عوض الله أفندي

السر السيد
الفنان جمال حسن سعيد صاحب حضور خاص في المشهد المسرحي والدرامي السوداني. ولد جمال في العام 1958 في حي العباسية بأم درمان؛ وكان أول ظهور له ممثلًا على خشبة المسرح القومي في موسم 1977-1978 في مسرحية (بوابة حمد النيل)، تأليف الأستاذ يحيى العوض وإخراج الريح عبدالقادر. بعدها تواصلت مسيرته في المسرح مؤلفًا ومخرجًا وممثلًا، وتواصلت في التلفزيون ممثلًا ومؤلفًا، وفي الراديو ممثلًا.
سنلاحظ أن ما وصفناه بالحضور الخاص للفنان جمال سيتبدى في أن رهانه الأساس كان على التمثيل؛ فهو يؤلف ويخرج ليمثل؛ وهنا نشير إلى ملمح آخر يؤكد هذه الخصوصية، هو أن رصيد جمال في التمثيل غالبه في الأعمال التي ألفها، كان ذلك في المسرح أو في التلفزيون؛ وهو ملمح ربما تكمن أسبابه في شخصية جمال نفسه؛ فهو، كما يرى كثيرون، قليل التفاعل والانخراط في الحياة اليومية للوسط المسرحي؛ فجمال الذي دخل إلى هذا الوسط في سبعينيات القرن الماضي رصيده قليل في التمثيل في أعمال الآخرين مقارنة بحضوره في أعماله.
عنوان مقالنا هذا -عوض الله أفندي- يعود إلى واحد من الأبطال الذين ابتدعهم الفنان جمال، وفي الوقت يعود إلى مسرحيته “عوض الله أفندي” التي ألفها هو وأخرجها على خشبة المسرح القومي المخرج حسبو محمد عبدالله في موسم 1986-1987؛ ثم أخرجها جمال نفسه في العام 1992 على خشبة المسرح القومي.

الأعمال المسرحية والتلفزيونية:
قدم الفنان جمال العديد من الأعمال؛ تأليفًا وتمثيلًا وإخراجًا في المسرح والتلفزيون والراديو؛ ففي المسرح قدم مسرحية (مدفع الدلاقين)؛ بنسختيها كما أشرنا؛ ومسرحية (أمانة ما وقع راجل)؛ من تأليفه وإخراج عماد الدين إبراهيم، ثم من تأليفه وإخراجه على خشبة المسرح القومي قدم مسرحية (عرس أبو الدرداق) في العام 2002؛ ومسرحية (بيت النمل) من تأليفه وإخراجه على خشبة المسرح القومي في العام 2007.
أما في التلفزيون فقد ألف وقام بتمثيل دور الشخصية الرئيسية في سلسلات “كاريكاتير” و”شبابيك” و”بيوت” و”فوانيس” و”مطبات”؛ ولعل ما يمكن ملاحظته في أعماله التلفزيونية هذه، أنها تقوم على الارتجال؛ وعلى الاتكاء على قصص ووقائع من الحياة اليومية؛ لكن من دون اشتغال معمق في البناء والأفكار، على الرغم مما تحمله هذه القصص والوقائع من موضوعات وأسئلة مجتمعية صميمة؛ ومن هنا يمكن القول افتراضًا؛ إن جمال في أعماله التلفزيونية قد أهدر فرصًا كثيرة في أن يكون كاتبًا دراميًا تلفزيونيًا استثنائيًا، ولكنه لأسباب يعرفها هو انحاز إلى ما أسميه أنا العجلة في استعادة المفارقات اليومية رهانًا على لحظة الإضحاك؛ سريعة الذوبان؛ لكن في أعماله المسرحية فالأمر مختلف كما سنرى.
من الحياة الشعبية إلى الفلسفة:
تنهل أعمال جمال من معين الحياة الشعبية وقصص الحياة اليومية وتعيد تصويرها في قالب كوميدي يزاوج بين الملهاة والمأساة. فنظرة سريعة إلى عناوين أعماله؛ (عرس أبو الدرداق/ أمانة ما وقع راجل)؛ وإلى أسماء أبطاله؛ (طيفور/ “باشري”/ “بلة”/”على بدرة”/ “خلف الله” و”شعيرية)؛ تؤكد ذلك النزوع النقدي لواقع الحياة التي يعيشها هؤلاء الأبطال؛ ولعل من أكثر المواقع الاجتماعية التي عبرت عنها أعماله؛ موقع الموظف المسحوق كما في مسرحيات “عوض الله أفندي”؛ و”مدفع الدلاقين” و”أمانة ما وقع راجل”؛ وكذلك حلقة الماهية (المرتب الشهري) التي عرضها التلفزيون القومي.
هذا الحس الشعبي؛ إنما يأخذ قوته وجمالياته من أنه يتخلق من نزوع فلسفي تميز به جمال؛ فأعماله رغم بساطتها الظاهرة إلا أنها تنطوي على أسئلة تتعلق بمعاناة الإنسان ومصيره وهو يكابد أسئلته اليومية المصيرية ذات الصلة بالسلطة بتمظهراتها كافة؛ ففي أعماله يتكلم النمل والميت والمجنون.. في أعماله يتعايش الإنس والجن.. في أعماله يتداخل الواقعي مع الفانتازي.
خاتمة:
استطاع الفنان جمال أن يمنح الكثير من الشخصيات التي قام بتجسيدها وجودًا حيًا ويجعلها تمشي بين الناس؛ فشخصية “شعيرية” على سبيل التي جسد فيها “حارس المرمى” ضعيف الأداء الذي لا يستطيع أن يحمي شبكته وهي تواجه الأهداف من كل صوب وحدب صارت مثلًا على طول السودان وعرضه لكل حراس المرمى الذين يشبهون شعيرية؛ فما من حارس مرمى ضعيف الأداء إلا وأطلق عليه رواد كرة القدم اسم شعيرية، كما أنه نحت بعض المقولات التي صارت مثلًا يتداوله الناس كمقولته (يا خلف الله عذبتنا).
بقي أن أشير إلى مشاركاته ممثلًا في أعمال الآخرين؛ فقد شارك في مسرحية “في انتظار البترول” للكاتب محمد فتح الرحمن والمخرج محمد شريف علي، وفي المسلسل الإذاعي “المدينة تحاصر عبدالله” للمؤلف سعد الدين إبراهيم والمخرج خطاب حسن أحمد وغيرهما؛ وأن أذكر بعض الممثلين الذين منحهم حضورًا مميزًا كالفقيد العزيز مختار بخيت ومحمد عبدالله موسى وإبراهيم كوميك وأبوبكر فيصل؛ مع ملاحظة أنه ومع كل هذه التجربة الطويلة لم يؤسس فرقة أو جماعة؛ فقط كان يتعامل مع الممثلين وفق الظرف والاحتياج الفني.





