كوستي.. الحياة معركة في آخر مدن الجنوب

تواجه محطة أم دباكر الحرارية بولاية النيل الأبيض توقفاً قد يمتد إلى عدة أشهر، عقب تعرضها لهجوم بطائرات مسيَّرة تابعة لقوات الدعم السريع خواتيم الأسبوع الماضي، ألحق الهجوم أضراراً جسيمة بمكوناتها الرئيسية، وأدى إلى خروجها من الخدمة، وانقطاع التيار الكهربائي عن ولايتي النيل الأبيض وشمال كردفان.

وأفادت شبكة كهرباء النيل الأبيض، في تعميم صحفي، بأن الأضرار التي لحقت بالمحطة شملت تدمير أربعة محولات رئيسية وإصابات طالت وحدات التوليد، الأمر الذي يجعل أعمال الإصلاح وإعادة التأهيل عملية معقدة، قد تستغرق عدة أشهر، بالنظر إلى حجم الخسائر وأهمية المعدات المتضررة في تشغيل المنشأة.

في هذا الواقع، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: هل أصابت المسيَّرات محولات الكهرباء في محطة أم دباكر وحدها، أم أصابت معها حياة الناس وتفاصيل يومهم في هذه الأنحاء؟

بالنسبة إلى قاسم إبراهيم، أحد مواطني مدينة كوستي، فإن المسيَّرة لم تضرب محطة أم دباكر فحسب، بل أصابت تفاصيل الحياة في المدينة، وامتدت شظاياها إلى مختلف جوانب المعيشة. يقول إن أربعة أيام من انقطاع التيار الكهربائي كانت كافية لتكشف حجم الارتباط بين الكهرباء وأبسط احتياجات الناس، خصوصاً مع تفاقم أزمة مياه الشرب في المدينة المطلة على النيل، وهي أعباء جديدة أضيفت إلى أزمات الوقود والانفلات الذي تشهده الأسواق السودانية عموماً.

في كوستي، لم يعد انقطاع الكهرباء مجرد ظلام يخيم على المنازل، بل تحوّل إلى أزمة تتناسل منها أزمات أخرى. فقد قفز سعر لوح الثلج إلى 60 ألف جنيه، في حال توفره، لكن المسألة لم تعد متعلقة بحرمان الناس من مياه باردة في مدينة اعتادت حرارة الصيف، إذ تجاوزت الأزمة الثلج لتصل إلى عمق الحياة اليومية، وتطرق أبواب المخابز التي وجدت نفسها في مواجهة نقص الكهرباء والوقود وارتفاع تكاليف التشغيل.

واضطر عدد من أصحاب المخابز إلى التوقف عن العمل، بعدما بات الحصول على الوقود، حتى من السوق السوداء، عبئاً إضافياً على كلفة الإنتاج. وإلى جانب ذلك، جاءت الزيادات المتلاحقة في أسعار الثلج والدقيق لتضع هذه المخابز أمام معادلة شديدة الصعوبة.

وفي المدينة، تُباع رغيفتان بألف جنيه، بينما تتزايد طوابير المواطنين أمام المخابز، وتتداخل الشكاوى بين زبائن يحتجون على صغر حجم الرغيف، وأصحاب مخابز يشكون تراجع العائد المالي في ظل ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، ويلوح بعضهم بإغلاق أبواب مخابزهم في أي لحظة.

وهكذا، لم تعد قطعة الخبز التي ظلت حاضرة في تفاصيل المائدة السودانية أمراً يسيراً؛ فالحصول عليها بات مشروطاً بقدرة المواطن على تحمل السعر، وبقدرة المخبز نفسه على الاستمرار في العمل.

ولا تنحصر الأزمة في كوستي داخل المنازل التي غابت عنها الكهرباء والمياه، ولا تتوقف عند شبابيك المخابز والصفوف الممتدة أمامها. فثمة مشهد آخر يختصر جانباً من معاناة المدينة، ترسمه طلمبات الوقود التي تصطف أمامها السيارات في انتظار حصتها، والمواقف الخالية من وسائل المواصلات، فيما ترتفع تعرفة «الركشات» التي تعمل في خدمة الطرحة داخل المدينة، لتضيف عبئاً جديداً على مواطن بات يدفع أكثر مقابل مسافات اعتاد قطعها بتكلفة أقل.

وفي الأسواق، تمضي الأسعار في مسارها الصاعد، كأنها لا تعرف سقفاً لتتوقف عنده. فالعائد إلى منزله بعد رحلة البحث عن احتياجات أسرته يجد نفسه أمام التزام جديد لا يقل وطأة عن بقية الالتزامات: الحليب. إذ بلغ سعر الرطل أربعة آلاف جنيه، فيما تتكرر التبريرات ذاتها على ألسنة التجار، من ارتفاع سعر الصرف إلى أزمة الترحيل وتكاليف النقل، وهي عوامل ألقت بظلالها على مجمل السلع، ولم تنجُ منها حتى أبسط احتياجات المعيشة.

لكن معاناة مواطني كوستي لا تتوقف عند حدود الأسواق، فالأزمة الأكثر إلحاحاً تتعلق بالخدمات الأساسية، وفي مقدمتها مياه الشرب والكهرباء، حيث يتداخل انقطاع التيار مع ضعف الإمداد المائي، لتصبح الحياة اليومية أكثر مشقة.

وفي تطور جديد، تفاقمت أزمة المياه بالمدينة عقب انقطاع التيار الكهربائي إثر استهداف محطة أم دباكر الحرارية بطائرة مسيَّرة في 29 أكتوبر الجاري، ما أدى إلى تأثر إمدادات المياه واضطرار إدارة مياه كوستي إلى تشغيل المحطة الجديدة بالوقود وفق جدول زمني محدود.

وبحسب إدارة المياه، اقتصر التشغيل خلال الأيام العادية على فترتين: من السادسة حتى الحادية عشرة صباحاً، ومن السادسة حتى الحادية عشرة مساءً. وهي ساعات محدودة لا تكفي، في ظل اتساع المدينة وتزايد احتياجات سكانها، لتأمين إمداد مستقر للمياه.

وفي ظل هذا الاضطراب، عادت عربات الكارو إلى شوارع المدينة، حاملة جراكن المياه إلى الأحياء والمنازل، في مشهد يعيد إلى الواجهة وسائل الحصول على المياه خارج شبكات الإمداد. وأشار مواطنون إلى أن سعر جركانة المياه تجاوز ألف جنيه، مع استمرار انقطاع الإمداد عن بعض الأحياء لأكثر من يومين.

وتتضاعف المعاناة في الأحياء التي تفتقر أصلاً إلى شبكات المياه، حيث يجد السكان أنفسهم أمام خيارات محدودة: شراء المياه بأسعار إضافية، أو البحث عنها من مصادر بديلة، في وقت لم تعد فيه دخول الأسر تحتمل مزيداً من النفقات. وهكذا، يتحول الحصول على مياه الشرب من حق أساسي إلى عبء يومي آخر في قائمة الأعباء التي تثقل كاهل المواطنين.

ولا تقف آثار انقطاع الكهرباء وشح الوقود والمياه عند المنازل والأسواق، بل تمتد إلى المؤسسات الصحية التي تعتمد بصورة مباشرة على هذه الخدمات لاستمرار عملها.

فقد حذرت جمعية أصدقاء مرضى الكلى في كوستي من التداعيات المحتملة لنقص الوقود والمياه على استمرار جلسات الغسيل الدموي بمركز (عباس إبراهيم) بكوستي، مشيرة إلى حاجة المركز اليومية إلى برميل ونصف من الوقود لتشغيل المولدات، إلى جانب المياه الضرورية لإجراء جلسات الغسيل.

وبذلك، يجد مرضى الفشل الكلوي أنفسهم أمام أزمة تتجاوز مشقة الوصول إلى العلاج، لتصل إلى تهديد انتظام الخدمة الطبية التي ترتبط بها حياتهم، في ظل احتياجات لا تحتمل التأجيل أو الانقطاع.

لكن معاناة القطاع الصحي لا تقف عند حدود تهديد استمرار جلسات الغسيل. فثمة مشهد آخر تضج به شوارع المدينة وصيدلياتها، عنوانه الارتفاع المتواصل في أسعار الأدوية، بمعدلات تثقل كاهل المواطنين، وتضع المرضى أمام خيارات قاسية بين شراء الدواء وتوفير احتياجات أخرى لا تقل ضرورة.

وعلى رفوف الصيدليات، تتجاور عبوات الأدوية مع عجز كثير من المرضى عن دفع قيمتها، فيضطر بعضهم إلى مغادرة الصيدلية دون الحصول على العلاج. يقول أحد المواطنين، بعدما عجز عن توفير ثمن الدواء: «انتهت حلول الأرض، والأمر متروك لحلول السماء».

عبارة تختصر عجزاً يتجاوز القدرة على الشراء، وتكشف عن مأساة مواطن لم يعد يملك من الخيارات ما يكفي لمواجهة المرض، في وقت تتراجع فيه قدرته على الوصول إلى العلاج بفعل الارتفاع المتواصل في الأسعار.

 

أسئلة بلا إجابات

أمام هذا المشهد، تبرز أسئلة كثيرة حول دور حكومة ولاية النيل الأبيض والسلطات المحلية في التعامل مع هذه الأزمات المتراكمة. ما التدابير التي اتخذت لضمان استقرار إمدادات مياه الشرب؟ وما خطتها لتأمين الوقود للمرافق الحيوية، وفي مقدمتها المستشفيات ومراكز الغسيل الكلوي والمخابز؟ وكيف ستواجه الزيادات المتلاحقة في أسعار السلع والمواصلات؟ وما الإجراءات التي يمكن اتخاذها لتخفيف الأعباء عن مواطنين باتوا يواجهون صعوبة في توفير أبسط احتياجاتهم؟

أسئلة تبدو معلقة بلا إجابات واضحة، في وقت تتسع فيه دائرة المعاناة، وتتراجع قدرة المؤسسات الخدمية على الاستجابة لاحتياجات السكان.

ومع ذلك، لا يمكن فصل ما تشهده كوستي عن السياق الأوسع للحرب في السودان؛ فالمسيَّرة التي أصابت محطة أم دباكر تمثل أحد وجوه الحرب وتداعياتها المباشرة على البنية التحتية، مثلما يعكس انفلات الأسعار وأزمات الوقود والنقل وجهاً آخر من آثارها الممتدة على الاقتصاد ومعاش الناس.

في كوستي، لا تبدو الحرب حدثاً بعيداً عن المدينة أو أخباراً تتناقلها الشاشات، بل واقعاً يتسلل إلى تفاصيل الحياة: إلى رغيف الخبز، وجركانة المياه، ورطل الحليب، وتعرفة الركشة، ودواء المريض، وجلسة الغسيل الكلوي.

في كوستي، لم تعد الأزمة مجرد انقطاع للكهرباء؛ إنها انقطاع متزامن في شروط الحياة، حيث تتوالد الأزمات من بعضها، ويجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة فاتورة حرب لا يملك قرارها، لكنه يدفع ثمنها كل يوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى