سلوكيات الحرب

الكمدة بالرمدة

أمير احمد السيد

أمير أحمد السيد

أثرت الحروب على مر التاريخ على تغيير بنية المجتمعات، وجاء ذلك التأثير سلبًا على سلوك الشعوب، حيث بات الناس يرفضون بشدة خطاب الوعي، ويرفضون السمو فوق جراحاتهم، بل وتتغير سلوكياتهم وأخلاقهم، ويهيمن عليهم الجشع، ويظهر فيهم الآلاف من تجار الأزمات الذين حفروا لضمائرهم حفرة عميقة جدًا ودفنوها هناك، وخرجوا للناس بلا ضمائر ولا أخلاق. وقتها يتصرف الإنسان بلا وازع من ضميره، وقتها يموت الرقيب، وينغلق باب المحاسبة الذاتية، وتتعطل إنسانيته، ويتبع خطوات شيطانه وأهوائه، ويصبح عبدًا لرغباته المادية بلا أخلاق ولا إنسانية، فيدوس على كل من حوله من أجل نفسه ورغباته.

ونلاحظ أن ذلك وضح جليًا من خلال ما نمر به الآن في حربنا هذه، حيث ظهرت هذه الفئة الضالة من الذين قبروا ضمائرهم وبصورة كبيرة جدًا، وأصبحت معاناة الشعب السوداني معهم كبيرة جدًا، فهم يتاجرون في كل شيء، ويرفعون سعر كل شيء، ويفعلون ما هو فوق طاقة البشر واحتمالهم وقدرتهم، فأضافوا لمعاناة الحرب والموت معاناة أكبر، وأسهموا بصورة كبيرة في موت الناس جوعًا، وجعلوا من الناس أذلة يسكنون وأسرهم في العراء. نسوا وصية الرسول الكريم، صلوات الله وسلامه عليه: «ارحموا عزيز قوم ذل»، فلم يرحموا البشر، بل أذلوهم، ورفعت أسعار الإيجارات أسعارًا مضاعفة ومخيفة، ورفعت أسعار السلع ما فوق طاقة الناس، والدانات والمدافع وأصوات الرصاص فوقهم، وأطفالهم يبكون جوعى يبحثون عما يسد رمقهم، ورفعوا أسعار الدواء مضاعفًا، فأصبح المريض يتعايش مع مرضه إلى أن يقابل وجه كريم، وهم يضحكون ويعدون في ملايينهم التي اكتسبوها من موت ضمائرهم.

السودان – أم درمان، نحو عام 1906: مجموعة من النساء السودانيات يجتمعن بجوار جدار طيني مرتفع، مرتديات الأزياء التقليدية التي تعكس ملامح الحياة الاجتماعية والتراث السوداني في تلك الحقبة، نُشرت الصورة بواسطة الصيدلية الإنجليزية في الخرطوم، بعدسة أو ضمن مجموعة جي إن مورهيغ، وتحمل رقم الأرشيف 2003/222/1/2/5، وهي محفوظة ضمن أرشيف بريستول ومجموعة الصور العالمية عبر Getty Images.

حكت لي جدتي أن أهل أم درمان في زمان مضى كانوا إذا وجدوا شخصًا في الطرقات لا يجد مأوى يمنحونه جزءًا من منازلهم ليأويه، بل ويملكونه له، وما زالت كثير من البيوت مسجلة بأسماء أصحابها ويقطنها آخرون، واختشى الوراث من سؤالهم، بل وملكوها لهم. وكانوا إذا وجدوا جائعًا أطعموه، وما مجاعة سنة 1906 ببعيدة، تلك التي فتح فيها الشيخ دفع الله الغرقان مخازنه، فأخرج الحبوب لإطعام أهل أم درمان، فأكل الناس وملؤوا بطونهم بعد تلك الكارثة التي ألمت بالبلاد. وقصة العم محمد محمود شايقي، تاجر العيوش بالموردة، والذي كان يضع أمام بيوت الفقراء ليلًا الذرة لطعامهم دون أن يعرفوا من فعل ذلك، وكثير من القصص التي شاهدنا جزءًا منها. أما الدواء، فأذكر صيدلية أحمد داؤود في أم درمان، والذي كان يلزم صاحبها الأغنياء بدفع علاج الفقراء. كان ذلك هو سلوكنا وإنسانيتنا، وشاهدنا بأم أعيننا كثيرًا من الأسر، أو دعنا نقول معظم الأسر الأم درمانية، استضافت طالبي علم من ولايات السودان المختلفة، ومن أتوا للعلاج أو بحثًا عن العمل.

خرج سكان العاصمة المثلثة ذات صباح مؤلم وقاسٍ، مكذبين غير مصدقين ما يحدث وما رأته أعينهم من هول ما رأت. تلك العاصمة الهادئة الوادعة تحولت بين ليلة وضحاها إلى مدينة أشباح، الجثث تملأ الأمكنة، وأصوات الرصاص والدانات وأزيز الطائرات والمدافع في كل صوب، والدخان يملأ السماء. الجميع هرب فارًا بجلده شمالًا وشرقًا ووسطًا، كل اختار له اتجاهًا. هبطوا في مدن وقرى يطلبون النجدة والحياة، آملين في عودة قريبة إلى ديارهم. في هذا الأثناء، كان البعض يخطط ويدبر على عجالة من أمره في الكسب غير المشروع واستغلال هذا الوضع اللاإنساني بكل انتهازية، فرفعت أسعار الإيجارات، واندهش أهل المدينة من ذلك السلوك الغريب، وهم من كانوا يحسبون أن منبع الكرم والجود هو تلك القرى والمدن المليئة خيرًا وفيرًا، ولكن وآه من لكن، لم يكونوا يعلموا أن الانتهازيين في كل مكان، أن من باعوا ضمائرهم في كل بقعة من بقاع وطننا الحبيب.

ليتهم لو يعلموا بفعلتهم تلك وانتهازيتهم كم مصيبة وكارثة تسببوا فيها، وكم من أسرة أضروا بها، ليتهم لو يعلموا ماذا فعلوا بوطنهم وأهله، ليتهم لو يعلموا مصائرهم أمام الواحد الأحد الجبار، ليتهم لو يعلموا إلى أي منقلب هم ينقلبون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى