنا السلام وصمتكم غطاء لحملة السلاح

 أحمد عثمان محمد المبارك

تستعيد القراءة التحليلية للمأساة السودانية ذاكرة الشهور القريبة لتستحضر نتائج الدراسة الميدانية الشاملة التي أُعلنت في يوليو 2026م، والتي أعدتها مجموعة المناصرة من أجل السلام في السودان (AGPS) بالتنسيق مع منصة نداء سلام السودان، والتي نشرت تفاصيلها في صحيفة ديسمبر وغطتها مؤسسات إعلامية كبرى كقناة الحدث وراديو دبنقا. تلك الدراسة التي ارتكزت على 1,686 استبانة إلكترونية وميدانية و30 مقابلة نوعية شملت الداخل السوداني ودول اللجوء في مصر ويوغندا وكينيا، مثلت استفتاءً كاسحًا أظهر بالأرقام القاطعة أن 93.2% من السودانيين يؤيدون السلام، وأن 74.3% يطالبون بوقف فوري لإطلاق النار، بينما شدد 90% على ضرورة المحاسبة وإصلاح المنظومة الأمنية. واليوم، تؤكد النداءات والتحركات الميدانية والمدنية المتواصلة والتصريحات الحقوقية اللاحقة أن ذلك الموقف قد شكل عقيدة شعبية ثابتة يعاد التأكيد عليها مع كل إشراقة شمس وسط ويلات الحرب والمجاعة المتربصة بالبلاد.

إن إعادة التذكير بتلك الدراسة الاستطلاعية يضع القارئ والمراقب أمام حقيقة ساطعة وثابتة، وهي أن إرادة الشعب السوداني لم تتغير مطلقًا، بل زادت صلابة في رفض الاقتتال، بما يتوافق كليًا مع الطرح الثابت للقوى المدنية والديمقراطية التي ظلت ترفع شعار لا للحرب منذ اللحظة الأولى. فقد أثبتت تلك البيانات الميدانية، التي تعززت بإشارات ونداءات حقوقية ونسوية مدنية أُطلقت لاحقًا في المنصات الإعلامية والحقوقية تأكيدًا على أولوية حماية المدنيين، أن المطالبة بالسلام وحقن الدماء كانت تعبيرًا مباشرًا عن ضمير تسعة أعشار الأمة السودانية في الداخل وفي دول الشتات. إن هذه الحقيقة الميدانية تُسقط كليًا الخطابات العسكرية لسلطة الجنرال الداعية لاستمرار الاقتتال، وتكشف بوضوح أن زمرة السلاح باتت معزولة تمامًا عن تطلعات الشارع الحقيقية الذي اكتوى بنار الفقد والتشرد.

وفي المقابل، يكشف هذا الإجماع الشعبي والمدني عن عمق الفجوة والقطيعة بين تطلعات المواطنين وبين السلوك المتراخي للمجتمع الدولي، ففي الوقت الذي يتشبث فيه السودانيون بأمل الوقف الفوري لإطلاق النار والتحول الإيجابي، تستمر القوى الكبرى والإقليمية في الدوران داخل حلقة إدارة الأزمة، مكتفية ببيانات الشجب الخجولة واللقاءات الصورية دون امتلاك الإرادة السياسية لفرض آليات زجرية حازمة. إن الاكتفاء بإنشاء لجان رباعيات وخماسيات وإصدار القرارات غير المشفوعة بقوة التنفيذ يمنح أمراء الحرب وقتًا أطول لمواصلة العبث بمقدرات السودان، وإطالة أمد معاناة ملايين الأسر التي تواجه شح السلع الأساسية، وانهيارًا كارثيًا للعملة الوطنية، وتفشيًا مرعبًا للبطالة والفقر، وسط غياب تام لمؤسسات الدولة وفساد بلا رادع وفوضى بلا رقيب تلتهم ما تبقى من مقومات الحياة.

وحين نمعن النظر في الواقع المعيشي اليومي للنازحين في معسكرات الداخل واللاجئين في دول الجوار، تتبدى أبعاد الكارثة الإنسانية بكل قسوتها، إذ تتحول التقارير الأممية للحديث عن شبح المجاعة المحدقة بكل بقاع الوطن إلى وقائع يومية يعيشها الأطفال والنساء في ظل انهيار شبه كامل للقطاع الصحي وانعدام الأدوية المنقذة للحياة. إن استمرار هذا التآكل البنيوي للمجتمع السوداني يعكس حجم التكلفة الباهظة التي يدفعها المدنيون ثمنًا لتعنت طغمة ممسكة بالسلاح بلا أي سند شرعي أو قانوني، مما يجعل الصمت الدولي أو الاكتفاء بالمسكنات الدبلوماسية مشاركة صريحة في تعميق المأساة وشراكة غير مباشرة في إزهاق الأرواح.

إن المسار المستقبلي لحماية ما تبقى من أركان الدولة السودانية يستوجب حتمًا تحولًا جذريًا يترجم هذه الأرقام والإرادة الشعبية الصريحة إلى إجراءات عملية ملموسة على الأرض، حيث يتوجب على المنظمات الأممية والإقليمية الانتقال المباشر من خانة الإدانة الشفهية إلى اتخاذ تدابير حاسمة تضمن فرض حظر شامل لتدفق السلاح، وتجميد أصول وملاحقة قادة حرب الاستنزاف، وفرض ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق. كما يقع على عاتق القوى المدنية والوطنية البناء على هذا التفويض الشعبي الراسخ لتوحيد صفوفها، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري من جذوره، واستعادة المسار الانتقالي الديمقراطي، استجابة لصرخة ملايين السودانيين الذين حسموا أمرهم باختيار السلام وإنهاء الكارثة التاريخية قبل فوات الأوان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى