الدونكي ملاذ البقاء في زمن الرماد

 يوسف الغوث

في قلب الخرطوم وبلداتها التي أرهقتها الصدمات، حيث تنام العواصم على هدير الفواجع، وتستيقظ البوادي على أنين الأرض الموجعة.

ثمة حكاية تولد من رحم الطين والصلابة، حكاية بطل قديم تخطى عتبات النسيان ليصبح ملاذ الروح وسادن البقاء حين أظلمت الدنيا وتهاوت قلاع التكنولوجيا.

لقد غيرت الحرب وجه المدينة، فلم تعد المعارك تدار بحد السلاح التقليدي، بل تسللت عبر السماء كوابيس في شكل مسيرات صامتة تبث الموت بآلية باردة… لقد استهدفت هذه المسيرات عصب الحياة، ومزقت شرايين الضوء، فهوت محطات الطاقة صريعة، واختفت الكهرباء، وارتدت المدن في غيابات ظلام دامس، جفت معه الشرايين المائية، وصارت الصنابير ناطقة بالعدم والسراب.

في تلك اللحظة الحرجة التي تقاطعت فيها خطوط العطش مع سياط العتمة، وأيقن الجميع أن المنظومة الحديثة ليست سوى وهم يذروه الريح، ارتدت الذاكرة السودانية إلى باطن الأرض، حيث مالت القلوب بلهفة وانكسار نحو الدونكي، ذلك المورد المائي القديم الذي ظل قابعًا في وجدان الأرياف والضواحي كسر دفين ينتظر ساعة العسرة.

لقد عاد الناس، شيبًا وشبابًا، يحملون أوانيهم وظلالهم المتعبة، ويزحفون نحو تلك الآبار التي لم تخذل أحدًا يومًا، تحلقوا حول صهاريجها كالفراش الذي ينشد النور، فجادت عليهم الآبار الجوفية ماءً نميرًا تنفض عن كاهلهم غبار الحرب ومسغبة الأيام.

لقد تواثق الأهالي على إحيائها بالطاقة الشمسية تارة، وبالتكافل والتضامن تارة أخرى، ليتحول كل دونكي إلى واحة صمود واجتماع تتردد في جنباتها ضحكات الأطفال الممتزجة بخرير الماء، ودعوات الأمهات الصاعدات نحو السماء.

لقد أوضحت طوابير البشر الممتدة حول هذه الآبار الحقيقة العارية التي يحاول المدافع دعاة الحرب حجبها، والمتمثلة في أن المواطن البسيط وحده هو الضحية الحقيقية لترس هذه الحرب الطاحنة.

إن المواطن البسيط هو الذي يدفع من أمنه وصحته وقوت يومه ثمن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، فبينما تتسابق المسيرات لتدمير ما بقي من مظاهر التمدن، يقف الإنسان السوداني حافيًا باحثًا عن قطرة ماء تحميه من الفناء…

لا بد من إيقاف هذه الحرب ووضع حد لأوزارها، لأن إيقاف الحرب يعتبر ضرورة إنسانية عاجلة وأخلاقية لا تقبل التأجيل، ليعود السلام إلى الأرض والوئام إلى القلوب…

لا بد من توقف هذه المعاناة التي طالت واستطالت وتجاوزت كل حدود الاحتمال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى