أفريقيا بين أطماع القوى الكبرى ..استبداد الأنظمة المحلية

الهادي الشواف
هذه محاولة لقراءة زيارة البرهان إلى روسيا والقمة الروسية الأفريقية ومأزق السيادة الوطنية، حيث نجد أن أفريقيا ظلت على الدوام هدفًا لأطماع القوى الدولية وتنافسها على النفوذ ومناطق التأثير، خاصة بعد اكتشاف ثرواتها الطبيعية وأهميتها الجيوسياسية، فمنذ الحقبة الاستعمارية ومرورًا بالحرب الباردة ووصولًا إلى النظام الدولي الراهن البالغ التعقيد، أصبحت أفريقيا مسرحًا لصراع المصالح بين الدول الكبرى مع اختلاف الأدوات وتبدل الشعارات، ظل محور المعادلة ثابتًا، وهو موارد أفريقية هائلة ومنافسة دولية على امتلاك مفاتيح استغلالها والتحكم فيها مع غياب رؤية وطنية نافذة.
والمفارقة المؤلمة أن أفريقيا التي تعتبر مخزنًا استراتيجيًا للمعادن النادرة مثل الذهب واليورانيوم والكروم والليثيوم، بالإضافة إلى النفط والأراضي الزراعية والمياه، ما يؤهلها لأن تكون إحدى أهم مراكز الإنتاج والازدهار في العالم، نجد أنه لا تزال هناك قطاعات واسعة من شعوبها تعيش تحت خط الفقر والتهميش والنزاعات المسلحة وانعدام الخدمات الأساسية، وهذا نتاج تتداخل فيه أطماع الخارج مع استبداد الأنظمة المحلية في معادلة يدفع ثمنها المواطن الأفريقي منفردًا.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في إقامة علاقات مع هذه الدولة أو تلك، وإنما في طبيعة تلك العلاقات، هل هي علاقات ندية متوازنة؟ وما مدى تأثيرها على حياة الشعوب؟ فالقوى الكبرى لا تتحرك بدافع العمل الخيري، وإنما وفق حسابات المصالح والنفوذ، وهذه حقيقة ينبغي ألا تغيب عن صانع القرار الأفريقي الذي يفترض أن تكون مهمته تحويل التنافس الدولي إلى فرصة للنهوض والتنمية، لا تحويل بلاده إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.

في هذا السياق تظل التجربة الروسية في أفريقيا جديرة بالتأمل، فموسكو تعمل على توسيع حضورها عبر التعاون العسكري والأمني وصفقات السلاح واتفاقيات التعدين والطاقة، لقد رصد المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية نمطًا روسيًا يقوم في بعض الحالات على الجمع بين الدعم الأمني والصفقات المرتبطة بالموارد الطبيعية بالاستفادة من هشاشة الأنظمة والمؤسسات في الدول المعنية.
ولا يعني ذلك أن روسيا لا تقدم أي تعاون مدني أو اقتصادي، فلديها مشروعات في الطاقة النووية والتعليم، لكن السؤال الحقيقي يتعلق بحجم العائد التنموي الملموس لهذه الشراكات مقارنة بالامتيازات، فالتنمية لا تقاس بحجم الأسلحة الموردة، بل بما تضيفه من قدرات إنتاجية ونقل التكنولوجيا وتطوير الصناعة والمدخلات الزراعية وبناء المؤسسات وتحسين حياة المواطن.
وهنا تبرز خطورة العلاقات التي تبنى بين بعض القوى الدولية والأنظمة الاستبدادية التسلطية، والتي يكون هدفها بقاء النظام وليست مصالح المجتمع، هنا تتحول العلاقة إلى وسيلة لتأمين السلطة واستمرار الاستبداد في مقابل امتيازات للطرف الخارجي، في هذه المعادلة لا يكون الشعب طرفًا في التفاوض، ولكنه يتحمل النتائج.
لقد عبر نكروما عن جانب من هذه المعضلة بمفهوم “الاستعمار الجديد” حين أشار إلى أن الدولة قد تبدو مستقلة، بينما تظل خاضعة لهيمنة اقتصادية وسياسية خارجية، أما فرانتز فانون فقد حذر من النخب الوطنية التي قد تتحول إلى وسيط محلي لمصالح الخارج، بدلًا من أن تكون أداة لتحرير المجتمع وبناء اقتصاده.
إن تحميل القوى الخارجية وحدها مسؤولية واقع بعض الدول الأفريقية، ومنها السودان، يغفل جانبًا مهمًا من المعادلة، وهي الأنظمة المحلية الاستبدادية التي في سبيل استمرار سلطتها تفتح الأبواب مشرعة للتدخل الأجنبي، وتتعامل مع الموارد الوطنية باعتبارها أوراقًا في مساومات سياسية، لا ملكية عامة تستمد شرعيتها من إرادة الشعب.
وهنا يصبح السؤال عن زيارة البرهان إلى روسيا سؤالًا يتجاوز حدود البروتوكول، فالسودان الذي أنهكته الحرب يحتاج قبل كل شيء إلى مشروع وطني لوقف الحرب والعودة لمسار الانتقال المدني واستعادة مؤسسات الدولة وإنقاذ الاقتصاد وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية ومعالجة أزمات الكهرباء والوقود والخدمات وتخفيف المعاناة عن المواطن.. فهل كانت هذه الأولويات حاضرة في صدارة أجندة الزيارة؟ وما الذي سيعود به أوراق ضغط لوقف الحرب واتفاقيات تنقل التكنولوجيا وتعيد بناء الصناعة والزراعة، أم تفاهمات عسكرية وسياسية تعزز موقع سلطة الأمر الواقع في صراعها الداخلي؟
وتزداد هذه الأسئلة إلحاحًا عندما ننظر إلى أن هذه الزيارة جاءت في ظل سلطة أمر واقع جاءت نتاجًا لانقلاب جاء في وقت كان السودان يحاول الانتقال من حكم استبدادي امتد لثلاثة عقود إلى مسار مدني ديمقراطي.. ومن ثم فإن أي اتفاقيات تبرمها سلطة أمر واقع لا تستند إلى تفويض شعبي لا شرعية لها، ولا تصمد أمام أي تغيير حقيقي قادم.
وفي ذات السياق تعتبر كل الاتفاقيات التي شملت التعدين والتعاون الأمني ومشروعات إنشاء منشآت بحرية روسية وغيرها وامتيازات توزيع مربعات تعدين الذهب وغيرها، لا تصمد دون أن تكسب شرعيتها من إجازة من قبل برلمان شرعي منتخب.
إن موارد الشعب السوداني وحق الأجيال الحاضرة والقادمة ليست ملكًا لحكومة أمر واقع عابرة ولا لمليشيا جهوية أو قبلية ولا لقائد عسكري صنعته الظروف، إنها ملك للشعب السوداني.. لذا السؤال هو ليست هل يحق البرهان أو غيره أن يتبرع بموارد السودان كما يشاء، بل السؤال هو ما حدود سلطة أي حكومة غير منتخبة في الالتزام بعقود استراتيجية طويلة الأجل تمس السيادة الوطنية وحقوق الأجيال المقبلة؟
لقد حذر الاقتصادي والمؤرخ والتر رودني من أن التخلف الأفريقي ليس قدرًا طبيعيًا، وإنما يرتبط بتاريخ من علاقات الاستقلال التي عطلت تطور البنية الإنتاجية للقارة، وإن استمرار هذا التعطيل لا تصنعه القوى الخارجية وحدها، ولكن للأسف تسهم فيه أيضًا النخب التي تعجز عن بناء دولة المؤسسات والشفافية والمساءلة.
إن السودان لا يحتاج إلى استبدال محور دولي بآخر، ما يحتاج إليه هو سياسة خارجية متوازنة تنطلق من مصلحة وطنية محددة وتخضع اتفاقياتها لرقابة مؤسسات دستورية منتخبة، وتربط أي تعاون خارجي بنقل المعرفة والتكنولوجيا وبناء القدرات الإنتاجية وحماية الموارد والسيادة الوطنية.
لقد خرج الشعب السوداني في ثورة ديسمبر المجيدة مطالبًا بالحرية والسلام والعدالة، لم تكن مجرد شعارات لإسقاط البشير، بل تعبيرًا عن رغبة عميقة في تأسيس دولة مدنية ديمقراطية لا تختزل في شخص الحاكم ولا تدار مواردها بمنطق الامتيازات والصفقات المغلقة.
إن الدول تبنى بإرادة شعوبها وقوة مؤسساتها واستقلال اقتصادها وقدرة مواطنيها على محاسبة حكامها، أما الثروة التي لا تتحول إلى تنمية والسيادة التي لا يحرسها الشعب، فليست سوى امتيازات مؤقتة في يد سلطة أمر واقع عابرة وديون ثقيلة في ذمة الأجيال القادمة





