صورة تذكارية مع الرغيف في السودان

في أبريل 2023، غادر عصام الحسن مخبزه في السوق العربي بالخرطوم، تاركًا خلفه كميات من جوالات الدقيق وأكياس الخميرة وما تبقى من أدوات العمل داخل الفرن. لم يكن خروجه قرارًا بإغلاق مشروعه أو التخلي عن مهنته، بل اضطرارًا فرضته الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع التي قطعت الطريق أمام دورة العمل المعتادة، وحوّلت منطقة وسط الخرطوم إلى ساحة مفتوحة للموت والاشتباكات.
كان الرغيف الذي أُعدّ للتوزيع في ذلك اليوم ينتظر زبائنه، لكن الحرب كان لها ترتيب آخر؛ إذ جرى تقسيم ما تبقى منه في نهاية اليوم على العالقين في قلب الخرطوم، الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بالنيران، يبحثون عن ملاذ آمن ولقمة تسد الرمق.
عصام، شأنه شأن أصحاب المخابز الذين غادروا السوق العربي، كان يبيع قطعة الخبز الواحدة آنذاك بنحو 50 جنيهًا، فيما بلغ سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلوغرامًا نحو 18 ألف جنيه. كانت تلك الأسعار تنتمي إلى زمن ما قبل أن تتحول الحرب إلى عامل يعيد تشكيل اقتصاد البلاد، ويطاول أثرها كل تفاصيل الحياة، حتى رغيف الخبز.
بعد ثلاثة أعوام ونصف العام، وفي أكتوبر 2026، يظهر أحد أصحاب المخابز عبر مقطع فيديو مصور، مخاطبًا السودانيين بعبارات تختصر حجم الانهيار الذي أصاب هذه الصناعة:
«هذا آخر ما تبقى لي من كوتة الدقيق، سأخبزه، وبعدها سأغلق المخبز دون رجعة، فلا يمكنني أن أبيع الرغيفة الواحدة بما يعادل ألف جنيه».
بين المشهدين مسافة زمنية لم تتجاوز ثلاثة أعوام ونصف العام، لكنها كانت كافية لنقل سعر الرغيف من 50 جنيهًا إلى مئات الجنيهات، وصولًا إلى ألف جنيه في بعض التوقعات وبعض الأسواق. إنها رحلة يمكن اختصارها في عبارة «رغيف الحرب»، حيث لم يعد الخبز مجرد سلعة ارتبطت بالمائدة السودانية، بل صار مرآة للتحولات الاقتصادية التي فرضها النزاع، ومؤشرًا على تآكل القدرة الشرائية واتساع رقعة العجز.
في 26 أكتوبر 2026، نقلت صحيفة «سودان تريبيون» عن نائب رئيس اتحاد المخابز، عصام عكاشة، أن سعر جوال الدقيق بلغ 191,500 جنيه، وسط توقعات بارتفاع سعر الرغيف الواحد إلى ألف جنيه، بفعل الزيادات المتلاحقة في مدخلات الإنتاج.
ولم تتوقف الزيادات عند الدقيق؛ فقد قفز سعر كرتونة الخميرة من 140 ألفًا إلى 270 ألف جنيه، وارتفع سعر جركانة الزيت زنة 36 رطلًا من 120 ألف جنيه إلى 260 ألف جنيه، إلى جانب ارتفاع أسعار محسنات العجين وأكياس التعبئة البلاستيكية.
هذه الأرقام لا تعكس زيادة عادية في تكلفة الإنتاج، وإنما تكشف عن سلسلة من الاختلالات التي أصابت صناعة الخبز، بدءًا من استيراد القمح، مرورًا بالطحن والتوزيع، وانتهاءً بالطاقة والوقود وتكاليف التشغيل داخل المخابز.
وعلى امتداد هذه الرحلة، كان لتخلي الحكومة عن دعم الخبز وترك أسعاره لتقلبات السوق وسعر الصرف أثر في تعميق الأزمة، خصوصًا مع استمرار الحرب واتساع الفجوة بين قيمة الجنيه السوداني وتكلفة استيراد القمح.
فصناعة الخبز في السودان ترتبط بدرجة كبيرة بالأسواق الخارجية، وكلما تراجعت قيمة العملة المحلية، ارتفعت تكلفة الحصول على القمح والدقيق، ثم انتقلت الزيادة إلى المخابز والمستهلكين. وكلما تعثرت طرق الإمداد أو ارتفعت كلفة النقل، أضيفت أعباء جديدة إلى سعر الرغيف.
وفي هذا السياق، يبدو الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه السوداني أحد أبرز العوامل التي مهدت الطريق أمام ما يمكن تسميته «ألف جنيه للرغيف». فقد سجل الدولار في السوق الموازية نحو 600 جنيه قبل الحرب، قبل أن يصل إلى نحو 10 آلاف جنيه في 21 أكتوبر 2026، في تراجع يعكس حجم التدهور الذي أصاب القوة الشرائية للعملة الوطنية.
لم يكن ارتفاع سعر الرغيف متساويًا في جميع أنحاء السودان منذ الأيام الأولى للحرب؛ فقد ظهرت فجوة واسعة بين المناطق التي امتدت إليها المواجهات المسلحة وتلك التي ظلت أكثر أمنًا واستقرارًا.
ففي الوقت الذي كان فيه سعر الرغيفة في مدينة الأبيض ومدن شمال السودان يدور حول 50 جنيهًا، وصل في بعض مناطق الخرطوم إلى 500 جنيه، وفق إفادات عن أسعار تلك الفترة. ولم يكن هذا التفاوت ناتجًا عن اختلاف تكلفة الإنتاج وحدها، بل ارتبط بصورة مباشرة بالمواجهات المسلحة التي عطلت حركة الأسواق والإمدادات في العاصمة.
فقد أدت الحرب إلى تضرر مصانع ومخازن وتعطل مؤسسات تجارية في الخرطوم، التي كانت تمثل مركزًا رئيسيًا لتخزين الدقيق وتوزيعه على بقية الولايات. كما تسببت المعارك العسكرية وإغلاق الطرق في إرباك حركة البضائع من الموانئ ومناطق الإنتاج إلى الأسواق، وأصبح وصول الدقيق إلى المخابز مرهونًا بظروف أمنية ولوجستية متغيرة.
ومع انتقال الحرب إلى مناطق أخرى، لم تعد المدن التي كانت أكثر استقرارًا بمنأى عن آثارها الاقتصادية؛ إذ امتدت إليها اضطرابات النقل والإمداد وارتفاع تكاليف الوقود، لتصبح الأزمة ذات طابع وطني، وإن تفاوتت حدتها من منطقة إلى أخرى.
طريق قطعة الخبز نحو الألف جنيه ليس معبدًا بالزيادات في أسعار الدقيق وحدها، بل تحيط به تحديات أخرى تتعلق بالطاقة والوقود واستمرار تشغيل المخابز.
يقول معتصم صالح، صاحب مخبز، إن وصول سعر الرغيفة الواحدة إلى ألف جنيه أصبح مسألة وقت، مشيرًا إلى أن الأزمة لا تتعلق بأسعار الدقيق وحدها، وإنما بتكلفة الطاقة اللازمة لتشغيل المخابز.
وبالنسبة إلى معتصم، فإن انقطاع التيار الكهربائي أو عدم استقراره يمثلان أحد أبرز مصادر الضغط على أصحاب المخابز، خصوصًا أن تشغيل المعدات بصورة منتظمة يتطلب مصدرًا مستقرًا للطاقة، وهو ما أصبح صعبًا في ظل الأوضاع الحالية.
ولا تنفصل هذه المشكلة عن الحرب وتداعياتها على البنية التحتية، بما في ذلك استهداف منشآت الكهرباء ومحطات التوليد، الأمر الذي يدفع المخابز إلى الاعتماد على المولدات والوقود البديل، ويضاعف تكلفة الإنتاج.
وتظهر آثار الأزمة كذلك في ارتفاع أسعار الثلج، نتيجة غياب الكهرباء، إلى جانب أزمة الوقود التي جعلت الحصول على احتياجات التشغيل أكثر صعوبة، حتى عبر السوق السوداء.
وهكذا، يجد صاحب المخبز نفسه أمام فاتورة تتزايد من أكثر من اتجاه؛ دقيق وخميرة وزيت ووقود وكهرباء، فضلًا عن أجور العمال وتكاليف النقل والتعبئة. وفي ظل هذه المعادلة، يصبح الاستمرار في الإنتاج تحديًا لا يقل صعوبة عن قدرة المواطن على شراء الرغيف.
وإلى جانب اضطراب الاستيراد والنقل والطاقة، أضاف تراجع الإنتاج الزراعي ضغوطًا جديدة إلى سوق الغذاء في السودان.
فقد أدت الحرب إلى اضطراب الموسم الزراعي، وارتفاع أسعار المدخلات، وتراجع الإنتاج في عدد من المناطق، نتيجة صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية ونقص التمويل والوقود وتعطل سلاسل التوريد.
وأشارت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، في تقريرها الصادر في 13 أكتوبر 2026، إلى أن ضعف إنتاج الحبوب خلال عام 2025، إلى جانب تعطل التجارة وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية، أسهم في إبقاء أسعار الحبوب والدقيق عند مستويات مرتفعة.
وبحسب التقرير، تجاوزت أسعار دقيق القمح في سبتمبر 2026 سبعة أضعاف مستوياتها قبل الحرب في مارس 2023، بينما بلغت أسعار الحبوب الخشنة نحو 11 ضعف مستوياتها السابقة للحرب.
وتكشف هذه المؤشرات عن أزمة تتجاوز صناعة الخبز نفسها، إذ إن تراجع إنتاج الحبوب وارتفاع أسعارها يحدان من فرص اللجوء إلى بدائل غذائية أقل تكلفة، في وقت تتآكل فيه دخول الأسر وتتراجع قدرتها على مواجهة الزيادات المتلاحقة.





