العنف اللغوي الإخواني.. البذاءة في خطابهم

عبد الماجد عليش

الخطاب الإعلامي للإخوان المسلمين ينهض على العنف اللغوي، وخلال أعوام التجربة الديمقراطية: أبريل – 1985 – 30 يونيو – 1989 – لم يكفِ إعلام الإخوان عن توجيه الشتائم للخصوم السياسيين ضمن خطاب إعلامي مُسيّس، قاصد وهادف إلى تغيير، بل إزالة القيم والتقاليد المهنية الإعلامية. كان ذلك التوظيف يُعبّر تمامًا عن جوهر المشروع الإخواني الهادف للانفراد بالحكم، ولفرض مفاهيمهم الخاصة. كان مشروعهم مُهيّأً لاستهلاك المؤسسات والتقاليد، ففي الإعلام: استهلاك الخطاب الصحفي لتصبح السيادة فيه للعنف اللغوي، ولِتصبح البذاءة، والبذاءة الجنسية، هي الخطاب السائد. ونشير أيضًا إلى استهلاك مفهوم الوطن – والمواطن ليصبح رديفًا للموت وللقتل: «جئنا لنعلم الناس ثقافة الموت» 1990 – وهي نفس ما ردده البرهان للمواطنين في أغسطس الماضي: «نحن حانموت معاكم!» والإشارة للموت تعني عند الإخوان تشبثهم اللانهائي بالسلطة السياسية حد القتال طلبًا لها وزودًا عنها.

لم يكن الفضاء الإعلامي بنفس السعة الحالية، واحتلت الصحف الورقية المكانة الأعلى في صناعة الرأي وتوجيهه. ولم تتحقق وقتها المصادرة السياسية الإعلامية لصالح حزب سياسي واحد، وكان الإخوان يواجهون أكثر ما يمقتون، وما لا يطيقون، وهو الرأي الآخر، وتعدد الأصوات من منابر مختلفة.

جعلت صحيفة الراية لسان حال الجبهة القومية الإسلامية، وصحيفة ألوان للإعلامي الإخواني حسين خوجلي، إضافة إلى صحف أخرى كانت تابعة لهم، جعلت من العنف اللغوي خطابهم الأساسي. وتمثل هذا العنف أوضح ما يكون في التهديد والابتزاز بشكل مباشر، كما كتب أمين حسن عمر مدير تحرير الراية في: 16 – نوفمبر – 1985: «إننا لكل من يلي عملًا عامًا ثم لا يستقيم بالمرصاد، ويعلم الله أن في حافظتنا صورًا ووثائق تفضح أقوامًا كثر ولا ننشرها لأنهم لم يبدأوا حتى الآن حربًا على الدين ودعاته». كما تمثل العنف اللغوي في تحقير الخصوم السياسيين تعييرًا بمظهرهم الجسدي، وبالادعاء عليهم في صفاتهم الشخصية، كما ظل يفعل حسين خوجلي. هذه اللغة لم تكن حالة شخصية، بل كانت، ولا تزال، تعبيرًا عن حالة لغوية تسم بِسمة العنف الجماعة ومشروعها وكتابها وقادتها. خطابهم اللغوي واحد، تتساوى فيه القيادة السياسية بالقيادة التنفيذية بالقيادة الفكرية والإعلامية مع جمهرة القاعدة. ونثبت هنا أن معركتهم للسيطرة على مجال الإعلام هي أهم معاركهم، فالإخوان ابتداءً هم حالة لغوية، كما أنهم لا يسمحون أمنيًا وسياسيًا بفضاء إعلامي مضبوط بتقاليد إدارة الحوار، فالجماعة العقائدية المتشنجة لا تحتمل خطابًا يوعي الناس، ويخلق من وعيهم طاقة فعل جماعي يتوحدون بها وحولها. إذ يعمدون دومًا لمهاجمة ما يجمع الناس، وإلى تقويض ما يتفق حوله الناس، أيًا كان شكل الإجماع ومقداره.

 

الخوارج.. الحرائر.. الاغتصاب:

ينهض العنف اللغوي الإخواني على خلق ثيمة الخطر الذي يهدد المقدسات. فهناك دومًا مؤامرة دينية تهدد الإسلام، ومفردة الإسلام تعني عندهم برنامجهم السياسي للحكم. والخطر الثاني هو سلاح الاغتصاب الجنسي الذي يهدد الحرائر. خلال الأعوام 1985 – 2005 – كان دعايتهم السياسية تقوم على تكفير الحركة الشعبية بادعاء كفرها مقابل صدق إيمانهم في إخفاء للاختلاف السياسي والمادي: «يلا نفارق الحلة.. نجاهد في سبيل الله». ثم بدعة دعائية لا سابق لها: «عرس الشهيد». وتتجلى الحالة اللغوية في اللغة التي كانت تستعمل في تلك اللحظات الدعائية. ثم، كعادة المشروع الإخواني المحتشد بالتناقضات، عاد الترابي نفسه الذي كان يزوج الشهداء بالحور العين إلى نفي الشهادة عنهم، واصفًا الذين لاقوا حتفهم ممن جيشهم بوصفهم بمجرد موتى لم يصادفوا من يستر ميتتهم (فطائس) في عنف لغوي يكشف عن استهلاكهم للغة وتشويههم لقيم الدين ومقدساته.

الأكثر إثارة بالنسبة للإخوان كان، ولا يزال، هو إثارة النزعات العرقية العنصرية كمادة هجومية ضد الحركة الشعبية الموصوفين بالخوارج، وبأنهم (ما بيشبهونا)، وهي العبارة التي استند عليها خطاب منبر السلام العادل الإخواني. وهي نفس العبارة التي استعملها البرهان، ولا يكف عن تكرارها في خطبه. والوصف بعدم الشبه كان يهدف إلى تعميق الاختلاف الإثني كعامل فرقة سياسية، فمفردة الخوارج كانت تشير إلى زنوجتهم وليس لموقفهم السياسي. ونفس التوظيف نجده في عبارة (عرب الشتات) والذي أنتجه القيادي الإخواني الدرديري محمد أحمد في بدايات الحرب إنكارًا لحق مواطنة قوات الدعم السريع والتي كانت تدفع رواتبها من وزارة المالية السودانية. ولكن مثل هذه المحاججة المنطقية لا تشغل خطاب العنف اللغوي المشغول بإنتاج لفظ أو عبارة صادمة يشغل بها المتلقي، ونضيف سمة سلبية أخرى لخطابهم، وهي أنهم لا يراجعون أنفسهم فيما نطقوا به مطلقًا. عبارة عرب الشتات استعملت لأنه لم يكن اتهام قوات الدعم السريع بالدين المختلف بالسهولة السابقة، ولهذا أصبحت الأولوية للشتيمة البذيئة تعييرًا بالنسب، فمن ينازعونهم السلطة السياسية تحولوا إلى قبائل غير سودانية، ثم أبناء نسب مشكوك فيه، والاستهلاك اللغوي ينتج عبارة (أولاد الضيف)، والغرض من توظيف العبارة الصادمة هو أن تتحول إلى وسيلة تعيق الموقف السياسي من الفحص العقلاني، وتصبح العبارة الصادمة هي الحجة السياسية التي تؤكد صحة الموقف السياسي للإخوان، ويصبح الاتهام بالتشكيك في النسب حجة سياسية تلغي الموقف السياسي للخصم.

عند الحديث عن ضرورة إيقاف الحرب واللجوء للتفاوض لحل النزاع اللاإنساني المشتعل منذ ثلاثة أعوام ونصف العام، يلوح الإخوان بمفردة الاغتصاب كشعار مقدس. وكان قد سبق لهم توظيف المفردة خلال أعوام التجربة الديمقراطية الثالثة 1985 – 30 يونيو – 1989 – لمحاربة أي جهود تتم للحوار وللتفاهم، ولطلب اتفاق سلمي يوقف الحرب الأهلية ذاك الوقت. هدفهم وقتها هو نفس هدفهم الآن: الانفراد بالسلطة السياسية. ولتحقيق هذا الهدف يتم توظيف الحرب وتبني شعارات الدفاع عن الحرائر وحمايتهن من الاغتصاب، ونلاحظ لمفردة الحرائر المشحونة بالدلالات الدينية وبالمحمولات الشعبية، وتجدهم يتعمدون الفحش في التوصيف: اغتصاب الحرائر، اغتصاب الأمهات، الأخوات.

توظيف البذاءة كخطاب حربي:

الحرب الأهلية المشتعلة منذ ثلاثة أعوام ونصف العام كشف بوضوح عن توظيفهم للغة كأداة حربية. أصبح الخروج عن الذوق العام المتفق عليه خطابًا ثابتًا ينتزع المصداقية أو القبول فقط بالقدرة على ترديد ما هو خارج على الأدب العام والذوق، كمثل احتفاء البرهان في أبريل 2025 بالمواطن الذي ردد ساقط القول ومكافأته تأكيدًا على أن البذاءة اللفظية هي جزء من خطابهم الحربي. ونلاحظ أن توظيف البذاءة الجنسية إنما يهدف إلى تصوير الهيمنة الجنسية (عينك فوقو.. تركب فوقو) كلغة بديلة عن الهيمنة السياسية الفعلية. وفي هذه الصورة البذيئة تتداخل ثلاثة مستويات: الجنس باعتباره مادة لغوية مثيرة للخيال وللانفعال – الصياح الانفعالي والإشارات، والرجولة باعتبارها رمزًا ثقافيًا للقوة وللقدرة على السيطرة، والسياسة باعتبارها صراعًا يعاد تخيله وتقديمه بلغة الإخضاع والإذلال. ولم يكن الأسوأ من فرض هذا المستوى الإعلامي اللغوي سوى التبرير بحجة الأهوال التي واجهها الجميع ما يبرر من جانبهم أن تسود البذاءة بين الناس، والمتتبع للتعليقات المتداولة على صفحات وسائط التواصل الاجتماعي سيلاحظ غلبة مفردات وعبارات الإخوان الدعائية الحربية. ولا يرتبط الأمر بالحرب فحسب، ففي واقع الأمر أن خطاب البذاءة ظل هو الخطاب السائد منذ انفراد الإخوان المسلمين بالسلطة في 30 – يونيو – 1989. وكمثال لذلك ما وثقه التاريخ من خطابهم السياسي بصوت الرائد يونس محمود. الشتائم كانت، ولا تزال، هي الغاية الأساسية. وتطاولت الحالة اللغوية التي كانت تستبيح كل قيمة، على قادة الدول الأخرى، وعلى الحياة الشخصية لقيادات المعارضة. كان خطاب البذاءة يُعلن عن عدم اعترافه، وعدم اكتراثه بكل القيم المتفق عليها، كان حديث الثورة يعلن عن انطلاق مرحلة كاملة تتمثل أمامنا في عبارة (بل بس).

خلال أعوام الحرب: 15 – أبريل – 2023 – وحتى اللحظة الراهنة كان العنف اللغوي هو المادة الدعائية الأساسية التي يبررون بها حربهم ويهاجمون عبرها خصومهم. خطاب الاستباحة هو منتوجهم الأساسي، فتجدهم بزعم كونهم محاربين دفاعًا عن الدولة والعرض يلوحون بالخناجر مؤكدين أحقيتهم على ذبح خصومهم السياسيين. قيادتهم السياسية كانت تضيف لخطاب الاستباحة إضافتها الشخصية، فيردد البرهان منتشيًا بفعل القتل (دبل ليهو)، وفي خطاباته كان للشتائم الجنسية موقعًا متقدمًا، مثلما نجد في كلمته المسيئة بتاريخ 5 يناير – 2024، وترديده لفاحش القول ما لم يصدر من زعيم سياسي، وعاد البرهان ليؤكد على سعة قدراته في الإتيان بالقول الفاحش في مخاطبة الناس برسم صورة جنسية في غاية البذاءة في يناير 2025، إضافة إلى كونه لم يكف عن توظيف لغة الجسد جاعلًا من إشارات يديه وسيلة لإرسال الرسائل ذات الإيحاءات الجنسية البذيئة، والتي سرعان ما يلتقطها الإعلام ويجعلها نموذجًا دعائيًا يسيرون به. ولا يقتصر الفحش على البرهان وحده، فللفريق الكباشي إشاراته البذيئة أيضًا، وله أقواله.

إن اللغة هي التعبير المكثف والحقيقي عن جوهر المشروع الحاكم، وبالنظر إلى سيطرة الإخوان على الحكم لأكثر من ثلاثة عقود، فإن ما ينطقون به هو جوهر مشروعهم وليس نتاجًا لحالة طارئة فرضتها أزمة سياسية حربية. فالبذاءة كانت حاضرة في صراعهم هم أنفسهم حينما انفجر الصراع بينهم على السلطة خلال الأعوام 1998 – 2000، وكنموذج لذلك نذكر تلك العبارات المُسيئة الفاحشة التي استعملها أحد قياداتهم الإعلامية وهو المرحوم الصحفي محمد طه محمد أحمد ضد شيخ التنظيم والأب الروحي للمشروع حسن الترابي، إضافة إلى عبارات الترابي نفسه وهو يصف من تمردوا عليه باللصوصية وبالجبن، إضافة إلى مقولته الشهيرة، ينتاش البشير، المحملة بالبذاءة الجنسية والإثنية.

توجيه الشتائم والبذاءات اللفظية لا يكشف عن فقر اللغة فحسب، بل يكشف عن انحطاط في تصور السياسة ذاتها، فالشتيمة تكشف عن فقر الفكرة التي تقف خلف اللغة، وحين تصبح البذاءة بديلًا عن الحجة يغدو العنف اللغوي وجهًا آخر للعجز السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى