السودان.. من تشتت المبادرات إلى توحيد الجهود الوطنية

حاتم أيوب أبوالحسن
في ظل الحرب التي طالت وأثقلت كاهل السودانيين، لم تعد الأزمة محصورة في الصراع العسكري والسياسي، بل امتدت لتضرب بنية المجتمع، وتفكك مؤسسات الدولة، وتضع مستقبل البلاد أمام تحديات غير مسبوقة. وبينما تتعدد المبادرات الإقليمية والدولية بحثًا عن مخرج للأزمة، ظهرت داخل المجتمع السوداني مبادرات عديدة تحاول الاستجابة لاحتياجات الناس، وحماية المدنيين، وتخفيف المعاناة، والدفع نحو السلام والاستقرار.
لكن المفارقة أن كثرة هذه المبادرات لم تتحول حتى الآن إلى قوة وطنية متماسكة، قادرة على توحيد الجهود والتأثير في مسار الأحداث. فهناك مبادرات إنسانية وإغاثية، وأخرى شبابية ونسوية وحقوقية، ومبادرات للسلام والمصالحة والتعايش المجتمعي، إلى جانب جهود السودانيين في دول الجوار والمهجر. ورغم أهمية هذه الأدوار، فإن تشتتها وضعف التنسيق بينها يحدان من أثرها، ويؤديان أحيانًا إلى تكرار الجهود في مناطق، وغيابها في مناطق أخرى.
إن المشكلة ليست في تعدد المبادرات أو اختلاف خلفياتها، بل في غياب الإطار الذي يجمعها حول أولويات وطنية مشتركة. فليس المطلوب دمجها في كيان واحد أو إخضاعها لقيادة مركزية، وإنما بناء مساحة تنسيق وتكامل تحافظ على استقلاليتها، وتستثمر خبراتها، وتمنحها قدرة أكبر على العمل والتأثير.
وتزداد أهمية هذه الخطوة بالنظر إلى تعدد المبادرات الإقليمية والدولية تجاه السودان، من مسار جدة، وتحركات الاتحاد الأفريقي والإيقاد، وجهود دول الجوار، إلى الآليات الرباعية والخماسية ومؤتمرات السلام الدولية. ورغم أهمية هذه المسارات، فإن تعددها وتباين مصالح الأطراف المشاركة فيها يطرحان سؤالًا جوهريًا حول موقع الصوت السوداني المدني والمجتمعي داخل هذه التحركات.
فالسودان ليس مجرد ملف تفاوضي بين العواصم، ولا ينبغي أن يظل مستقبل شعبه محصورًا في تفاهمات الأطراف العسكرية والسياسية. هناك مجتمعات تضررت، وملايين النازحين واللاجئين، ومبادرات ميدانية تمتلك معرفة مباشرة باحتياجات الناس، وتجارب إنسانية يمكن أن تسهم في صياغة حلول أكثر ارتباطًا بالواقع.
ومن هنا تبرز ضرورة الربط بين المبادرات السودانية داخل البلاد وخارجها، وبين الجهود الإقليمية والدولية، دون أن تتحول المبادرات إلى امتداد لأجندات خارجية أو أدوات في التنافس السياسي. فالمبادرات الموجودة في السودان تمتلك الخبرة الميدانية، ومبادرات دول الجوار تلامس واقع اللجوء والنزوح، بينما تستطيع المبادرات في المهجر بناء الشراكات وحشد الدعم والخبرات. وهذا التنوع يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إذا جرى تنظيمه ضمن رؤية مشتركة.
وقد يكون المدخل العملي هو تأسيس منصة سودانية لتنسيق المبادرات، تبدأ بحصرها وتصنيفها وفق مجالات عملها ومناطق وجودها، ثم عقد مؤتمر جامع يضع ميثاقًا مشتركًا يقوم على حماية المدنيين، ووقف الحرب، ورفض خطاب الكراهية، وتعزيز التعايش والمصالحة، وبناء دولة المواطنة والقانون والعدالة والمساواة.
وتتولى هذه المنصة تنسيق البرامج الإنسانية والحقوقية والمجتمعية، وتبادل المعلومات والخبرات، وتحديد الأولويات، وبناء شراكات مع المنظمات الإقليمية والدولية، وإيصال الرؤية المدنية السودانية إلى مسارات الوساطة والحوار، على أن تقوم على التمثيل المتوازن، والشفافية، واستقلالية المبادرات، وألا تتحول إلى تحالف سياسي جديد أو منافس للأجسام القائمة.
إن توحيد المبادرات لا يعني توحيد المواقف في كل القضايا، ولا إلغاء الاختلافات الفكرية والسياسية، وإنما الاتفاق على الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية تجاه السودان ومستقبله. فالمبادرة الإنسانية تحتفظ بطبيعة عملها، والمبادرة الشبابية بأهدافها، والمبادرة الحقوقية باستقلاليتها، لكن الجميع يلتقون حول قضايا لا تحتمل التجزئة، وفي مقدمتها حماية الإنسان السوداني واستعادة السلام وبناء الدولة.
لقد أنتجت الحرب قدرًا كبيرًا من المبادرات والخبرات والتجارب، لكن التحدي الحقيقي هو الانتقال بها من الاستجابة المتفرقة إلى الفعل الجماعي المنظم. فالسودانيون لا ينبغي أن يظلوا مجرد ضحايا ينتظرون ما تقرره مسارات التفاوض، بل يجب أن يكونوا شركاء في تحديد أولويات السلام والتعافي وصناعة مستقبل بلادهم.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مبادرة جديدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة تجمع المبادرات القائمة، ولا يحتاج إلى أجسام إضافية تتنافس على التمثيل، بل إلى إطار يربط الجهود ويوحد الاتجاهات ويحول الطاقات المتفرقة إلى قوة مدنية ومجتمعية فاعلة.
فالسؤال لم يعد: ماذا تستطيع كل مبادرة أن تفعل بمفردها؟ بل ماذا يمكن أن تنجز المبادرات السودانية مجتمعة من أجل وطن يتسع للجميع؟





