السودان.. أزمة مواصلات حادة وشح الوقود يفاقم المعاناة

أفق جديد
لم تعد أزمة المواصلات في السودان محصورة في العاصمة الخرطوم، بل امتدت تداعياتها إلى مدن وولايات عدة، في ظل شح الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع وسائل النقل، ما ضاعف معاناة المواطنين في الوصول إلى مقار أعمالهم ومؤسساتهم التعليمية والأسواق، وسط أوضاع اقتصادية ومعيشية تزداد صعوبة بفعل استمرار الحرب.
وفي الخرطوم وبحري وأم درمان، تصطف السيارات أمام محطات الوقود لساعات طويلة، بينما تشهد مواقف المواصلات العامة ازدحامًا ملحوظًا، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي باتت تلقي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية، ولا سيما وسط العمال والموظفين والطلاب والمزارعين.
ويقول أحمد مدني، وهو عامل في أحد المصانع بمدينة بحري، إن أجرة المواصلات أصبحت تستقطع جزءًا كبيرًا من دخله اليومي، ما يجعله عاجزًا عن تلبية احتياجات أسرته الأساسية من الغذاء والدواء ومصاريف الدراسة.
ويضيف أن الحرب أوقفت عجلة الحياة وقلصت فرص العمل، بينما تتزايد البطالة باستمرار، الأمر الذي جعل تدبير متطلبات الحياة اليومية أكثر صعوبة، خصوصًا مع الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة.
ورصدت «أفق جديد» تزاحم المواطنين في مواقف المواصلات العامة ومحاولات الطلاب الاستعانة بأصحاب السيارات الخاصة والمركبات العسكرية للوصول إلى مدارسهم، في ظل محدودية وسائل النقل المتاحة.
ويقول أنس الرفاعي، وهو موظف حكومي، إنه يعتمد كليًا على المواصلات العامة للوصول إلى مقر عمله، لكن الزيادات المتتالية في التعرفة أصبحت تلتهم جزءًا كبيرًا من راتبه، ما يضطره أحيانًا إلى السير لمسافات طويلة، رغم معاناته من مرض مزمن.
ويشير إلى أن ارتفاع الإيجارات وأسعار الغذاء والدواء، إلى جانب تكاليف النقل، فرض ضغوطًا معيشية غير مسبوقة على الأسر، وأصبح تقليل نفقات التنقل ضرورة لتوفير الاحتياجات الأساسية.
أما الطلاب، فلم يكونوا بمنأى عن تداعيات الأزمة، إذ يقول أمير عثمان، وهو طالب في المرحلة الثانوية، إن الوصول إلى المدرسة أصبح تحديًا يوميًا مع ارتفاع أجرة المواصلات، خصوصًا عندما يضطر إلى استخدام أكثر من وسيلة نقل.
ويضيف أن كثيرًا من الطلاب باتوا يتأخرون عن المحاضرات أو يقطعون مسافات طويلة سيرًا على الأقدام لتوفير نفقات التنقل، فيما يضطر آخرون إلى التغيب عن الدراسة عندما يعجزون عن توفير أجرة المواصلات.
معاناة العاملين في النقل
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على مستخدمي وسائل النقل، بل تمتد إلى العاملين في القطاع الذين يواجهون بدورهم ارتفاع تكاليف التشغيل وصعوبة الحصول على الوقود.
ويقول الفاضل عيسى، وهو سائق حافلة، إن شح الوقود انعكس سلبًا على عدد الرحلات اليومية ورفع تكاليف التشغيل، موضحًا أن الأزمة تفاقمت بصورة كبيرة، وأصبحت تشكل تحديًا بالغ الصعوبة للعاملين في قطاع النقل، في ظل صعوبة الحصول على الوقود وارتفاع أسعاره.
وتعزو نقابة الحافلات ارتفاع تعرفة المواصلات إلى تداعيات الحرب وما صاحبها من تدهور اقتصادي وارتفاع أسعار الوقود وقطع الغيار، الأمر الذي أدى إلى زيادة تكلفة تشغيل الحافلات وانعكس مباشرة على المواطنين.
وتشير النقابة إلى أن تعرفة الخطوط القصيرة تبلغ نحو ألفي جنيه، بينما تصل في الخطوط الطويلة إلى سبعة آلاف جنيه، وهي مبالغ أصبحت تفوق قدرة قطاعات واسعة من المواطنين، خصوصًا مع عودة آلاف الأسر إلى الخرطوم وبحري وأم درمان بعد فترات النزوح.
الأزمة تمتد إلى الولايات
ولا تختلف الصورة كثيرًا في مدن أخرى، حيث تواجه قطاعات واسعة من المواطنين صعوبات مماثلة في التنقل، بفعل شح الوقود وارتفاع تكاليف المواصلات وتراجع وسائل النقل المتاحة.
ويؤكد محمد عبد الكريم، وهو أحد مواطني مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، أن أزمة المواصلات ألقت بظلالها على حياة السكان وأدت إلى تعطل كثير من مصالحهم اليومية، في ظل صعوبة الحصول على وسائل النقل وارتفاع تكاليف التنقل، مشيرًا إلى أن تداعيات الأزمة امتدت إلى مختلف مناحي الحياة وأصبحت تشكل عبئًا إضافيًا على المواطنين الذين يواجهون أوضاعًا معيشية صعبة.
وفي مدينة المناقل بولاية الجزيرة، دفعت أزمة المواصلات وشح الوقود المواطنين إلى البحث عن وسائل بديلة للتنقل، حيث اضطر كثيرون إلى الاستعانة بعربات الكارو التي تجرها الدواب والدراجات الهوائية لإنجاز معاملاتهم وقضاء احتياجاتهم اليومية، في مشهد يعكس حجم تأثير الأزمة على حركة الحياة وعودة بعض مظاهر النقل التقليدية لسد النقص في وسائل المواصلات الحديثة.
الحاجة إلى المعالجات
ويرى عاملون في قطاع النقل أن خفض أسعار الوقود وتوفير إمدادات منتظمة يمثلان مدخلًا أساسيًا لتقليل تكلفة التشغيل وتخفيف العبء عن المواطنين، فيما تعوّل النقابة على أن يسهم توقف الحرب في استعادة الاستقرار الاقتصادي وتحسين أوضاع القطاع.
وبين شح الوقود وارتفاع التعرفة وتراجع وسائل النقل، تتسع دائرة المعاناة في المدن السودانية لتصبح المواصلات عبئًا يوميًا إضافيًا على مواطنين أنهكتهم الحرب وتآكلت دخولهم، وأضحى الوصول إلى العمل أو مقاعد الدراسة يتطلب إنفاقًا وجهدًا يفوقان قدرتهم في كثير من الأحيان.





