سنة خارج الفصول الدراسية: أطفال الفاشر بين النزوح والحرمان من التعليم

عبدالهادي الحاج

في مدينة نيالا تحاول النازحة شيراز موسى أن توفر لأطفالها الثلاثة ما تستطيع من احتياجات الحياة اليومية، لكن مواصلة ابنتها الكبرى تعليمها أصبحت واحدة من أكثر الأشياء صعوبة في ظل النزوح وفقدان مصدر الدخل.

نزحت شيراز من الفاشر مع أطفالها، بعد أن عاشت الأسرة الأحداث التي شهدتها المدينة عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها قبل سنة، ومنذ ذلك الوقت، لا تعرف شيئاً عن زوجها محمد نور إدريس، المفقود خلال الأحداث، لتُصبح المعيلة الوحيدة لأطفالها الثلاثة، وهم أسمهان، وهي في سن المدرسة، وإحسان في سن الروضة، وأواب الأصغر.

كانت أسمهان تواصل تعليمها قبل النزوح، لكن انتقال الأسرة إلى مدينة نيالا وضع مستقبلها الدراسي أمام عقبة جديدة، حيث طُلب من الأسرة دفع رسوم حتى تتمكن الطفلة من مواصلة الدراسة، إلا أن شيراز لا تملك المال اللازم لذلك.

معسكرات النزوح في نيالا

 

استقبلت مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور أعداداً كبيرة من النازحين الفارين من المواجهات العسكرية في مدينة الفاشر ومناطق أخرى، إذ يُقدّر إجمالي النازحين المقيمين في المحلية بنحو 335,064 شخصاً، وفقاً لتحديثات تقارير صادرة في عام 2026، ويشمل الرقم نازحين من ولايات ومناطق متعددة، وليس القادمين من الفاشر وحدهم.

ويتوزع نازحو الفاشر على خيارات سكنية مختلفة، تشمل مراكز الإيواء الجماعية التي أُقيمت داخل المدارس والمباني الحكومية، إلى جانب الأسر التي تستضيفها مجتمعات محلية أو تضطر إلى استئجار مساكن في أحياء المدينة، فيما اتجه آخرون إلى المخيمات المحيطة بنيالا، مثل معسكري كلمة وعطاش.

تقول شيراز لـ «أفق جديد» إنها بالكاد تستطيع توفير احتياجات أطفالها من خلال بيع بعض الأشياء البسيطة في السوق، ولا تجد شخصاً يتكفل برسوم دراسة ابنتها، ومع غياب الأب وعدم وجود مصدر دخل ثابت، أصبح التعليم بالنسبة إلى أسمهان مرتبطاً بقدرة والدتها على توفير مبلغ لا تستطيع تحمله.

ولا تقتصر معاناة الطفلة على حرمانها من الدراسة فحسب، فهي تعاني أيضاً من ثقب في القلب، كانت الأسرة تستعد لإجراء عملية جراحية لها قبل اندلاع الأحداث في الفاشر، لكن الحرب حالت دون ذلك، وغادر الطبيب الذي كان من المقرر أن يجري العملية المدينة، لتتوقف خطة العلاج هي الأخرى.

من دارفور إلى أقصى الشمال

قصة أخرى تكشف جانباً من حرمان الأطفال النازحين من مدينة الفاشر من التعليم، حيث مرّت سنة دراسية كاملة على محمد معتصم حسب الكريم، من دون أن يدخل فصلاً دراسياً، بعدما حرمته ظروف النزوح من فرصة مواصلة تعليمه في مخيم العفاض بمدينة الدبة شمال السودان.

محمد، ابن صفية عبد الباقي، وهي معلمة نزحت مع أسرتها من مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور قبل سنة، ورغم أن التعليم متاح في المخيم، فإن المدارس القائمة لا تستوعب أعداد الأطفال والتلاميذ النازحين، ما جعل الحصول على مقعد دراسي أمراً غير متاح لجميع الأطفال.

تقول صفية لـ «أفق جديد» إن ابنها لم يجد فرصة للالتحاق بالتعليم، وظل سنة كاملة في المنزل، وأن وجود المدارس لم يكن كافياً لتغطية احتياجات العدد الكبير من الأطفال داخل المخيم.

وبالنسبة إلى صفية، التي كانت تعمل في مجال التعليم، فإن بقاء ابنها خارج المدرسة طوال عام دراسي يمثل مصدر قلق بالغ، تقول إن انقطاع التعليم يترك آثاراً سلبية على الأطفال، الذين يجدون أنفسهم في المنزل من دون مقاعد دراسية أو فرصة لمواصلة تعليمهم، بينما لا تملك الأسر النازحة الكثير لتفعله لتغيير هذا الواقع.

ويواجه الأطفال النازحون من الفاشر إلى مخيم العفاض بالولاية الشمالية تحديات متفاقمة في الحصول على التعليم، في ظل اتساع أعداد النازحين وتراجع قدرة المؤسسات التعليمية على استيعابهم.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 130 ألف طفل في مدينة الفاشر تعرضوا لظروف قاسية خلال حصار مطول، حُرموا خلالها من بيئة تعليمية مستقرة، فيما أخرجت المعارك والقصف وتحوّل المدارس إلى مراكز إيواء عدداً كبيراً من المؤسسات التعليمية عن الخدمة.

وفي مخيم العفاض، الذي يضم أكثر من 25 ألف نازح ينحدر معظمهم من دارفور، بينهم أكثر من 4,300 أسرة، مقابل سعة تصميمية لا تتجاوز 3,000 أسرة، يواجه أكثر من 700 طفل في سن الدراسة خطر الانقطاع عن التعليم.

وفي محاولة لتدارك هذا الوضع، أدى 155 تلميذاً من نازحي الفاشر امتحانات الشهادة الابتدائية، فيما جرى حصر نحو 115 معلماً نازحاً داخل المخيم، يمكن الاستفادة منهم في إنشاء مدارس مخصصة للأطفال النازحين.

وتزداد المشكلة تعقيداً مع الظروف المعيشية الصعبة التي تواجهها الأسر في المخيم، ولتوفير الاحتياجات اليومية، تضطر بعض النساء إلى العمل في الأسواق أو الذهاب إلى المزارع، فيما يبحث الأطفال أنفسهم عن طرق لمساعدة أسرهم في مواجهة ضيق المعيشة.

وتقول صفية إن بعض التلاميذ يتجهون إلى المزارع، بينما يذهب آخرون إلى نهر النيل للصيد من أجل بيع الأسماك وتوفير بعض المال لأسرهم.

وفي إحدى المرات، كادت محاولة للصيد أن تتحول إلى مأساة، بعدما ذهب ستة من الأطفال إلى النهر، وهناك تعرضوا لخطر الغرق، لكن تمكن صيادون من إنقاذهم في اللحظات الأخيرة.

بالنسبة إلى صفية، تكشف هذه الحادثة جانباً آخر من آثار بقاء الأطفال خارج المدرسة، فحين لا يجد الطفل مقعداً دراسياً، يصبح الوقت الذي كان يفترض أن يقضيه داخل الفصل متاحاً للعمل أو البحث عن سبل لمساعدة أسرته، حتى عندما تكون تلك السبل محفوفة بالمخاطر.

من جانبه، حذّر المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، من التداعيات طويلة الأمد لانقطاع الأطفال النازحين من مدينة الفاشر عن التعليم، مشيراً إلى أن آثار الحرب لا تقتصر على فقدان المدارس، بل تشمل الصدمات النفسية وتدهور الأوضاع المعيشية وفقدان الشعور بالأمان، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الأطفال على التعلم والاستيعاب.

 

الحصول على المال

بينما تكافح الأسر النازحة من الفاشر لتأمين احتياجاتها الأساسية، يدفع الأطفال ثمناً متزايداً للحرب، التي لم تحرمهم من الاستقرار والأمان فحسب، بل وضعت حقهم في التعليم أمام عوائق يصعب تجاوزها.

وبين أسمهان، التي حُرمت من الدراسة بسبب عجز أسرتها عن دفع الرسوم وتوفير العلاج، وأطفال صفية الذين فقدوا سنة دراسية كاملة بسبب محدودية فرص التعليم في المخيم، تتجلى صور متعددة لمعاناة جيل يواجه خطر خسارة سنوات من التعلم، في وقت تنشغل فيه أسرهم بتدبير سبل البقاء.

شيراز تجد نفسها اليوم أمام احتياجين أساسيين لطفلتها لا تستطيع توفير أي منهما، وهما العلاج والتعليم، وتقول إن إمكانياتها الحالية لا تسمح لها بمتابعة علاج ابنتها، كما لا تسمح لها بدفع رسوم المدرسة وإعادتها إلى مقاعد الدراسة.

وبينما تحاول شيراز إعالة أطفالها من عمل بسيط في السوق، تبقى أسمهان خارج المدرسة، لا بسبب عدم رغبتها في التعلم، وإنما لأن الأسرة فقدت القدرة على تحمل تكاليفه.

وبالنسبة إلى هذه الأسرة النازحة من الفاشر، لم تكن الحرب مجرد رحلة نزوح وفقدان للأب، بل امتدت آثارها إلى مستقبل الأطفال نفسه، فأسمهان التي كانت في سن الدراسة، تجد الآن أن العودة إلى التعليم مرهونة بتوفر المال، في وقت تكافح فيه والدتها من أجل تأمين أبسط احتياجات الأسرة.

فيما تقول صفية إن ضياع سنة دراسية كاملة تعني بالنسبة إلى أطفالها ضياع سنة من مستقبلهم؛ سنة مرت من دون تعليم أو حياة مدرسية أو فرصة لاكتساب المعارف والمهارات التي يحتاجونها لمواصلة دراستهم.

وتضيف أن هذا الوضع يضاعف مخاوف الأسر النازحة على مستقبل أبنائها، خصوصاً مع استمرار صعوبة الحياة وعدم كفاية فرص التعليم المتاحة داخل المخيم.

 

تداعيات نفسية وتعليمية

المعلم والمختص التربوي حسن عبد الرضي حذّر من التداعيات النفسية والتعليمية والاجتماعية لاستمرار انقطاع الأطفال النازحين من مدينة الفاشر عن الدراسة، مشيراً إلى أن الحرب لا تدمّر المدارس فحسب، بل تقوّض أيضاً شعور الأطفال بالأمان والاستقرار، وهما من الأسس الضرورية للتعلم.

وقال عبد الرضي لـ «أفق جديد» إن الأطفال الذين تعرضوا للقصف وفقدان ذويهم وتشرد أسرهم، ثم ابتعدوا عن مدارسهم ومعلميهم وأصدقائهم، يواجهون صعوبات قد تؤثر في التركيز والذاكرة والدافعية للتعلم، فضلاً عن الآثار النفسية العميقة التي قد تخلّفها تجارب الحرب والنزوح.

وأكد أن إعادة الأطفال إلى التعليم لا تقتصر على توفير مقاعد دراسية، بل تتطلب تهيئة بيئة آمنة وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، بما يساعدهم على استعادة قدرتهم على التعلم والاندماج في الحياة المدرسية.

وأوضح عبد الرضي أن قياس الفاقد التعليمي بين الأطفال النازحين يتطلب حصر غير الملتحقين بالمدارس وتحديد مدة انقطاعهم، ثم تقييم مهاراتهم الفعلية في القراءة والكتابة والحساب، ومقارنتها بالمستويات المتوقعة لأعمارهم وصفوفهم الدراسية.

وشدد على أهمية إنشاء قاعدة بيانات محدثة تراعي أوضاع الأطفال النازحين وتكرار انتقالهم، موضحاً أن قياس الفاقد لا ينبغي أن يعتمد على سنوات الانقطاع وحدها، إذ تختلف مستويات فقدان المهارات من طفل إلى آخر، وقد يحتاج بعض الأطفال إلى استعادة المهارات الأساسية، بينما يحتاج آخرون إلى تعويض مقررات دراسية كاملة.

ويقول الباقر إن المدرسة، في ظروف النزوح، لا تمثل مكاناً للتعلم فحسب، وإنما توفر أيضاً مساحة للحماية النفسية والاجتماعية، ما يجعل استعادة التعليم مرتبطة بتهيئة بيئة آمنة للأطفال وتوفير الدعم النفسي اللازم لهم.

وأضاف لـ «أفق جديد» أن تقديرات اليونيسف تشير إلى أن نحو 8 ملايين طفل في السودان ظلوا خارج المدرسة، في ظل تراجع استخدام المباني المدرسية نتيجة إغلاق بعضها وتحويل بعضها الآخر إلى ملاجئ للنازحين أو استخدامات أخرى.

واعتبر أن هذه المؤشرات تعكس حجم الأزمة التعليمية التي خلّفتها الحرب، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال الذين اضطروا إلى النزوح وفقدوا فرص مواصلة دراستهم.

 

تأثير انقطاع التعليم

لا تقتصر تداعيات استمرار انقطاع الأطفال النازحين عن الدراسة على فقدان فرص التعليم، بل تمتد لتشمل آثاراً نفسية ومعرفية واجتماعية قد تتفاقم مع مرور الوقت، فالبعد عن البيئة المدرسية، بالتزامن مع صدمات الحرب والنزوح، قد يزيد من مشاعر الخوف والقلق والعزلة، ويؤثر في التركيز والذاكرة واكتساب المهارات الأساسية، وهذا ما حذّرت منه اختصاصية الصحة النفسية ميداء مبارك، التي قالت إن التداعيات النفسية والمعرفية والاجتماعية لاستمرار انقطاع الأطفال النازحين عن الدراسة لأكثر من سنة بسبب الحرب لا تقتصر على فقدان الدروس والامتحانات، بل تمتد إلى شعور الأطفال بالأمان والاستقرار والانتماء.

وأوضحت مبارك لـ «أفق جديد» أن الأطفال الذين تعرضوا لتجارب قاسية، مثل القصف والنزوح وفقدان أفراد من أسرهم، قد يعانون من القلق المستمر والحزن واضطرابات النوم والكوابيس وصعوبة تنظيم المشاعر، كما قد تظهر لدى بعضهم أعراض مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة أو الاكتئاب، ويصبحون أكثر ميلاً إلى الانسحاب الاجتماعي.

وشددت على أن التعرض للحرب لا يعني بالضرورة إصابة كل طفل باضطراب نفسي، موضحة أن استجابات الأطفال تختلف بحسب شدة التجارب التي مروا بها، وظروفهم الحياتية، ومدى توفر الدعم الأسري والاجتماعي.

وأضافت أن الانقطاع عن الدراسة، بالتزامن مع هذه التجارب، قد يؤثر في التركيز والانتباه والذاكرة، ويضعف القدرة على اكتساب المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، كما يحرم الأطفال من ممارسة الحياة اليومية والتفاعل مع أقرانهم، واللعب، والتعلم التدريجي المستمر.

وأكدت مبارك أن استعادة شعور الطفل بالأمان والاستقرار، والاهتمام بصحته النفسية، يمثلان جانباً أساسياً من تهيئته للعودة إلى التعليم، مشيرة إلى أن الدعم النفسي والتعليم ليسا مسارين منفصلين، بل يعزز كل منهما الآخر؛ إذ تساعد البيئة المدرسية المنظمة على التعافي، بينما يسهم الاستقرار النفسي في تحسين التحصيل الدراسي.

 

تراجع مهارات القراءة والكتابة

يمثل الفاقد التعليمي أحد أبرز تداعيات انقطاع الأطفال النازحين عن الدراسة، إذ يؤدي الابتعاد المطوّل عن الفصول الدراسية إلى تراجع المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، وصعوبة استيعاب المناهج عند العودة إلى التعليم.

ولا يقتصر التأثير على ما يفقده الأطفال من معارف، بل يمتد إلى ضعف التركيز والقدرة على التعلم، وتراجع الثقة بالنفس والدافعية لمواصلة الدراسة.

ويوضّح سامي الباقر أن قياس حجم الفاقد التعليمي لا ينبغي أن يقتصر على إحصاء الأطفال المنقطعين عن الدراسة، بل يتطلب تحديد مدة انقطاع كل طفل، وتقييم مستواه الفعلي في القراءة والكتابة والحساب، ومقارنته بالمهارات المتوقع اكتسابها في مرحلته العمرية والدراسية.

وأكد ضرورة حصر الأطفال النازحين وإجراء اختبارات تشخيصية لتحديد مستوياتهم التعليمية، إلى جانب إنشاء سجلات تعليمية تساعد في تصميم برامج مناسبة لتعويض ما فقدوه من معارف ومهارات.

وحذّر الباقر من أن استمرار انقطاع الأطفال عن الدراسة لعامين أو ثلاثة أعوام قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين أعمارهم ومستوياتهم التعليمية، ويرفع مخاطر التسرب النهائي من المدارس وعمالة الأطفال، فضلاً عن إضعاف فرصهم المستقبلية في التعليم والتأهيل والعمل.

وقال إن استمرار وجود ملايين الأطفال خارج المدارس لا يمثل خسارة تعليمية مؤقتة، بل يهدد مستقبل جيل كامل وقدرة السودان على إعادة بناء مؤسساته وخدماته.

بدوره، أكد المختص التربوي حسن عبد الرضي أن استمرار انقطاع آلاف الأطفال عن الدراسة لعامين أو ثلاثة أعوام قد يؤدي إلى اتساع الفجوة التعليمية بينهم وبين أقرانهم، ويقلص فرصهم في مواصلة الدراسة والتأهيل المهني والحصول على عمل كريم.

وأضاف أن استمرار الحرمان من التعليم يزيد مخاطر تعرض الأطفال لعمالة الأطفال والاستغلال والزواج المبكر والتجنيد، بحسب ظروفهم وأماكن وجودهم، معتبراً أن تداعيات الأزمة تتجاوز مستقبل الأطفال لتطال قدرة السودان على إعادة بناء مؤسساته ومجتمعه.

كذلك حذّرت اختصاصية الصحة النفسية ميداء مبارك من أن استمرار الحرمان من التعليم لعامين أو ثلاثة أعوام قد يفاقم الخسائر التعليمية والاجتماعية والنفسية، لا سيما عندما يترافق مع النزوح وتدهور الأوضاع الاقتصادية والصحية وغياب الخدمات النفسية والاجتماعية.

وأوضحت أن المدرسة لا تقتصر وظيفتها على تقديم المعرفة، بل تمثل مساحة يكتشف فيها الطفل قدراته ويبني شخصيته ويختبر النجاح، وحرمانه من هذه الفرص لفترة طويلة قد يولّد لديه الشعور بالعجز والإحباط، ويؤثر في ثقته بنفسه، فضلاً عن تقليص فرص التفاعل المنتظم مع أقرانه وتعلم مهارات بناء الصداقات وحل الخلافات والتعاون.

وأضافت أن تراكم الفجوات التعليمية قد يجعل الطفل يشعر بالعجز عن مواكبة المنهج عند عودته إلى الدراسة، لكنه لا يعني فقدانه القدرة على التعلم، بل يستدعي توفير برامج تعليمية تعويضية تتناسب مع مستواه الفعلي.

 

ضغط اقتصادي بسبب النزوح

تشكّل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة عائقاً رئيسياً أمام عودة التلاميذ النازحين إلى التعليم، إذ تعجز كثير من الأسر عن توفير تكاليف الدراسة من رسوم ومستلزمات مدرسية ومواصلات، فيما تضطر بعض الأسر إلى إشراك أطفالها في أعمال بسيطة للمساعدة في تأمين احتياجات المعيشة، ما يقلل فرص استئنافهم الدراسة ويزيد مخاطر التسرب المدرسي.

وفي هذا الصدد، تشير مبارك إلى أن ارتباط الانقطاع عن التعليم بالفقر والنزوح قد يدفع بعض الأطفال إلى العمل أو يعرضهم لمخاطر اجتماعية أخرى، مثل الزواج المبكر أو الانخراط في أنشطة خطرة، بحسب ظروفهم الأسرية والاجتماعية والاقتصادية، وحذّرت من أن استمرار هذه الظروف قد يقلل فرصهم في استئناف تعليمهم مستقبلاً، مؤكدة ضرورة التدخل المبكر لحماية حقهم في التعلم.

وفي ما يتعلق بالأطفال الراغبين في مواصلة الدراسة الذين تحول الظروف الاقتصادية أو عدم توفر المقاعد دون التحاقهم بالمدارس، قالت مبارك إن الحرمان لا يعني فقدان فرصة تعليمية فحسب، بل قد يجعل الطفل يشعر بالعجز عن تحقيق هدف مهم بالنسبة إليه.

وأوضحت أن مشاهدة الأقران وهم يذهبون إلى المدرسة ويتحدثون عن دروسهم وواجباتهم ونجاحهم قد تعزز لدى الطفل مشاعر الإحباط والاختلاف عن الآخرين، وتؤثر في تقديره لذاته ودافعيته للتعلم. ومع تكرار محاولات العودة دون جدوى، قد تتراجع رغبته في الدراسة ويفقد الأمل في استئنافها.

وأضافت أن المقارنات الجارحة والتنمر بسبب الفقر أو عدم الالتحاق بالمدرسة قد يزيدان شعور الطفل بالوحدة والحزن، ويدفعانه إلى تجنب الاختلاط بأقرانه. وقد تتولد لدى بعض الأطفال، خصوصاً الذين كانوا يستعدون للانتقال إلى مراحل تعليمية أعلى، مخاوف بشأن مستقبلهم وشعور بأن فرص النجاح أصبحت بعيدة المنال.

فيما يذهب حسن عبد الرضي إلى أن الأسر النازحة التي تكافح لتوفير الغذاء والسكن قد تضطر إلى دفع أطفالها للعمل أو المساهمة في إعالة الأسرة بدلاً من مواصلة الدراسة، كما يمكن أن تشكل تكاليف المواصلات والزي المدرسي والكتب والمستلزمات عوائق أمام العودة إلى التعليم، حتى عندما تكون الدراسة مجانية.

وحذّر من أن هذه الظروف قد تحول الانقطاع المؤقت إلى تسرب دائم، إذا لم تتوفر تدخلات تساعد الأسر على تجاوز أعبائها المعيشية وتضمن عودة الأطفال إلى المدارس.

ودعا عبد الرضي إلى إعلان حالة طوارئ تعليمية، وتوفير مدارس ومراكز تعليم مؤقتة وآمنة في مناطق النزوح، إلى جانب تنفيذ برامج مكثفة لتعويض الفاقد التعليمي، وتقييم مستويات الأطفال وتحديد المسارات الدراسية المناسبة لهم، دون إقصائهم بسبب فترات الانقطاع.

كما شدد على ضرورة توفير الكتب والوجبات والمواصلات والمستلزمات المدرسية مجاناً للأطفال الأكثر احتياجاً، وتدريب المعلمين على التعامل مع آثار الصدمات النفسية، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للتلاميذ.

كذلك أشار سامي الباقر إلى أن فقدان الأسر النازحة مصادر دخلها وارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والعلاج قد يدفع الأطفال إلى العمل أو مساعدة أسرهم بدلاً من الدراسة. كما تمثل تكاليف النقل والكتب والمستلزمات المدرسية عوائق إضافية أمام التحاقهم بالمدارس.

وأضاف أن استمرار النزوح وضعف الخدمات في مناطق الاستقبال يزيدان من هذه المخاطر، مؤكداً أن معالجة الأزمة تتطلب تخفيف الأعباء الاقتصادية عن الأسر، وتوفير المستلزمات الدراسية، ودعم الأسر الأشد فقراً، وضمان مجانية التعليم فعلياً، حتى لا يتحول الفقر إلى سبب للحرمان الدائم من الدراسة.

ودعا الباقر إلى تبني حزمة من التدابير العاجلة لإعادة الأطفال النازحين إلى التعليم، تشمل حصرهم وتحديد احتياجاتهم، وإعادة تأهيل المدارس، وإنشاء فصول مؤقتة ومساحات تعلم آمنة، وتنفيذ برامج تعويضية مكثفة للأطفال الذين فقدوا فترات طويلة من الدراسة.

 

حلم مؤجل

بين أسمهان التي تنتظر أن تتمكن والدتها من دفع رسوم الدراسة، ومحمد معتصم الذي أمضى عاماً كاملاً خارج الفصل، تتجسد أزمة آلاف الأطفال النازحين من الفاشر، الذين لا تهدد الحرب حاضرهم فحسب، بل تمتد آثارها إلى مستقبلهم التعليمي والنفسي والاجتماعي.

ومع استمرار النزوح وتفاقم الأوضاع الاقتصادية ومحدودية فرص التعليم، تزداد مخاطر تحول الانقطاع المؤقت إلى حرمان طويل الأمد، بينما تظل العودة إلى المدارس حلماً مؤجلاً لكثير من هؤلاء الأطفال، تبدو الحاجة ملحّة إلى تدخلات عاجلة تضمن حصولهم على مقاعد دراسية آمنة، وتوفر الدعم النفسي والاجتماعي والبرامج اللازمة لتعويض ما فقدوه من تعليم، حتى لا يتحول ثمن الحرب إلى خسارة جيل كامل لحقه في التعلم ومستقبل أكثر أمناً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى