فلسطينيو ٤٨ – تطور الوعي القومي والسياسي من النكبة إلى انتخابات 2026

تكشف الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة عن تطور مهم في موقع الأحزاب العربية داخل النظام السياسي الإسرائيلي، فقد ارتفع تمثيل القائمتين العربيتين إلى 19 مقعداً من أصل 20 مقعداً، وهو أعلى تمثيل برلماني تحققه القوائم العربية حتى الآن، بالتزامن مع ارتفاع المشاركة الانتخابية بين المواطنين العرب.
وأيضاً، توضح نتائج الانتخابات بأن أياً من طرفَي التنافس لم يحظَ بأغلبية برلمانية تمكّنه من اختيار رئيس وزراء، ومن ثم أصبحت كتلة العرب مؤثرة بشدة في التحالفات السياسية التي تفضي إلى اختيار حكومة إسرائيل القادمة.
ولكن هذه القوة الجديدة تطرح سؤالاً يتجاوز عدد المقاعد التي حازت عليها، وهو: هل تستخدم القوائم العربية وزنها لتغيير الحكومة الإسرائيلية، أم لتحقيق مكاسب مدنية واجتماعية، أم لتغيير طبيعة علاقة الدولة الإسرائيلية بالمواطنين الفلسطينيين؟ الاختلاف بين هذه الأهداف هو المدخل الأساسي لفهم توجهات هذه المجموعات.
وعليه، فإن معرفة الخريطة السياسية للأحزاب العربية أمر واجب، وقبل ذلك تجدر الإشارة إلى أن تسمية «الأحزاب العربية» لا تعني أن جميعها عربية بالكامل، وأن هناك يهوداً أعضاءً في هذه الأحزاب.
أما مجموعاتها فهي كما يأتي:
– القائمة المشتركة: ونالت 11 مقعداً، يقودها يوسف جبارين، وتضم ثلاثة أحزاب: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة العربية للتغيير، والتجمع الوطني الديمقراطي، وتجمع بين التوجه اليساري والحقوق المدنية والهوية الوطنية الفلسطينية.
– القائمة العربية الموحدة (رعم): يقودها منصور عباس، وتنطلق من خلفية إسلامية محافظة اجتماعياً، وتتبع نهجاً براغماتياً يركز على المشاركة الحكومية وتحسين الخدمات والموارد المخصصة للمجتمع العربي.
وكذلك يمكننا استعراض مكونات كل مجموعة حتى نقف على الفوارق الأساسية بينها، فالأحزاب الثلاثة المكوِّنة للقائمة المشتركة يمكن تلخيصها كالآتي:
– الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة: تاريخياً، ترتبط الجبهة بالحزب الشيوعي الإسرائيلي، وتتبنى توجهاً يسارياً اشتراكياً يقوم على التعاون السياسي بين العرب واليهود. حل يوسف جبارين محل أيمن عودة في قيادة الجبهة خلال مايو 2026.
وتتمثل توجهاتها في العدالة الاجتماعية، وحقوق العمال، وتقليص التفاوت الاقتصادي، والمساواة المدنية والقومية، وإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية. وتتميز الجبهة عن بقية المكونات بإعطائها وزناً خاصاً للتحليل الطبقي، ومحاولتها بناء تحالف عربي يهودي على أساس القضايا الاجتماعية والسياسية المشتركة.
– الحركة العربية للتغيير «تعال»: يقودها د. أحمد الطيبي، وهي حركة علمانية ذات توجه وطني فلسطيني، أكثر تركيزاً على النشاط البرلماني والحقوق المدنية والمساواة في المواطنة. تدافع عن إنهاء الاحتلال والتسوية السياسية القائمة على دولتين، وتولي أهمية لتطوير التعليم والصحة والبنية التحتية ومواجهة التمييز. ومن سماتها السياسية استعدادها لاستخدام التفاهمات البرلمانية مع الأحزاب الإسرائيلية الأخرى لتحقيق أهداف محدودة، دون اشتراط الانضمام إلى الحكومة.
– التجمع الوطني الديمقراطي «بلد»: نشأ التجمع عام 1996م، ويرتبط تاريخياً بفكر عزمي بشارة، ويتبنى توجهاً قومياً ديمقراطياً علمانياً. أبرز ما يميزه طرح «دولة جميع مواطنيها»، الذي يطالب بإعادة تعريف الدولة على أساس المواطنة المتساوية، والاعتراف بالإسرائيليين كأقلية قومية ذات حقوق جماعية، إلى جانب الحقوق الفردية. ويؤيد التجمع إقامة دولة فلسطينية، ويطرح قضية اللاجئين والحقوق القومية باعتبارها قضايا أساسية. ظل سامي أبو شحادة رئيساً للحزب، لكنه انسحب من الترشح في انتخابات 2026 بعد إجراءات قضائية بشأن أهليته، مع استمرار حزب التجمع داخل القائمة المشتركة.
وهكذا، فإن الجبهة تركز بصورة أوضح على الصراع الاجتماعي والطبقي والشراكة العربية اليهودية، والحركة العربية للتغيير على العمل البرلماني والحقوق المدنية، بينما يعطي التجمع أولوية لمسألة الهوية القومية وطبيعة الدولة.
هذه تباينات في المنهج والأولويات، مع وجود أرضية مشتركة واسعة في معارضة الاحتلال والمطالبة بالمساواة.
أما القائمة العربية الموحدة «رعم»، فهي تمثل اتجاهاً مختلفاً نسبياً عن مكونات القائمة المشتركة، إذ ارتبط الحزب تاريخياً بالحركة الإسلامية، ويجمع بين المحافظة الاجتماعية والدينية والعمل البرلماني البراغماتي، وينطلق منصور عباس من فكرة أن مشاركة العرب في الحكم، والحصول على الموارد والموازنات، يمكن أن يحقق إنجازات ملموسة للمجتمع العربي.
وقد اختبر هذه المقاربة عام 2021 حين انضم إلى الائتلاف الحكومي بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد، في تجربة غير مسبوقة لحزب عربي مستقل في ائتلاف حكومي إسرائيلي.
وفي انتخابات 2026، ضمت قائمته يواف سيغاليوفيتش، المسؤول الأمني والسياسي الإسرائيلي السابق، في المرتبة الثانية، بما يعكس محاولة لتوسيع قاعدة الحزب وتعزيز التعاون العربي اليهودي، خصوصاً في مكافحة الجريمة المنظمة.
ويمكن تلخيص أولوياته في أربعة مجالات:
– مكافحة الجريمة والعنف.
– زيادة الموازنات المخصصة للبلدان العربية.
– تطوير التعليم والإسكان والبنية التحتية.
– توسيع التمثيل السياسي للعرب في مؤسسات الدولة.
والقراءة السياسية للراهن السياسي لإسرائيل تستدعي النظر إلى ثلاثة تطورات تحت نتائج الانتخابات:
– انتقال الثقل العربي من الهامش البرلماني إلى التأثير المحتمل في تشكيل الحكومة.
– استمرار الجدل حول شرعية التمثيل السياسي العربي؛ ففي 23 سبتمبر 2026، صوتت لجنة الانتخابات المركزية لصالح استبعاد القائمتين العربيتين، لكن المحكمة العليا أبطلت القرار بالإجماع في 2 أكتوبر، معتبرةً أن الأدلة المقدمة لا تستوفي المعايير القانونية للاستبعاد.
– بروز تناقض داخل المعارضة الإسرائيلية؛ تملك المعارضة بقيادة آيزنكوت 48 مقعداً، ومع القائمتين العربيتين يصل العدد إلى 67، غير أن آيزنكوت وضع شروطاً سياسية تتعلق بهوية الدولة والموقف من حماس، كما ترفض وجود أحزاب رئيسية في معسكره إشراك القوائم العربية في الحكومة، في المقابل أعلن يوسف جبارين استعداد القائمة المشتركة للنظر في دعم حكومة أقلية من الخارج، بينما أبدى منصور عباس استعداده إلى حكومة يقودها آيزنكوت.
ونختم بالقول إن نتائج انتخابات 2026 تكشف عن قوتين متزامنتين: تنامي الحضور الانتخابي العربي، واستمرار القيود السياسية على تحويل هذا الحضور إلى مشاركة فعلية في الحكم.
ولكن تصبح المفارقة التي تستحق التأمل: كما أصبحت القوائم العربية رقماً يصعب تجاهله في الحسابات البرلمانية، ما زالت الأحزاب الإسرائيلية الرئيسية تختلف حول قبولها شريكاً قومياً.





