“لن نعمل في هذه الظروف”.. المعلمون في السودان يعلنون الإضراب

الخرطوم- محمد عبد الباقي
بدأت لجنة المعلمين السودانيين إضراباً مجدولاً تزامناً مع بداية العام الدراسي الذي أعلنت عنه وزارة التربية والتعليم العام.
وكانت وزارة التربية والتعليم العام أعلنت بداية العام الدراسي في الثامن عشر من أكتوبر الجاري، قبل أن تعلن لجنة المعلمين السودانية، وهي كيان نقابي، الدخول في إضراب مجدول يبدأ من ولاية الخرطوم باعتبارها الأكثر تأثيراً وكثافة سكانية، احتجاجاً على عدم تنفيذ عدة مطالب تقدمت بها اللجنة مرات عديدة دون أن تجد استجابة من جهات الاختصاص.
تأتي في مقدمة مطالب لجنة المعلمين صرف متأخرات الاستحقاقات المالية التي توقفت منذ اندلاع الحرب قبل نحو 42 شهراً، ورفع الأجور التي تآكلت بصورة غير مسبوقة بسبب تدني سعر صرف الجنيه السوداني، إذ أصبح الأجر الشهري للمعلم لا يتجاوز ما يعادل 25 دولاراً.
كذلك طالبت اللجنة بمنح معلمي ولايات كردفان ودارفور أجورهم التي توقفت منذ بداية الحرب بحجة وجودهم في مناطق سيطرة الدعم السريع، إلى جانب تأهيل المدارس التي نهبت محتوياتها ودمرت بفعل الحرب، وتوفير الكتاب المدرسي والإجلاس الذي أصبح معدوماً في المدارس.
وكانت أزمة التعليم في السودان قد تفاقمت بصورة لافتة في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وتراكم المشكلات التي يعاني منها المعلمون منذ سنوات، وعلى رأسها تدني الأجور وتأخر صرف المرتبات والاستحقاقات المالية، إلى جانب تدهور بيئة العمل وغياب أبسط مقومات العملية التعليمية داخل المدارس.
وفي وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استعادة استقرار المؤسسات التعليمية وضمان حق ملايين الأطفال في التعلم، تتجه الأزمة نحو مرحلة أكثر تعقيداً مع تجاهل السلطات الحكومية مطالبات المعلمين المتكررة بحقوقهم، وهذا ما دفعهم إلى اللجوء للإضراب أكثر من مرة.
ووفقاً للجنة المعلمين، فإن الإضراب المجدول الذي بدأ حالياً في ولاية الخرطوم سيشمل كل الولايات في حال لم تستجب السلطات لمطالب المعلمين وتعمل على معالجة أوضاعهم المعيشية والمهنية.
ولا تقتصر دوافع الإضراب على المطالبة بزيادة الأجور وتحسين شروط الخدمة، بل تمتد إلى أزمة أوسع تتعلق بالمطالبة برفع ميزانية التعليم إلى 20 في المئة من الميزانية العامة.
وفي ظل هذا الوضع، يعاني المعلمون من أزمة معيشية خانقة نتيجة ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والمواصلات والاحتياجات الأساسية. وتزداد حدة هذه المعاناة في ولايات كردفان ودارفور، حيث يواجه المعلمون أوضاعاً أكثر تعقيداً بعد أن حرموا من أجورهم بسبب وجودهم في مناطق تقع تحت سيطرة الدعم السريع، ما يثير تساؤلات بشأن مصير حقوقهم المالية والجهة المسؤولة عن ضمان حصولهم على مستحقاتهم، في وقت لا يزال فيه استمرار الحرب يفرض قيوداً كبيرة على حركة السكان وقدرتهم على العمل والوصول إلى الخدمات.
وبالتوازي مع الأزمة المالية، تتفاقم التحديات التي تواجه المدارس التي تعاني من تدهور البنية التحتية وغياب الصيانة ونقص الإجلاس المدرسي.
وبحسب إفادات عدد من المعلمين، يكتسب إضراب معلمي ولاية الخرطوم أهمية خاصة بالنظر إلى احتمال تحوله إلى نقطة انطلاق لتحرك أوسع يشمل ولايات أخرى، في ظل تشابه المطالب.
وتتهم لجنة المعلمين السودانية السلطات الحكومية بمحاولة رفع يدها عن التعليم الحكومي ووقف الإنفاق عليه لصالح التعليم الخاص حتى تضطر الأسر إلى إلحاق أبنائها بالمدارس الخاصة بدلاً من الحكومية التي ظلت تتوقف باستمرار تبعاً لإضراب المعلمين الذي تكرر أكثر من مرة خلال فترات متقاربة.
ويصف سامي الباقر، المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، الطريقة التي تتعامل بها السلطات الحكومية مع مطالب المعلمين بأنها غير مرضية وتكشف بصورة أكبر عن رغبتها التي أصبحت واضحة، وهي وقف الإنفاق نهائياً على التعليم في القطاع الحكومي وتجفيفه لصالح التعليم في القطاع الخاص.
وقال سامي لـ”أفق جديد”: “من أهم مطالب اللجنة التي تقود الإضراب الضغط على الحكومة لزيادة الإنفاق على التعليم، ورفع الحد الأدنى لأجور المعلمين إلى 500 ألف جنيه وجعل الإنفاق على التعليم مركزياً تتولاه الحكومة المركزية بدلاً من تركه للولايات الفقيرة وحل مشكلة معلمي كردفان ودارفور الذين توقفت أجورهم من بداية الحرب، وتنفيذ ترقيات المعلمين المؤجلة منذ فترة في بعض الولايات، وتسديد المتأخرات المتراكمة منذ العام 2023”.
يتابع سامي: “تطالب اللجنة بتهيئة البيئة المدرسية التي أصبحت طاردة للغاية، وتوفير الإجلاس والكتاب المدرسي وصيانة المرافق الخدمية مثل الحمامات، فالكتاب المدرسي لم يطبع منذ سنوات وهناك مراحل دراسية لم تطبع لها كتب أصلاً، ولا يتوفر كتاب مدرسي حالياً لبعض فصول المرحلة الثانوية، حتى في المدارس نفسها”.
ووجدت آلاف الأسر في ولاية الخرطوم نفسها أمام تعقيدات هائلة بسبب استمرار إضراب المعلمين الذي حال دون إرسال أبنائها إلى المدارس الحكومية، في الوقت الذي ارتفعت فيه الرسوم السنوية في المدارس الخاصة إلى أرقام تفوق مقدرتها المالية.
يقول إبراهيم سليمان، وهو معلم وموجه تربوي متقاعد، لـ”أفق جديد”: “يواجه قطاع التعليم أزمة حقيقية تستحق الوقوف عندها من قبل الدولة التي تركت أمر التعليم تماماً، وحولت كل الميزانية إلى الإنفاق على الحرب المستمرة، ومع أزمة تدهور سعر صرف العملة الوطنية وجد المعلمون أنفسهم غير قادرين على الوصول إلى المدرسة، أما مسألة معيشتهم وأسرهم فأصبحت شاقة وصعبة للغاية”.
يضيف إبراهيم: “استمرار الوضع بهذه الطريقة سوف يهدد مستقبل التعليم الذي يعاني أصلاً خللاً ومشكلات كثيرة، وسوف تتطور هذه المشكلات، وسيكون ضحيتها مزيد من الأطفال الذين يخسرون فرصتهم في التعليم ويتحولون إما إلى فاقد تربوي أو إلى وقود لهذه الحرب والحروب القادمة”.
أما أحمد علي، وهو معلم بالمرحلة الثانوية في ولاية شرق دارفور وواحد من آلاف المعلمين في إقليم دارفور الذين توقفت أجورهم منذ بداية الحرب، يقول لـ”أفق جديد”: “الدولة قررت بوضوح رفع يدها عن التعليم وتحويله إلى القطاع الخاص دون مراعاة لحقوق الأطفال وأولياء الأمور الذين أفقرتهم الحرب وأصبحوا غير قادرين على توفير وجبة الإفطار لأسرهم، دعك عن دفع الرسوم الباهظة في المدارس الخاصة التي شجعتها الحكومة بصورة لم يحدث لها مثيل خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو ما جعل أعدادها تتضاعف عشرات المرات”.
وتابع أحمد علي: “الدليل على تجاهل السلطات الحكومية أمر التعليم هو إيقاف أجور المعلمين في كردفان ودارفور بحجة وجودهم في مناطق الدعم السريع، فهذه حجة في غاية الغرابة لأنه لا يستقيم المنطق بأن تشترط الدولة على المواطن النزوح من بيته من أجل الحصول على حقوقه، وإلا تعاقبه بالحرمان وتتعامل معه كأنه مجرم. هذا ما يحدث معنا نحن المعلمين في دارفور، فالحكومة المركزية حرمتنا من أجورنا لأكثر من ثلاثة أعوام وأغلقت آلاف المدارس التي كانت تستقبل آلاف التلاميذ في إقليم دارفور الذي تبلغ مساحته ثلث مساحة البلاد، وفي ذات الوقت لم تهتم بالتعليم حتى في المناطق التي تخضع لسيطرتها في بقية الولايات”.
تتشابه أوضاع المعلمين في كل ولايات السودان من حيث توقف الأجور وتدهور أوضاعهم المعيشية، وهو ما حال في كثير من الأوقات دون قيامهم بمهمتهم التعليمية وفقاً لعبد القيوم، وهو معلم من ولاية شمال كردفان طلب الإشارة إليه باسمه الأول فقط.
قال عبد القيوم لـ”أفق جديد”: “أجر المعلم في إقليم كردفان لا يتجاوز 200 ألف جنيه، وهو أقل من 23 دولاراً في الشهر، وفي مثل هذه الأوضاع لا يمكن أن تستمر العملية التعليمية، زد على ذلك أوضاع المدارس التي تعرضت للتخريب والسرقة واستخدم كثير منها مراكز إيواء للنازحين، ما أدى إلى تدمير محتوياتها من دون أن يتم ترميمها، وهي تفتقر حتى إلى الإجلاس، ورغم هذا قررت وزارة التربية والتعليم فتح المدارس، وكأن الأمور يمكن أن تسير بهذه الطريقة غير المستقيمة”.
ويشير عبد القيوم إلى أنه في الوقت الحالي لو قرر الذهاب إلى المدرسة لن يستطيع لأنه لا يملك قيمة تذكرة وسيلة النقل العام التي تقله يومياً من وإلى مكان عمله.
وتوقع أن يمتد الإضراب الحالي من الخرطوم إلى كردفان في الأيام المقبلة لأن المعلمين في الأساس غير قادرين على الوصول إلى المدرسة حتى إذا قرروا مواصلة التعليم من دون الحصول على أجور.
من جهته، قال مسؤول في وزارة التربية والتعليم العام لـ”أفق جديد” تعليقاً على مطالب لجنة المعلمين التي قالت إنها ظلت تحصل على وعود بتحقيق مطالبها دون تنفيذها، ولذلك لجأت إلى الإضراب: “الدولة في وضع اقتصادي شبه منهار، وكل الموارد تذهب لدعم المجهود الحربي، وحالياً ليس هنالك أي خيار لدفع مستحقات المعلمين، والتي رغم تراكمها لسنوات من المؤكد أنه سوف يتم الإيفاء بها في القريب العاجل متى ما توفرت الإمكانيات المالية اللازمة”.
وفي السابع من أغسطس الماضي، قالت أمينة محمد، نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، في مخاطبة أمام مجلس الأمن، إن ما لا يقل عن ثمانية ملايين طفل في سن الدراسة ما زالوا خارج الفصول الدراسية، مع تأثير غير متناسب على ملايين الأطفال النازحين، وخاصة أولئك الذين فروا إلى دول الجوار.
وأضافت أمينة: “في دارفور التي مزقتها الحرب وحدها، تضررت أو دُمّرت أو أصبحت غير صالحة للاستخدام ما يقرب من ثلاثة أرباع المدارس منذ اندلاع القتال في أبريل 2023”.





